ساد المجتمع الدولي ما يمكن وصفه بـ”الترحيب الحذر” عقب التوصل إلى اتفاق ميونيخ المرتبط بالأزمة السورية، ففي ظل الترحيب الذي أبدته الأطراف الدولية بنصوصه المكتوبة على الورق، ظلت المخاوف مستمرة بشأن إمكانية تحققه على أرض الواقع.

وفي هذا التقرير نعرض بالسرد والتحليل أبرز ما توصلت إليه الأطراف الدولية في اتفاق ميونيخ، وردود أفعال الأطراف المحلية والإقليمية للأزمة السورية حول الاتفاق، وتطورات الأحداث على الأرض.

(1) أهم بنود اتفاق ميونيخ

 

وصلت القوى الدولية إلى اتفاق ميونيخ الذي صاغه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في 3 صفحات، بعد مناقشة تفاصيله مع 17 وزير خارجية لدول كبرى، وممثل للأمين العام للأمم المتحدة ومفوضة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، ورئيس جامعة الدول العربية نبيل العربي، وأهم ما اتفق عليه المجتمع الدولي في ميونيخ هو:

(1) وقف إطلاق النار وتحقيق هدنة عسكرية بين نظام بشار الأسد والمعارضة المسلحة خلال أسبوع مع استمرار العمليات العسكرية ضد “تنظيم الدول” و”جبهة النصرة”.

(2) إيصال المساعدات الإنسانية إلى البلدات السورية المحاصرة.

(3) استنئناف مفاوضات جنيف 3 للوصول لحل سياسي وتشكيل هيئة حكم انتقالية خلال 6 أشهر على أن يعقبها “إطلاق عملية وضع دستور جديد يتم وفقه إجراء انتخابات حرة وعادلة في موعد أقصاه 18 شهرًا”.

(2) المعارضة ترحب.. والنظام السوري في وادٍ آخر!

 

رحبت الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن المعارضة السورية باتفاق ميونيخ مؤكدة استعدادها للمشاركة في محادثات جنيف3 “إذا تحقق الاتفاق على أرض الواقع”، وبرر رئيس هيئة المفاوضات رياض حجاب ترحيب الهيئة بالاتفاق والهدنة “إن المعارضة قبلت هدنة مؤقتة لارتباط وقف إطلاق النار بالانتقال السياسي. إن قبول الهدنة جاء لمراقبة جدية الروس والإيرانيين والنظام السوري تجاه إرسال المساعدات وتنفيذ بناء الثقة والالتزام بمسألة الانتقال السياسي”.

ولفت “حجاب” في الوقت ذاته إلى “أن المعارضة السورية لن تقبل الهدنة المقترحة إلا إذا قبل بها قادة فصائلها المسلحة، وشدد على تمسك المعارضة بالحل السياسي بموازاة الحل العسكري وعدم تخليها عن واحد منهما حتى تحقق هدفها بإسقاط بشار الأسد”.

ومن جانبه لم يُعلق النظام السوري على اتفاق ميونيخ، في الوقت الذي صرح فيه الرئيس السوري بشار الأسد باعتزامه “استعادة كامل الأراضي السورية.. وهذا سيستغرق وقتًا طويلًا” داعيًا في مقابلة له مع وكالة الأنباء الفرنسية “حكومات أوروبا إلى تهيئة الظروف التي تسمح بعودة السوريين إلى بلادهم”.

(3) تراشق روسي أمريكي وشكوك حول إمكانية تنفيذ الاتفاق

 

رحبت كل من أمريكا وروسيا باتفاق ميونيخ ولكن ظلت الخلافات بين البلدين ظاهرة على السطح وسط شكوك في إمكانية تنفيذ الاتفاق على الأرض.

رفض وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف مطالب المعارضة بحل المسائل الإنسانية في سوريا شريطة في استكمال المفاوضات، واصفًا ذلك بـ”الاستفزاز”، ودعا إلى عدم “شيطنة” دور الأسد في إحداث الأزمات الإنسانية في سوريا محملًا من وصفهم بـ”الإرهابيين” ذلك، وأعرب عن أمله في “أن تدفع ضرورة مواجهة الإرهاب جميع الدول إلى ترك محاولات الإطاحة بأنظمة الحكم في هذا البلد أو ذاك” في الوقت الذي قال فيه إن نسبة نجاح وقف إطلاق النار على الأرض هي “49%” وهي تلك النسبة التي رفعها وزير الخارجية الألماني إلى “51%”.

وفي نفس السياق أعلن لافروف أن “التنسيق بين عسكريين روس وأمريكيين يشكل أساسًا لحل مشكلات إنسانية في سوريا وشرطا لا بد منه لتحقيق هدنة في البلاد”.

