لا غرابة في أن تجد مواطنًا فلسطينيًا يعيش في الداخل المحتّل يفضّل العيش في بلدة ذات غالبية يهودية على أُخرى ذات غالبية عربية، فهو مستعدّ لتجرّع العنصرية والتضييق من طرف الاحتلال مُقابل أن يشعر بالأمان المفقود في البلدات والمدن العربية التي تشهد ارتفاعًا كبيرًا في نسبة الجرائم بين مواطنيها حتى أضحت في بعض الأحيان أشبه بساحة لحرب العصابات.

هذه الجرائم التي تتقاعس شرطة إسرائيل عن ملاحقة مرتكبيها تتم في الكثير من الحالات بسلاح إسرائيلي مهرّب من قواعد جيش الاحتلال؛ ممّا يطرح أسئلة مشروعة عن احتماليّة تعمّد السلطات الاسرائيليّة التغاضي عن مكافحة الجريمة والعنف والتراخي عن ملاحقة المجرمين، لجعل هذه البيئة طاردة للسّكان.

دماء وجرائم مروّعة.. بلدات فلسطينيّي الداخل تحوّلت إلى مستنقع للعنف

«تحدّثتُ مع ابنتي يارا للمرة الأخيرة في اليوم الذي اختفت فيه، حيث جلسنا مع بعضنا البعض واستأذنت مني الذهاب إلى عيد ميلاد صديقتها وقالت لي إنها أحضرت لها مفاجأة. وبعد خروجها، حاولت أنا وشقيقاتها التواصل معها إلا أنها لم ترد علينا، عندها انتابني شعور بأن شيئًا ما حصل ليارا. وعلى الفور تواصلت مع والدها الذي تواجد في العمل وطلبت منه العودة إلى المنزل»، كانت هذه رواية اللحظات الأولى لاختفاء الفتاة يارا نشأت أيوب (16 عامًا) من قرية الجش شمال فلسطين على لسان أمها قبل أن تعلم بمقتلها يوم السادس والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وبرغم مرور أيام قليلة على مقتل يارا ابنة المجتمع الفلسطيني الذي لا يشكل أكثر 20% من نسبة سكان الداخل المحتل؛ إلّا أن جرائم قتل أخرى وقعت بعد مقتل هذه الفتاة، لتعود الاحتجاجات المندّدة بهذه الظاهرة حاضرة ومتعدّدة من قبل فلسطينيي الداخل المحتل، ومنها جريمة قتل الشاب حافظ حسين عيسى (38 عامًا) الذي توفي إثر تعرّضه للطعن في شجار نشب في قرية نحف في الجليل المحتل.

فقد شهد العقد الأخير ارتفاعًا متواصلًا في معدلات الجريمة، التي وصلت مستويات غير مسبوقة، فعلى سبيل المثال، شهد أغسطس (آب) الماضي عدة جرائم متفرقة، أسفرت عن مقتل كلّ من نورا أبو صلب (37 عامًا) من النقب، عبد الله عمرية (21 عامًا) من قرية إبطن، رجل الأعمال أحمد زهدي عثامنة (40 عامًا)، رسمية طه مصالحة، محمود حجاج (29 عامًا) وخطيبته ريما أبو خيط (20 عامًا) من الطيرة، كما قُتل الشاب رداد فيصل في ذات الشهر، ويُستدل من الإحصائيات أنه منذ بداية هذا العام قتل 50 مواطنًا من فلسطينيّي الداخل المحتل، بالرغم من أن عددهم يشكل فقط 20.4% من السكان الإسرائيليين كما أسلفنا، يقيمون في الجليل، والمثلث، والجولان، والقدس، وشمالي النقب، إلا أن نسبة العرب، سواء من ضحايا القتل أو من مرتكبي جرائم القتل معًا تشكل 62%، من معدل وقوع جرائم القتل في الداخل المحتل اجمالًا، ويزيد معدل الجريمة في هذا المجتمع بـ7.4 أضعاف عن معدل وقوعها في المجتمع اليهودي.

