27,075

ربما لا تكون من أشد المعجبين بالموسيقى، ربما لا يشكل الاستماع إلى إحدى المقطوعات جزءًا من روتينك اليوميّ، لكن هنالك بعض المقطوعات وصلت حدًا من الشهرة مستحيل معه ألا تكون قد سمعتها من قبل، سواء كان ذلك عن طريق فيلم أو مسلسل أو إعلان أو برنامج أو أي شيء آخر، فبالتأكيد ستجد هذه المقطوعات مألوفة بشكل كبير. في هذا التقرير، نستعرض خمسًا من تلك المقطوعات مع تناول نبذة عن خلفياتها التاريخية وحياة مؤلفيها.

1- La Campursita: الموكب الصغير

شهد مقهى “لا جيرالدو” في مونتيفيدو عاصمة الأوروجواي ميلاد مقطوعة التانجو الأشهر على الإطلاق، في يوم 8 فبراير عام 1917 كان روبيرتو فيربو، الموسيقي الأرجنتيني صاحب الفضل الكبير على موسيقى التانجو، يؤدي فقرة هناك عندما طلب فتى خجول بصحبته بعض من أصدقائه الحديث إليه. أراه الفتى نوتات لمقطوعة موسيقية كان قد ألفها. أُعجب فيربو بالمقطوعة على الفور واشتراها من الفتى بمبلغ ضئيل – عشرين بيزو – ثم قام بإجراء بعض التعديلات عليها لتصبح هذه المقطوعة “لا كومبرسيتا” كما هي معروفة اليوم. كان الفتى هو جيراردو رودريجوز، ابن لصاحب ملهى ليليّ وطالب في كلية الهندسة المعمارية. لم يحب روردريجوز دراسة الهندسة فتركها وتفرغ للموسيقى وقام بتأليف “لا كومبريستا” – التي تعني “الموكب الصغير” – وهو بعد في السابعة عشر من عمره. حققت المقطوعة نجاحًا فوريًا في مقاهي مونتيفيدو ثم مقاهي بوينس أيرس حيث سافر فيربو. بعد فترة قصيرة، خفت هذا النجاح وبدأت المقطوعة الجميلة تتوارى في طي النسيان. في عام 1924، قام الشاعر الأرجنتيني باسكال كونترسي بإضافة كلمات لها لتصير أغنية عاطفية وتغير اسمها إلى “لو كنتِ تعرفين” ثم أُدرجت داخل عرض مسرحي لتحقق شهرة منقطعة النظير. سافرت المقطوعة من مقاهي بوينس أيرس لمسارح باريس ومن باريس للعالم أجمع ليصبح اسمها بعد ذلك مرادفًا لموسيقى التانجو.

2- Fur Elise: من هي إليز في حياة بيتهوفن؟

بالرغم من كونها من أكثر الأعمال الكلاسيكية شهرة اليوم، إلا أن “إلى إليز” لم يتم نشرها سوى عام 1867 بعد أربعين عامًا كاملة من موت مؤلفها الشهير لودفيج فان بيتهوفن. أثناء عمله في ميونخ، اكتشف الباحث الموسيقي لودفيج نول هذه المقطوعة لبيتهوفن وكان قد كتب على نوتاتها تاريخ تأليفها “27 إبريل 1810” وإهداء “إلى إليز”، فسمُيت المقطوعة من بعدها باسم الإهداء. لكن، من عساها تكون إليز تلك التي ألف لها بيتهوفن هذه المقطوعة الرقيقة؟

اختلفت التأويلات حول هوية إليز والسبب يرجع ببساطة إلا أنه لم تكن ثمة “إليز” في حياة بيتهوفن قط، أول نظرية ترجح أن لودفيج نول أخطأ في قراءة الاسم نتيجة لعدم وضوح خط بيتهوفن وأن الإهداء الأصلي كان “إلى تيريز” في إشارة إلى تيريز مالفاتي تلميذة وصديقة بيتهوفن التي عرض عليها الزواج في 1810، رفضت إليزابيث عرض بيتهوفن لتتزوج بعدها بأحد النبلاء. يقول تأويلٌ آخر أن المقطوعة كانت مهداة لمغنية الأوبرا الألمانية إليزابيث روكل التي جمعتها علاقة صداقة بالموسيقيّ الكبير والتي كانت يدعوها البعض “إليز”، روكل هي الأخرى تزوجت من آخر، كان هذا الآخر هو الموسيقيّ جوهان هامل صديق بيتهوفن الذي يقل عنه شهرة بكثير. تقول النظرية الثالثة أن كلمة “إليز” في هذا الوقت كانت تستخدم بمعنى “عزيزتي” وأن المقطوعة يمكن أن تكون لأية امرأة أخرى.

