في عام 1940م مع بداية الحرب العالمية الثانية، قررالرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الترشح للدورة الثالثة له في انتخابات الرئاسة الأمريكية بالرغم من وجود بعض الاعتراضات على ترشحه داخليًا في المؤتمر العام للحزب الديموقراطي، ووسط شكوك مثارة من البعض حول مرضه وعدم قدرته على تحمل مسؤوليات الرئاسة لاسيما وأن البلاد مقبلة على فترة حرب عالمية.

شكوك بلورتها وسائل الإعلام الأمريكية في تجييش الرأي العام ضده، حيث ناشدت أغلب تلك الوسائل الناخبين بعدم إعادة إنتخابه، ودعم مرشح الحزب الجمهوري لند ويلكي.

كانت النظرية السائدة في تلك الفترة أن المرشح الذي تدعمه وسائل الإعلام هو الذي يفوز في الانتخابات. ولكن كانت المفاجأة بنتيحة انتخابات رئاسية أعلن من خلالها فوز “روزفلت” مرشح الحزب الديموقراطي بـ 55% في مقابل 45% لـ “لند ويلكي” المدعوم من وسائل الإعلام.

وتزامنًا مع الحملات الانتخابية لكلا المرشحين كان بول لازارسفيلد – العالم المتخصص في الإحصاء الاجتماعي والمهتم بالبحوث الميدانية – يُجري دراسة ميدانية ليتأكد من مدى قوة تأثير وسائل الاتصال الجماهيري على الجمهور.

فإذا كانت كذلك فلن يصوت الناخبون الأمريكيون لصالح روزفلت. وإذا كانت غير مؤثرة أو قليلة التأثير فسينجح. وكوّن فريقا بحثيًا كبيرًا بمساعدة العالمين برلسون وجودي، واختار منطقة Erie بولاية أوهايو Ohio لإجراء الدراسة.

اختار عينة ممثلة من 600 شخص تمت مقابلتهم 7 مرات متتالية، أي مرة كل شهر، من مايو إلى نوفمبر 1940 فترة الانتخابات Panel Study للتعرف على:

– العناصر المؤثرة على الناخب.

– تطور موقفه طيلة وقت الحملة.

وعندما نجح روزفلت، على عكس توجهات وسائل الإعلام، استخلص العالم كاتز 1956من تلك الدراسة، نظرية إعلامية تسمى “تدفق المعلومات عبر مرحلتين (The Two-step flow theory)”:
المرحلة الأولى:
تنتقل المعلومات من وسائل الإعلام إلى الأشخاص الأكثر إطّلاعا الذين يتلقونها من وسائل الإعلام مباشرة.

المرحلة الثانية:
تنتقل فيها المعلومات من هؤلاء الأفراد عن طريق الاتصال المباشر إلى الأفراد الأقل تعرضًا لوسائل الإعلام ويعتمدون على الآخرين في الحصول على المعلومات.

وأثبتت النظرية:
أن عملية تكوين “الرأي العام الانتخابي” لا تتم على مستوى فردي، بل في إطار جماعات تعيش أوضاعًا اجتماعية متشابهة، تجمعهم مصالح واحتياجات مشتركة. يعني أن المجتمع ليس مكونا من ذرات معزولة.

وأكدت النظرية أن عملية الاتصال الشخصي كان لها العامل المؤثر في تكوين رأي الناخبين من خلال الحوارات والنقاشات. مثبتة أفضليته عن الاتصال الجماهيري في التوجيه لإتخاذ القرار الانتخابي.

كما تضيف النظرية أن هناك قلة داخل كل جماعة تتميز عن سواها بكونها
أكثر متابعة للشأن العام، وأكثر استخداما لوسائل الاتصال، وأكثر انفتاحا على محيطه، أطلق عليها تسمية قادة الرأي Opinion Leader، أما الأغلبية فسميت بالأتباع Opinion Followers، لأنهم لا يحصلون على معلوماتهم من وسائل الإعلام بل من خلال اتصالهم المواجهي والمباشر بقادة الرأي الأكثر تعرضا لوسائل الإعلام.

