في مشهد ما من مشاهد الثورة الإيرانية، كانت جموع الفنانين الإيرانيين تطلق الأغاني الداعمة لها لتمرير رغبتهم في مساحة من الحرية يتحررون بها من جميع القيود السياسية لحكم “الشاه” القمعي الذي كبّل الإيرانيين بالحديد والنار، قبل أن تذهب مصائرهم بين القتل والاعتقال والتضييق بمجموعة من الفتاوى حُرَّمَ مِن خلالها الغناء والموسيقى ولَعَنَ من يمارسهما.

خلال السطور التالية، نعرض لتاريخ الموسيقى الإيرانية، وحالة الصعود والهبوط التي عاشتها الموسيقى بعد وقائع الثورة الإسلامية في 1979، وكيف أثر الوضع السياسي على الفرق الموسيقية المستقلة المتواجدة في إيران، وخارجها في الانتقال للشارع لخلق مساحة تكون ملكهم، يصدحون فيها بآلاتهم الموسيقية وهم أحرار.

الموسيقى الإيرانية قبل الثورة الإسلامية

كانت رغبة شاه إيران هي إضفاء طابع أوروبي على إيران، خاصة في الفنون والموسيقى وظهر ذللك في الموسيقى الوافدة من الغرب إلى إيران، وتنظيم العديد من المهرجانات الموسيقية كان أبرزها مهرجان شيراز بيرسابوليس الفني Shiraz-Persepolis، المهرجان الذي انطلق عام 1967 ليتحول سريعًا إلى ملتقى عالمي لفنون الغناء والموسيقى والرقص.

خلال تللك الفترة ارتفعت أسهم المغنين الموسيقيين، وعرفت طهران أنماطًا جديدة من الموسيقى بجانب “الموسيقى التقليدية” وهي موسيقى البوب، التي راجت عبر إذاعتها عبر مجموعة من البرامج مثل “الوردات اليافعة”، “غصن الورد” و “الورقة الخضراء”.

مابين عامي 1971 و 1976، عرفت موسيقى “البوب” شهرة واسعة بعد تحقق وصول أصواتهم الموسيقية عبر الراديو، لكنها ظلت أسيرة طابع الموسيقى الفارسية والآلات التقليدية كالرق والسنطور والدومباك والناي والدف، ليظل هذه النوع من الموسيقى محتفظًا بطابعه الإيراني.

«كلية الفنون الجميلة» في طهران، كانت الواجهة الرئيسية لجموع الفنانين الإيرانيين قبل الثورة، حيث علي أكبر شهنازي وحبّ الله صالحي، اللذان أحدثا ثورة حقيقية على صعيد الموسيقى الفارسية، على رأس قائمة من درسوا الموسيقى لصغار الموهبين أمثال “محمد علي لطفي”، وعازف التار الكبير “حسين عليزاده” ممن توفرت لديهم القدرة الإبداعية على إحداث تغييرات جوهرية في محتوى وشكل الموسيقى التقليدية، ظهرت لاحقًا في تأسيسهم فرقة «عارف» عام 1977، التي قدمت تحفًا فنية ظلت محفورةً في الذاكرة الجمعية الإيرانية.

«حين أشرع في التلحين، لا أفكر إن كان اللحن تراثيًا أو حداثيًا، بل إن الأسلوب ينشأ أثناء العملية الإبداعية. للتحديث صلة وثيقة بحياة الفرد ومناخه الروحي والذهني، ولا يمكن اعتباره طارئًا يتلبس الفنان بقدر ما هو نابع من أعماقه. يجب أن يكون الفرد ذا ذهنية حداثية كي يكون قادرًا على الإبداع» كلمات لمحمد رضا لطفي (1947- 2014) الذي أسهم في التأسيس للذاكرة الموسيقية الحديثة في إيران، وتحقق فيها نزعته التحديثية في الموسيقى التراثية.

تظهر الفيديوهات الغنائية، المنتشرة على اليوتيوب، لأكبر المغنيات الإيرانيات في مرحلة ماقبل الثورة مثل “دلكش” و “قمر الملوك” الملقبة بملكة الموسيقى الفارسية، وهن يرتدين فساتين ضيقة، وفي يدها كأس صغير من الكحول، ملامح الغناء الاستعراضي الخفيف الذي كان منتشرًا في ملاهي طهران خلال فترة حكم “الشاه”.

وبعد الثورة الإسلامية

منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، استسلمت جموع الموسيقيين الإيرانيين إلا قليلا، ورجعت عن فورة آمالها، بعد تزامن وقائع الثورة مع الفتاوى الدينية من الحكومات المتعاقبة بقيادة ولي الفقيه، بحظر الموسيقى، وإلغاء كافة العروض الموسيقية بمسارح وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، وإصدار أحكام مشددة على بعض من حاولوا خرق هذه القوانين.


لكن سياسة الحكومة الإيرانية لم تكن على نفس الوتيرة في المنع والتشديد في العقود المتعاقبة لثورة “الخميني”، حيث كانت سياسة ازدواجية حيال جموع الفنانين الإيرانيين، فكان الدعم والاحتضان من وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي للمطربين “القانونيين”، الذين التزموا بكافة التعليمات من إعادة لغناء الأغاني التقليدية، ماجعل مسألة الحصول على ترخيص لإنتاج الألبوم مضمونا، بينما كان لـ”مطربي البوب” نصيبهم من الرقابة الصارمة، والأحكام المُشددة بحقهم، لتعاونهم مع الكثير من العناصر الغربية، ماجعل حصولهم على تراخيص لإنتاج ألبوماتهم الغنائية أمرًا صعب المنال.