وتعود أسباب ارتفاع العنف بين فلسطيني الداخل المحتل إلى عدة عوامل، أهمها – حسب محلّلين – تواجد مراكز الشرطة الإسرائيلية في البلدات العربية وعناصرها المقتنعين أن العرب هم عدو ولا يتمتّعون بالمساواة أمام القانون وليس من حقّهم الشعور بالأمن، كذلك يلعب الفقر والبطالة في أوساط الشباب العرب دورًا في ارتفاع نسبة الجرائم، ناهيك عن تراجع نفوذ الأسرة والقبائل والمجتمع التقليدي في مقابل التحديث الذي تعرّض له المجتمع الفلسطيني.

سياسة

منذ سنة واحدة
شوكة في الخاصرة.. هل يفكك عرب 48 بناء إسرائيل؟
4203
آمال سامي

إذا قتل عربي فجهود الشرطة الإسرائيلية تؤول إلى الصفر

قبل ثماني سنوات قُتل في مدينة اللد المواطن الفلسطيني أحمد أبو زايد (34 عامًا)، وقد كان الرجل قبل مقتله على خلاف مع أشخاص معروفين، لكن حتى الآن لم يتم اعتقال أيّ من هؤلاء من قبل الشرطة الإسرائيلية.

ومع مرور السنين يكبر أبناء أبو زايد وملف التحقيق في مقتله ما يزال مفتوحًا حتى اللحظة، لتبقى هذه الحادثة واحدة من مجموع الحوادث التي تدلّل على تقاعس وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية في تتبع جرائم القتل للمواطنين الفلسطينيين، ويمكن الاستشهاد بالأرقام التي تؤكد أن جرائم القتل في البلدات والقرى الفلسطينية في الداخل المحتل – التي تبلغ أربعة أضعاف منها في أوساط اليهود – تبقى نسبة القضايا المفتوحة فيها هي 84%، مقابل 16% عند اليهود، فما يحدث في الغالب عند وقوع جريمة قتل أن يقتصر الأمر على وصول الشرطة الإسرائيلية إلى مكان الحدث وتفحّص الموقع دون سعى حقيقي لتفكيك رموز الجريمة من أجل الوصول للجناة ومحاكمتهم.

ففي بلدة صغيرة كـ«كفر قاسم» الواقعة شرق مدينة يافا، ظلّت 98% من جرائم القتل بملفات مفتوحة ولم ينته التحقيق فيها، رغم مرور سنوات على ارتكابها، ومقابل ذلك لم يستغرق الكشف عن مقتل مستوطن في ذات البلدة على يد شابّيْن فلسطينييْن أكثر من أسبوع لكشف الحادثة، ويتحدث فلسطينيو الداخل عن أن بعض الجرائم جرت في أماكن فيها كاميرات مراقبة ويمكن الوصول للمجرمين بسهولة، كما أن جرائم قتل النساء العربيات التي تشكل 40% من مجمل الجرائم، يتضح أن حوالي 80% منهن كن قد قدّمن قبل مقتلهن شكوى إلى شرطة إسرائيل، تتعلق بتعرّضهن للتهديد أو الخطر.

وفي محاولة لقراءة دوافع التقاعس الإسرائيلي تجاه هذه الجرائم يمكن القول أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تريد إسقاط المجتمع العربي الفلسطيني من داخله، بضرب الأمن وافتعال الجريمة والعنف، بهدف تفكيك هذا المجتمع وإضعافه وإنهاء وجوده، فإسقاط وإغراق هذا المجتمع في العنف الداخلي يسهل على تحقيق أهداف الاحتلال في تهجير العرب.

Embed from Getty Images

الشرطة الاسرائيلية خلال قمع فلسطيني الداخل

يقول النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي جمال زحالقة: «السياسة الرسمية في موضوع مكافحة العنف في المجتمع العربي هي سياسة تمييز عنصري، مثل بقية مجالات الحياة من تعليم وتشغيل وتصنيع وغيرها، فالشرطة تميّز في تعاملها مع جريمة قتل في تل أبيب مقارنة بجريمة قتل في جسر الزرقاء، حيث تقوم باستثمار موارد كبيرة وطواقم مهنية بقدرات عالية فقط حين تكون ضحية القتل من المواطنين اليهود، أما اذا كان القتيل عربيًا، تقوم الشرطة بما هو أقل من الحد الأدنى للقبض على الجناة ومعاقبتهم».