من جهته شن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري هجومًا على روسيا مُكررًا اتهامه لها باستهداف معارضي الأسد والمدنيين – يوم السبت 13 فبراير – بعد يوم واحد فقط من إبرام الاتفاق، وقال كيري “حتى الآن استهدفت الغالبية العظمى من الهجمات الروسية جماعات المعارضة الشرعية. ولكي تلتزم روسيا بالاتفاق الذي أبرمته، فإن على عمليات الاستهداف الروسية أن تتغير”. مُضيفًا “روسيا تُسقط القنابل الحمقاء في سوريا التي ليس لديها هدف محدد، وتؤدي إلى قتل مدنيين”.

(4) الوضع على الأرض السورية

 

لا يُبشر الوضع على الأراضي السورية بتنفيذ اتفاق ميونيخ على الأرض، وبالأخص منه الجانب المرتبط بوقف إطلاق النار، ففي يوم 12 فبراير – يوم الاتفاق – أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مقتل 134 بينهم 41 من القوات الموالية للأسد، و39 مدنيًّا قُتلوا معظمهم بسبب النظام السوري وغارات روسيا، وأفادت تقارير صحفية بأن روسيا نفذت مئات الغارات الجوية على ريف حمص بعد توقيع الاتفاق في 13 فبراير، وتحدث المرصد عن قصفٍ شنته القوات التركية على أماكن خاضعة لسيطرة وحدات حماية الشعب الكردية بمنطقة منغ ريف أعزاز وريف حلب الشمالي.

وفي وسط هذه التطورات، أعلن التحالف العربي على لسان متحدثه الرسمي السعودي أحمد العسيري، أن قرار الرياض بشأن بدء عملية برية في سوريا نهائي ولا رجعة عنه، في الوقت الذي أعلنت أنقرة أن “السعودية أرسلت طائرات مقاتلة إلى قاعدة أنجرليك التركية لمحاربة داعش” وأعلنت الخارجية التركية أن تركيا والسعودية قد “تطلقان عملية برية ضد داعش في سوريا” وهي تطورات دائمًا ما تُمثل مصدر إزعاج وقلق للجانب الروسي.

(5) هل تكون روسيا هي الرابح الأكبر من اتفاق ميونيخ؟


من الممكن أن تكون روسيا – الداعم الأكبر للأسد – هي الرابح الأكبر من اتفاق ميونيخ، وبالأخص عند استغلال نقطة استثناء “تنظيم الدولة وجبهة النصرة” من إيقاف العمليات العسكرية تجاهها واستمرار “مكافحة الإرهاب”، وهو ما يسمح باستمرار الغارات الجوية الروسية التي تستهدف معارضي الأسد لتثبيت أركان نظامه تحت مسوغ “محاربة الإرهاب”، وهو مصطلح مطاطي، تنجح روسيا في استغلاله للتنصل من اتفاقاتها وسط إدانات دبلوماسية من هنا ومن هناك من داعمي معارضي الأسد، لا تأبه بها روسيا كثيرًا لأنها لا تصل إلى عقوبات اقتصادية مثل التي فرضها الغرب على روسيا إزاء الأزمة الأوكرانية، ولا تصل إلى حد المواجهة العسكرية ضد نظام الأسد كتلك التي تتبناها روسيا في مواجهة معارضي الأسد.

ووفقا لمراقبين، فقد يعطي هذا الاتفاق الضوء الأخضر لاستمرار النشاط العسكري الروسي في سوريا بغطاء دولي، وبالأخص مع فتح المجال لاستهداف جبهة النصرة التي دائمًا ما تتمركز في مناطق تنشط فيها المعارضة السورية المسلحة، وبخاصة على الحدود مع تركيا. ومما يدعم ذلك عدم مبالاة النظام السوري بالاتفاق وسعيه لاسترداد الأراضي السورية إستراتيجيًا كما أعلن رئيسه، واستهدافه قطع الطريق بين خطوط الدعم بين تركيا والمعارضة، وهو ما نجح فيه بشكل كبير تحت الغطاء الجوي الروسي من خلال استهداف حلب الذي تزامن مع محادثات جنيف 3، وهو ما يتسبب في تعثر وصول المساعدات إلى المعارضة المسلحة، تلك الإمدادات التي توقفت مُنذ محادثات فيينا في أكتوبر الماضي بحسب خالد خوجة رئيس الائتلاف السوري المعارض الذي لفت إلى تزايد خسائر القوى المعارضة وبالأخص بعد التدخل الروسي.

اقرأ أيضًا:

الفرص الضائعة على الثورة السورية.. كيف استفاد الأسد من صعود “الدولة الإسلامية”؟

وأيضًا:

بعد فشل جنيف 3.. هل تتجه الأزمة السورية نحو المزيد من التصعيد العسكري؟


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد