في مارس الماضي خرجت وزارة الداخلية السعودية على العالم ببيان اعتبرت فيه جماعة الإخوان المسلمين في السعودية وخارجها جماعة إرهابية، هي ومعها حزب الله والحوثيون مع تجريم تنظيمها وتمويلها أو تأييدها والتعاطف معها واستخدام شعاراتها بعقوبات تصل للسجن لمدة ثلاثين عامًا.

وقد بدأت السلطات السعودية المحلية تحقيقات مع مجموعة من الأساتذة الجامعيين سعوديين ومن دول عربية مجاورة بسبب انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين لتثبت التحقيقات الأولية “تورطهم” ومن المتوقع أن يقابلوا أحكامًا بالسجن والغرامة والترحيل من المملكة لغير السعوديين فيما يعاقب حاملو الجنسية السعودية بالسجن بين عشرة وخمسة عشر عامًا، حتى وساطة السعودية للصلح بين قطر ومصر الذي أثمر عن تراجع قطر هي الأخرى عن مساعدة الإخوان بمصر، وإغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر.

كل هذه القرارات التي جاءت موجعة للإخوان المسلمين خصوصًا وأن السعودية كانت من أبرز الدول التي استقبلت حسن البنا مؤسس الجماعة في مواسم الحج والمؤتمرات الملكية ومن بعده الإخوان في الخمسينيات، بعدما فروا من مصر لعدائهم حركة الضباط الأحرار ليأتي الحكم الجمهوري بمصر ويقضي على جماعة الإخوان في المعتقلات، ليفر الباقي وينشط في مجالات تربوية وأكاديمية بالمملكة.

استقطاب المملكة للإخوان


وقد كان للمملكة السعودية أسبابها الواقعية في الخمسينيات لاستقطاب الإخوان المسلمين من شتى البقاع ليكن أولها رغبة في مواصلة السعودية لسياسة الملك عبد العزيز في استقطاب النابهين من العالم العربي في شتى المجالات، وأنصار يبشرون بمذهبها الديني ويدافعون عن طموحاتها السياسية وأهدافها بالمنطقة في صراع سياسي وعسكري مع القوى المحلية وبمقدمتها مصر، ورغبة السعودية في تطوير الخطاب الديني المحلي، ولما يقدمه الإخوان المسلمون من حلول إسلامية وبحوث شرعية متخصصة لتمرير مشاريع الدولة التي أعاقها الخطاب التقليدي، وتنامي خطاب التطرف وسط تحديات داخلية وكذلك قيام تنظيمات حزبية ثورية منها القومي والبعثي والشيوعي تبنت معارضة النظام صراحة، وانتشر بعضها بين العمال والطلبة، ومواجهة المد الناصري الثوري خصوصًا أن عبد الناصر ناصب المملكة عداءً سياسيًّا.

هذا إلى جانب ظهور ـ حسب بعض الكتابات ـ رغبة قديمة للإخوان المسلمين منذ ظهور رشيد رضا، أبرز حلقات الوصل بين جماعة “إخوان الوهابية السعودية” والإخوان المسلمين بمصر، والذي ارتبط بالنظام السياسي السعودي ودعا لحركة الجامعة الإسلامية والدولة الدينية والخلافة الإسلامية بمجلته المنار ومحاضراته التي اعترف حسن البنا بتأثره بها في مذكرات الدعوة والداعية، حتى إن شيخ الأزهر رد على دفاعه عن ممارسات الإخوان الوهابية عند دخول الحجاز وهدم قباب القبور المقدسة، وقال شيخ الأزهر على ملأ من علمائه: “جزاك الله خيرًا بما أزلت عن الناس من الغمة في أمر الوهابية”. الأمور التي حشدت من حوله المنادين بالخلافة والرافضين لاتجاه مصر نحو المدنية الحديثة وتحويل الرأي العام.

كيف بدأت الجماعة أنشطتها بالمملكة

بدأت علاقة الشيخ حسن البنا بالسعودية في مواسم الحج، فكان يقف بالحجاز في كل جمع يخطب ويعظ ويتلو القرآن بالمناسبات. لكن انتشرت حوله التقارير الأمنية التي أشارت لعلاقة بينه وبين دوائر الحكم السعودي التي تسمح له بالنشاط في موسم الحج, مع تعرض الإخوان المسلمين للاضطهاد بعد سقوط الملكية في مصر استقطب الملك فيصل قيادات الإخوان فترة حكم عبد الناصر حتى لجؤوا له، واعتمد الملك فيصل مساعدات لمن تبقى منهم بمصر بدعوى التضامن الإسلامي, حتى بدأ نشاط جماعة الإخوان المسلمين في السعودية عام 1964، وشغلوا المناصب التعليمية والإعلام فترة حكم الملك فيصل بن عبد العزيز الذي أرسل ورجاله برقيات استقطاب لرموز الجماعة في مصر للعمل بالمعاهد التعليمية.