ويضيف: «والنتيجة انهيار الردع وتشجيع الجريمة، قوّة منظمات الإجرام في المجتمع العربي ازدادت بعد سحق الإجرام المنظم في البلدات اليهودية. ويجب عدم استعمال تعبير «عائلات الإجرام»، لأن هذا تعميم يمس بناس لا علاقة لهم بالإجرام والتعبير الصحيح هو «منظمات الإجرام»، فهو يشمل فقط من تورط بالجريمة المنظمة».

سياسة

منذ سنة واحدة
لماذا تدرِّس إسرائيل سِير عسكريين ارتكبوا جرائم حقوق إنسان؟
622
ميرفت عوف

فوضى السلاح..إسرائيل تتغاضى عن تهريب السلاح من قواعد جيشها لفلسطينيي الداخل

السلاح لا يهبط علينا من السماء، من أين يأتون بالرصاص؟ كله مصدره الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية، وهذا الأمر ليس جديدًا

تصريح لرئيس اللجنة الشعبية في أم الفحم، أحمد شريم.

Embed from Getty Images

جنود اسرائيليين

يواصل شريم الحديث بالقول لموقع «عرب 48» بأنّ انتشار ظاهرة العنف والجريمة يرجع إلى إهمال مقصود من طرف السلطات الاسرئيليّة من أجل إغراق المجتمع الفلسطيني في مشاكله الداخليّة لثنيِه عن المطالبة بحقوقه المشروعة.

إذ يئن الفلسطينيون في الداخل المحتل من فوضى السلاح التي اقترفت بها 70% من جرائم القتل، وحسب الإحصاءات فقد بلغ عدد قطع السلاح غير المرخص حوالي 400 ألف قطعة، 80% منها في البلدات العربية، وتتهم شرطة الإسرائيلية بالتقاعس والإخفاق في معالجة ظاهرة فوضى السلاح، ويرى مواطني الداخل المحتل أن هذا السلاح حين يهدّد يهودًا يختلف التعامل مع الظاهرة بشكل جذري، وقد وصل الأمر بإسرائيل إلى مطالبة المواطنين العُزّل بالوقوف أمام السلاح والمسلّحين.

Embed from Getty Images

مظاهرات للفلسطينيين أمام المسجد الأقصى

وتتغاضى شرطة إسرائيل عن انتشار السلاح، بل من المفارقة أنه منذ افتتاح مركز لشرطة إسرائيل في أم الفحم ازدادت ظاهرة العنف وانتشار السلاح وإطلاق النار في المدينة، وسبق أن اتُهم أفراد من الشرطة بتسريبهم معلومات للعصابات الإجرامية في مدينة أم الفحم، إذ يقول البعض إنّ شرطة هذا المركز لا يقومون بواجبهم تحقيقًا للمصلحة سياسية الإسرائيلية في نشر العنف من خلال نشر السلاح.

وتؤكد الأرقام على أن مصدر الأسلحة بين فلسطينيّي الداخل بنسبة 90% هي قواعد الجيش الإسرائيلي، إذ تُهرب منها هذه الأسلحة التي اتفق العام الماضي على تشكيل وحدة مشتركة للقضاء عليها وحتى الآن لم تشكل، بالمجمل تصل الأسلحة من ثلاثة مصادر رئيسة هي: «السرقات من الجيش الإسرائيليّ، التهريب من الأردنّ والتصنيع في الضفة الغربية. كما تصل أسلحة أخرى مصدرها السرقات من المنازل والسيّارات»، حسب التقرير الرسمي الإسرائيلي الذي يكشف تفاصيل الإخفاق في مواجهة السلاح والجريمة بين فلسطينيي الداخل.

سياسة

منذ 7 شهور
حماس «تأسر قلوب» جنود الاحتلال.. وإسرائيل ترد بـ«القلب المكسور»
1469
ميرفت عوف

المصادر

تحميل المزيد