ودائما ما يحتل قادة الرأي مراكز اجتماعية متميزة أكثر من غيرهم نتيجة وضعهم العلمي والاجتماعي والمهني، وينتمون هم والأتباع لنفس الجماعة الأساسية من أسرة أو أصدقاء أو رفاق في العمل.

وبشكل أكثر تحديدا نورد ما توصله إليه العالمين روجرز وشوميكر من تعريف علمي لمصطلح “قادة الرأي” بأنها الدرجة التي يكون الفرد عندها قادرا على التأثير بصورة غير رسمية في إتجاهات الأفراد الآخرين أو في سلوكهم بطريقة مطلوبة ومتكررة”. ويضيف باحثون خصائص أخرى هامة لقادة الرأي تفيد بأن متوسط أعمارهم في المجتمعات التقليدية يزيد عن أتباعه مع بروز الاعتقاد بأن السن يجلب الحكمة.

ومن مستخلصات الدراسة التي تولدت منذ عام 1940م ننتقل بسجلنا الزمني حوالي سبعة عقود إلى الأمام، وننتقل بنطاقنا الجغرافي من قارة أمريكا الشمالية إلى شمال إفريقيا، حيث أول انتخابات رئاسية نزيهة لمصر بعد ثورة الـ 25 من يناير.

فبعدما أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عدم نيتها للترشح في الانتخابات الرئاسية، لا سيما وأن مصر مقبلة على فترة استثنائية بعد ثورة 25 يناير وسط مخاوف وشكوك من عدم ملاءمة المرشح الإسلامي في تلك المرحلة، لكن في نهاية الأمر وبعد نتيجة تصويت داخل مجلس شورى الجماعة بـ 56 مؤيدا لترشيح أحد أفراد الجماعة في مقابل 52 معارضا؛ يترشح محمد مرسي بعد استبعاد خيرت الشاطر.

وبالرغم من التجييش الإعلامي المناهض لمرسي وتوصيفه بـ”الاستبن”، كانت النتيجة حصول مرسي على الحظ الأوفر من الأصوات في الجولة الأولى بما يزيد عن 5 مليون صوت، ليفوز بعد ذلك في جولة الإعادة بنسبة 51% متقدمًا على منافسه أحمد شفيق المدعوم من أغلب وسائل الإعلام المصرية آنذاك.

وهنا يبرز دور الاتصال الشخصي والحوارات والنقاشات المباشرة في التأثير والتوجيه الانتخابي متفوقا على وسائل الإعلام، من خلال قادة الرأي من الإخوان المنتشرين في مختلف المجالات المهنية والعلمية والاجتماعية وأتباع الجماعة الموزعين على مختلف المحافظات، عندما عملوا كوسطاء بين المواطن العادي ووسائل الإعلام لتفنيد ما تقوله تلك الوسائل مستعنين بمميزات الاتصال الشخصي المباشر التي لخصها لازر سفيلد وزميلاه في المرونة والتلقائية في عرض وجهات النظر، وتغيير أسلوب المواجهة تبعا لتقدير رد الفعل المباشر. وهذا ما يعجز عنه الاتصال الجماهيري حيث أنه يسهل على الناس الانصراف عن المواد التي تذيعها وسائل الإعلام ولا تتفق مع آرائهم، مع صعوبة تجنب الحديث المباشر مع الزميل أو الصديق أو الجار خاصة أن موضوع الحديث غير معلوم مقدما لديهم.

لم تكن نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2012هي المثال الأوحد لترجيح رئيس غير مدعوم من وسائل الإعلام، فخيار “نعم” في استفتاء 19 مارس 2011 كان كذلك، وأكثرية حزب الحرية والعدالة في الانتخابات البرلمانية كانت كذلك.

وفي سياق منفصل، وجهت انتقادات لنظرية “تدفق المعلومات عبر مرحلتين” تتمثل في عدم وجود تمييز واضح بين مسألة التأثير على الآخر في اتخاذ القرار وبين أنماط “نشر المعلومات”، ليذكر العالم “كاتز” – مؤسس النظرية – في هذا الخصوص: ربما تصل التأثيرات الناتجة عن وسائل الإعلام أو لا تصل إلى قادة الرأي، الذين ينقلون بدورهم ما قرأوه أو سمعوه إلى رفاقهم الدائمين الذين يؤثرون فيهم، وعلى ذلك فإن مسألة التأثير على الآخرين في”اتخاذ القرار” ينبغي أن تكون واضحة ومميزة عن مسألة “نشر المعلومات”.

ومن هذا المنطلق ووفقا لآراء الباحثين فإنه بالرغم من تميز الاتصال المباشر عن الجماهيري في عملية التوجيه الانتخابي واتخاذ القرار؛ فإن لوسائل الاتصال الجماهيري – من رادايو وتلفزيون وصحف – الأفضلية عن الاتصال المباشر في عملية “نشر المعلومات”.

وبالعودة إلى المشهد المصري مرة أخرى، لتوضيح الإطار الإعلامي لما حدث بعد تولي مرسي الحكم حتى عزله في الـ 30 من يونيو 2013؛ فبعدما طبق الإخوان المسلمون في مصر الشق الأول بالتركيز على “التواصل المباشر على الأرض” وهو ما ساعدهم بقوة للنجاح بشكل قوي في كل الانتخابات والاستفتاءات التي جاءت عقب ثورة 25 يناير، أغفلوا خلال فترة حكمهم حقيقة الشق التاني المتمثلة في تميز وسائل الاتصال الجماهيري في “نشر المعلومات” واعتمدوا أيضا بشكل كبير على “التواصل المباشر” بعدما ظهرت جدواه بقوة في مرحلة الانتخابات والاستفتاءات، وسط آلاتهم الجماهيرية الضعيفة (قناة مصر 25) بين عشرات القنوات المناهضة لهم.
وبتطبيق القاعدة التي وضعها خبير الإدارة العالمي د.مارشال جولد سميث، الذي يعد واحدًا من الخمسة عشر مفكرًا الأكثر نفوذًا وتأثيرًا في العالم وفق دراسة نصف سنوية أجرتها صحيفة التايمز وموقع فوبز العالمي، : “الذي أوصلك هنا لن يوصلك هناك”، What got you her will not get you there” تلك القاعدة التي اتخذ منها عنوانًا لكتابه في هذا الموضوع.

بمعنى أن الطريقة التي استخدمتها للوصول لهدف معين، لن تفيد بالضرورة إذا استخدمتها لتحقيق هدف مختلف، أي أن “الاتصال المباشر” الذي اعتمد عليه الإخوان في “التوجيه الانتخابي” للوصول للحكم، لن ينجح في “نشر المعلومات” التعريفية بمجهوداتهم أثناء فترة الحكم.

وبذلك لم يتحقق أبسط مفاهيم العلاقات العامة الذي يتلخص في جملة “العلاقات العامة هي فعل الخير والإعلام به ليساعد على خلق صورة إيجابية بين الجمهور والمؤسسة” مما ساعد على فتح المجال لنشر المعلومات المضادة التي اكتست بها وسائل الإعلام الأخرى دون تفنيد. ليؤثر ذلك في مشهد التظاهرات الضخمة المناهضة لحكمهم في الـ 30 من يونيو.

ختاما لابد من التأكيد على أن وسائل الإعلام عامة تساهم في التأثير- سواء بالإيجاب أو بالسلب – ولا تحققه منفردة بشكل كامل وحاسم، فهي عامل مؤثر وليست العامل الوحيد في هذه الظواهر سالفة الذكر. ونحن في هذا التقرير وتقاريرنا القادمة نميل إلى التفسير الإعلامي الأكاديمي لعدد من الأحداث والظواهر بعيدا عن منظوره السياسي أو أي منظور آخر.

المصادر

كتاب نظريات الاتصال للدكتور حسن عماد مكاوي، الدكتور بكلية الإعلام جامعة القاهرة.
عرض التعليقات
تحميل المزيد