الملك عبد العزيز وحسن البنا

وقد بعث الملك فيصل برقية للرئيس جمال عبد الناصر عام 1966 يتشفع فيه لإيقاف تنفيذ حكم الإعدام في سيد قطب في وقت توترت فيه العلاقة بين السعودية ومصر في عهد جمال عبد الناصر، الذي ضرب حركة الإخوان المسلمين في الخمسينيات والستينيات ليفر عدد كبير من الإخوان للمملكة السعودية ـ معقل الوهابية الحصين ـ حيث أحسنت ضيافتهم وحمايتهم كما أن عددًا كبيرًا منهم شارك في بناء الدولة السعودية الثالثة، واستفادوا أدبيًّا وماديًّا في عملهم بالجامعات، ليظهر قادة جدد خاصة في جامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد حتى السبعينيات حتى يختلف الأمر حين تولى الرئيس محمد أنور السادات حكم مصر، ليسعى فيصل لتحسين العلاقة بين الإخوان والسادات، وهو الذي استخدم الجماعة في ضرب التيارات اليسارية والقومية.

وكان أول اجتماع موسع للإخوان المسلمين في السعودية عام 1973 في موسم الحج، والذي أداره الشيخ حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان جامعًا الإخوان المسلمين من مصر ومنطقة الخليج وأوروبا وأمريكا ليتركز عمل لجان عضوية بكل دولة، فيصبح نصيب السعودية 3 لجان في الرياض والدمام وجدة؛ مما سهل انتشار الإخوان بالسعودية والخليج، وأصبح ثلاثة سعوديين يحفظون مكانهم دائمًا في مجلس شورى الجماعة، والذي كان فيه أعضاء الخليج والمملكة يتم توظيفهم دائمًا في عملية جباية الأموال للتنظيم الدولي للإخوان.

سبب العداء بين الطرفين

كانت ثورة اليمن 1948 بداية توتر العلاقات الإخوانية السعودية خاصة أن فكرة إعداد الشعب اليمني للثورة قد نبتت في المركز العام للجماعة، وحملها قطبان من أخطر أتباع البنا ليقف الملك عبد العزيز ضد هذه الثورة ويمنع وفد الجامعة العربية من التوجه لليمن ويستقبله في السعودية ليمكث بها أيامًا يتلقى نصائح العاهل السعودي الذي قد لا يسعده أن يقوم حكم في جواره؛ مما قد يضر بنظام الوراثة والأسر المالكة لديه. ليبدأ حذر الملك عبد العزيز من الإخوان التي شاع أنها “تهد الدول ثم تقيمها ثانية”.

وهو الأمر الذي تكرر بعد رفض الإخوان المسلمين مشاركة عناصر غير مسلمة في حرب الخليج عام 1991، ومن بعده تورط 15 من شباب السعودية في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهو الأمر الذي أثار غضب الأمير نايف وزير الداخلية السابق في خطابه ضد الإخوان عام 2002، لأن التشكيكات لم تسرّ واشنطن واعتبرتها مؤشرًا على أن المملكة السعودية لم تأخذ قضية الإرهاب مأخذ الجد، واعتبر الأمير نايف الإخوان مسؤولين عن “فساد الأمة واستخدام الدين لتحقيق مآربهم السياسية” خاصة مع خرق الجماعة اتفاقًا قديمًا مع المملكة بعدم تجنيد أي من مواطنيها، ليتبين أن الجماعة قد جندت بعض النساء السعوديات وسط شعور عام من الجماعة بعدم التعاطف مع المملكة لافتقادها الديمقراطية وتفشي الفساد في أوساط العائلة المالكة والتعاون المغلق المستمر مع الولايات المتحدة منذ عقود طويلة، ليأتي وسط ذلك اعترافات الأمير نايف بأنه جرى شراء دعم معظم الإسلاميين الذي يدعمون المملكة بالأموال والهبات ليكن له المبرر كي يغضب من عدائهم بعد ذلك.

الخطاب السياسي والديني للإخوان في المجتمع السعودي

كان من أخطر مهمات الجماعة هو خلق خطاب ديني جديد يبرر خيارات الإسلام السياسي في السلطة، وهي الأفكار المنقولة من الجماعة الأم بمصر، ليساعدهم في ذلك جماعة السلفية السياسية بالسعودية والتي كانت نتاجًا عن اتحاد الإخوان المسلمين بالسلفية التقليدية بالمملكة، ويعتمد ذلك الخطاب على محاور في الرؤى والتحركات أولها “المحور الفقهي”، والذي اعتمد على تقديم محاولات فقهية جديدة تمنح فرصًا أكثر سهولة للتعامل مع مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها، وتسهيل المعاملات البنكية من خلال المصرفية الإسلامية، وذلك لتسويق الخطاب السياسي بأنه عملي ومنفتح وجذب العامة له بناءً على التسهيلات الفقهية التي يقدمونها لاكتساب أتباع وداعمين سياسيين.