3- (Lux Aeterna (Requiem for a Dream

جاءت هذه المقطوعة ضمن الموسيقى التصويرية لفيلم “مرثية حلم” الذي يعتبر التعاون الثاني بين المخرج دارِن أرنفوسكي والمؤلف الموسيقي كلينت مانسِل بعد تعاونهما الأول في “π”. يتناول الفيلم القصص المتقاطعة لأربع من الشخصيات في مدينة بروكلين الأمريكية وعلاقتهم مع المخدرات التي يلجأون إليها حتى تكتمل أحلامهم لتكن هي في النهاية ما يقضي عليها. قُسمت الموسيقى التصويرية لأربعة أجزاء على غرار الفيلم – صيف، خريف، شتاء –  وجاءت هذه المقطوعة في قسم الشتاء حيث لعبت دور البطولة في المشهد الأخير، بعد تحطم حياة كل منهم، تنكص الشخصيات الأربع إلى الوضع الجنيني ويقطع أرنفوسكي في مشاهد سريعة بين واقعهم البائس وما تمنوا يومًا ما أن يكونوه، وفي الخلفية، موسيقى مانسِل تنعي أحلامهم.

أُعيد توزيع هذه المقطوعة عدة مرات لتظهر في أفلام أخرى بارزة مثل شفرة دافنشي والجزء الثاني من مملكة الخواتم.

4- J’ai Quitte Mon Pays والحنين إلى الوطن

في التاسع والعشرين من يوليو عام 1961 ركب الشاب الجزائري اليهودي جاستون جرينيسيا وزوجته سوزي السفينة المتجهة من الجزائر لفرنسا، كانت الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي مستعرة وشعر اليهود بالخطر على أنفسهم كونهم من الموالين للاحتلال، لذا فقد شاركوا حوالي 800000 من الأوروبيين المقيمين في الجزائر – يعرفون تاريخيًا باسم ذوي الأقدام السوداء – الهجرة إلى فرنسا. على متن السفينة، شعر جاستون بالحنين إلى وطنه يغلبه، فأخذ جيتاره وألف هذه الأغنية يودعه فيها. في السنة التالية، سجل الأغنية في إحدى الاستديوهات الفرنسية وغناها في التلفزيون المحلي. صعدت به الأغنية إلى مصاف الشهرة وصار جاستون -الذي صار يعرف باسم أنريكو ماسياس – من أهم المغنيين في القرن العشرين. منذ عام هجرته وإلى الآن، بسبب ديانته وموقفه من دولة الاحتلال الإسرائيلي،وأنريكو ممنوع من دخول الجزائر. ظلت تيمة الاشتياق إلى الوطن تتكرر في كثير من أغاني ماسياس الشهيرة، مثل “لا، لم أنس” التي يصف فيها قريته الحية أبدًا في ذاكرته، و“فتيات بلدي” التي يتحدث فيها عن تقاليد الحب والزواج في المجتمعات الشرقية، كما قام أيضًا بأداء الأغنية الجزائرية الشهيرة “يا رايح”.

يمكنك قراءة كلمات الأغنية مترجمة إلى العربية من هنا وبالإنجليزية من هنا.

5- Ode to Joy: بيتهوفن يصارع الصمم وينشر البهجة

في عام 1824 ألف بيتهوفن هذه المقطوعة الموسيقية التي مثلت الحركة الرابعة في سيمفونيته التاسعة والأخيرة – توفي بعدها بثلاثة أعوام عن 56 عامًا – ضَمّن المقطوعة كلمات قصيدة “إلى البهجة” التي ألفها الشاعر الألماني فريديرتش شيلر عام 1785 وكانت تلك هي المرة الأولى التي يوظف فيها مؤلف موسيقي الغناء ضمن سيمفونية. تتحدث قصيدة شيلر عن الإخاء بين بني البشر تحت شعاري السعادة والحب.

أثناء تأليف سيمفونيته التاسعة، كان بيتهوفن يخوض حربه الخاصة مع مصيره الذي جعله مثالًا لكوميديا سوداء سلب فيها الموسيقيّ الأشهر سمعه. يبدو، بطريقة ما، أن روح المقاومة تلك تسربت لهذه الحركة من السيمفونية لتصبح بعدها النشيد العالمي للصمود في وجه القهر. في تشيلي،عند قيام الدكتاتور أوجاستو بينوشيه بانقلابه العسكري عام 1973 الذي أطاح فيه بسلفادور الليندي وملأ سجونه بالمعارضين، كانت النساء تزحفن ليلًا إلى أبواب السجن ينشدن “إلى البهجة” – بعد تغيير الكلمات إلى الإسبانية – ليشعرن كل من بالداخل أنه ليس وحده. في الصين، كانت “إلى البهجة” هي صوت الطلاب في مظاهرات ساحة تيانانمن في الصين عام 1989 ضد مكبرات الصوت التي ظلت تنقل رسائل قادة النظام الشيوعي القمعي. في ألمانيا، بعد سقوط حائط برلين ، لعب الموسيقيّ ليونارد برنسياين المقطوعة في ليلتين متتاليتين من ديسمبر 1989 مرة في ألمانيا الشرقية والأخرى في ألمانيا الغربية، في حفل أذيع في عشرين دولة بعد استبدال كلمة “بهجة” من القصيدة لتصير “إلى حرية”. في عام 1972 اختار الاتحاد الأوروبي “إلى البهجة” لتصير نشيدًا له، كما فعلت ذلك دولة روديسة في الفترة بين 1974 و1979.

هكذا سافرت هذه المقطوعة من بلد لبلد ومن قارة لقارة عابرة مختلف الثقافات واللغات والقوميات معلنة أنه إن كنا نبحث عن شيء ما يجمعنا ولغة ما نفهمها جميعًا، فقد وجدناها، إنها الموسيقى.

تعليقات الفيسبوك