“شاهين نجفي، أحد النماذج لمطربي البوب الإيراني بعد الثورة، الذي يقيم في مدينة كولونيا الألمانية، بععد هروبه من الميليشيات التي اقتحمت إحدى حفلاته غير المرخصة في سبتمبر/ أيلول 2004. ورُفعت دعوى ضده، قبل أن يتمكن من الهروب خارج البلاد إلى تركيا، ويتقدم بطلب لجوء سياسي لألمانيا ويطلق أغنيته “ناغي” في عام 2012، والتي كانت بمثابة محرض أساسي عليه، بعد ادعاء القادة الدينيين في إيران إهانته للإمام، وإصدار أربع فتاوى من مختلف آيات الله تهدر دمه، وتبيح لكل مسلم في العالم قتله.


 تحظر القوانين الإيرانية المستندة إلى الشريعة الإسلامية منذ 1979 على النساء الغناء انفراديا حتى لأداء لازمة موسيقية باعتبارها مصدر غواية وفساد وتحريض، وهو الأمر الذي دفع عددًا من المسؤولين الدينيين لتنظيم حملات هجومية على “علي جنتي” وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي مؤخرًا على خلفية سماحه بصدور عمل موسيقي تؤدي فيه مغنية بشكل منفرد: “ليس من إجماع بين الشيوخ المسلمين على ما إذا كان يُسمح للنساء بالغناء منفردات أم لا.” وقد وصل هذا الأمر إلى البرلمان الإيراني تدريجيًا وحذّره 10 نوّاب في البرلمان رسميًا من توظيف مؤديات منفردات.

كانت هذه القوانين الاستثنائية التحدي الأبرز أمام سارة نجفي، مؤلفة الموسيقى الإيرانية، التي أنتجت فيلمًا وثائقيًا “نو لندز سونغ” (أرض بلا غناء) يتعرض لهذه القيود القانونية والاجتماعية والسياسية من خلال محاكاة لمحاولة تنظيم حفل رسمي لنساء مغنيات منفردات ودعوة كل من الإيرانيتين “بارفين نامازي” و”ساييه سوديفي” والفرنسيتين “إيليز كارون” و”جان شيرال” والتونسية “أمل مثلوثي” لتقديمها. وقام أخ سارة، آيات نجفي، بتصويره.

تحكي سارة نجفي عن مغامرتها في الفيلم للحصول على ترخيص لحفلتها الغنائية من المسؤولين الرسميين: “كان عليّ أن أبقى مهذبة وهادئة، كنت أسألهم وهم يجيبون، حتى لو لم أكن أوافقهم الرأي كنت أقول لهم “نعم بكل تأكيد”. لكن بعد ثلاث وأربع زيارات بكيت فعلا، فقد كان الأمر بغاية الصعوبة ولكني كنت أستجمع قواي وأقول إن كل شيء ممكن، والمغنيات الإيرانيات قدمن لي العون في تلك المرحلة”.

 


مع تولي “حسن روحاني” الرئاسة الإيرانية، وتسلمه مقاليد السلطة، دبت داخل النفوس الأمل، وارتفعت جموع الموسيقيين بطموحاتها إلى عنان السماء في السماح بتنظيم عروضهم الموسيقية في المسارح خصوصًا بعد اتخاذه شعار “الاعتدال والتدبير” شعارًا أساسيًا لحكومته، لكن بمرور الأيام تبين أن شعار حكومته “الاعتدال” ماهو إلا “سراب” يطارده “الواهمون بعد تجاوز عدد الحفلات الموسيقية الملغاة خلال السنتين الأخيرتين تلك التي ألغيت في عهد أحمدي نجاد.

في هذه القائمة من الصور، نرصد انتشار الفرق الموسيقية في شوارع العاصمة الإيرانية طهران، التي لم تجد أمام خنق الحياة الموسيقية، والتشديد في استصدار تراخيص لهذه الحفلات سوى الشارع للبحث عن الهوية والتحرر من جميع القيود، جنبًا إلى كونها وسيلة لجلب الأموال لمجموعات من اللاجئين الأفغان المستوطنين في الجمهورية الإسلامية.

 

تظهر هذه الصورة حفلة قام بها العازف الإيراني كيوان ساكت بصالون وحدات، بطهران.

 


 

يظهر هذا المنشور المعلق على أحد الجدران في العاصمة طهران، البوستر الترويجي لإحدى الحفلات الموسيقية، التي قام بها العازف الموسيقي الإيراني كيوان ساكت بمصاحبة فرقة ألمانية بقيادة هيلموت استريتش.

 

 

 

 

 

من احتفالية إيران باليوم العالمي لمكافحة الإدمان.

 

عازفة إيرانية بميدان قدس بالعاصمة الإيرانية “طهران”.

 

 

شابان إيرانيان يعزفان بالآلات الموسيقية بميدان تاجريش

فرقة موسيقية تعزف بشارع ولي العصر بطهران

 

المصادر

تحميل المزيد