بعد ذلك تم استخدام “المحور التاريخي” كوسيلة لإعادة كتابة التاريخ السعودي، ووضع أولويات ومعايير جديدة لبناء جذور دينية وتاريخية لتيار جديد في مرحلة تطوير مستمرة، وهو ما يمكن رصده في كتب ومقالات وتدوينات، وتصعيد “المحور الحقوقي” على مستوى الخطاب والممارسة ليصبح أداة ضغط سياسية تمكنهم بالتحالف مع المؤسسات الحقوقية والإعلامية الغربية لتشكيل ضغط على صانع القرار السياسي وتفعيل “المحور المفاهيمي” ليتم هنا خلط مفاهيم كالتوحيد والدولة والشريعة والعدالة ومثلها من مفاهيم دينية لها دلالات في التراث السياسي السني وإعادة تفسيرها وتوظيفها سياسيًّا وتبني مفاهيم غربية لا تعرفها المملكة كالديمقراطية والحرية وتبنيها داخل الخطاب الديني، نهاية “بالمحور السياسي” وهو مصب أنشطة الجماعة لبناء خطاب وتوجه سياسي قوي يستطيع فرض نفسه على المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي.

انتشار الإخوان المسلمين في أرجاء المملكة وحركات التمرد

وتشكل وسط الحياة السياسية الراكدة بالسعودية المعارضة الإخوانية، والتي انقسمت لمعارضة “صحوية” قادها الدكتور سلمان العودة أقامت محاضرات عن أسباب سقوط الدول وهاجمت الصوفية والتحالفات الدولية، وظهر منها من صرح بتكفير الملك السابق فهد بن عبد العزيز والمملكة السعودية، ومعها لجنة “جام” وهي مزيج بين الإخوان المسلمين وحزب التحرير وقادها سعد الفقيه وعبد العزيز القاسم لتنتشر جماعة الإخوان المسلمين السعوديين في أرجاء المملكة، ومنها “إخوان الحجاز” والمنتشرون في الحجاز وجنوب وشرق المملكة وهو أقوى تنظيمات الإخوان وأكثرها تأثيرًا وانتشارا بالسعودية, و”إخوان الرياض” أو القيادة العامة ويقتصر عملها على المشاركة في بعض البيانات الجماعية التي ظلت لفترة طويلة تمثل جيوب الإسلام السياسي في السعودية من شتى التيارات المدمجة، و”إخوان الزبير” وهم مسالمون مع بعض الاستثناءات من مجموعات هاجرت في السابق لجنوب العراق وانتسبوا لجماعة الإخوان المسلمين هناك وظلوا على تواصل معهم بعد عودتهم للسعودية.

ردهم على موقف السعودية من الربيع العربي

الملك عبد الله ملك السعودية

في البداية ظل الملك عبد الله على موقفه من الربيع العربي في مصر خاصة في مناصرة الرئيس الأسبق حسني مبارك حتى شعر بصعوبة الموقف وافتقاده لمؤازرة الدول العربية ليبارك بعد ذلك فترة الحكم العسكري، وكما أشيع أنه أرسل للمجلس العسكري يدعوه ألا ينجح أحد المرشحين الإسلاميين، وهما: عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد مرسي خوفًا على سلطته, لتأتي فرحة الملك السعودي بعد ذلك مع نجاح تحرك وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسي في 3 يونيو، ونزع السلطة من الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان الدكتور محمد مرسي في خطاب للملك وولي عهده ليظهرا التأييد الكامل للجيش المصري الذي تولى قيادة مصر، ويبدأ هجوم من المرشد العام للجماعة ويشبه ما حدث من تكالب على حكم الإخوان في مصر بهدم الكعبة، وقد صاحبه حديث يوسف القرضاوي الذي هاجم السعودية والإمارات واتهمهما بقتل المصريين بملياراتهم، ومعه عشرات المنتمين للإخوان المسلمين في السعودية والخليج ليظل رد المملكة تحالفًا مع الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي ورفضًا لتدخل جماعات الإسلام السياسي في اتخاذ القرارات بها أو دخولهم البرلمان السعودي.

هذه كانت أهم المحطات في علاقة الإخوان بالمملكة، من احتضان إلى توتر إلى مطاردة عبر الحدود في مصر وليبيا وغيرها من الدول العربية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد