حينما نصادف حديثًا عن الرحالة والمستكشفين الجغرافيين، سرعان ما يتبادر إلى الذهن ما تعلمناه في المراحل التعليمية الابتدائية والمتوسطة، حول ما يعرف بـ«اكتشاف أمريكا» على يد كريستوفر كولومبوس، واكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح على يد فاسكو دا جاما، والكابتن كوك مكتشف أستراليا.

تطول قائمة المستكشفين الأوروبيين، حتى ليبدو أن هذا الاستكشاف كان حكرًا على الأوروبيين وحدهم، ولأن الشيء بالشيء يذكر فيجب الانتباه لحقيقة أن هذه البلاد «المكتشفة» لم تكن مكتشفة بالمعنى الحقيقى للكلمة، إذ كان بها سكان وشعوب أصلية أبادها الأوروبيون ليحلوا محلهم ويستعمروا أرضهم، لكن لفظ الاكتشاف – في حد ذاته – ذو دلالة كبيرة على ضيق وانغلاق هذا العالم الأوروبي على نفسه وجهله بالعالم الخارجي فيما وراء حدود القارة العجوز.

أوروبا العصور الوسطى  

حتى نستطيع فهم مدى ما توصل إليه الأوروبيين آنذاك، لنتخيل أوروبا العصر الوسيط لوهلة، حين كانت الكنيسة تتمتع بسيادة مطلقة بصفتها مؤسسة ذات ثقل سياسي واجتماعي وعسكري. في ذلك الوقت، كانت علوم الإغريق القدماء وكتبهم تعامل على أنها هرطقات يجب حرقها والتخلص منها، لنزوع الكنيسة نحو إلغاء كل صلة بالعالم الوثني القديم من جهة، ولتأسيسها للعالم المسيحي كنسق فكري، وثقافي، واجتماعي، وسياسي من جهة أخرى.

علوم

منذ سنتين
«شمس الله تسطع على الغرب».. كيف طوّر المسلمون الطب ومنحوه للعالم بالمجان؟

لم يكن للعلوم الطبيعية أهمية تذكر آنذاك، وهذه القطيعة المعرفية مع الماضي هي ما جعلت العالم خارج القارة يبدو اكتشافًا لأوروبيي القرن الرابع عشر وما تلاه، فلو اطلعوا على أعمال الجغرافيين القدامى، مثل أرسطوطاليس، وكلاوديوس بطليموس، وبلليني الأكبر، لعرفوا أن العالم أوسع كثيرًا من الأكواخ الضيقة التي كانوا يعيشون بها.

تلك المعارف الإغريقية والرومانية والفارسية والسنسكريتية القديمة ترجمها المسلمون في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، من القرن الثامن الميلادي حتى القرن الرابع عشر الميلادي، وكانوا خير ناقل لها – دون اتخاذ موقف ديني منها كما فعل مسيحيو أوروبا الوسيطة – وزادوا عليها شروحهم وخبراتهم التي سرعان ما حملتها رياح المعرفة لأوروبا، وانكب الدارسون الأوروبيون على ترجمة الأعمال العربية المترجمة عن اليونانية القديمة، كما انهمكوا في ترجمة الأعمال المكتوبة باللغة العربية حتى كانت اللغة العربية في ذلك العصر لغة العلم والمتعلمين هناك.

تبدأ رحلتنا في ذاك الزمان، لنتعلم عن جغرافيين ومكتشفين و«رياس بحر» مسلمين أسهموا بنصيب كبير في إرساء قواعد جغرافية هامة وفي نقل معارف الإغريق القدماء عن الجغرافيا والعالم المعروف آنذاك، والإضافة إليها كذلك.

قدمت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي أربعة أسماء لامعة في علم الجغرافيا، ولأن موضوعًا متشعبًا كهذا لا يتسع المجال لتناول كل عناصره في جلسة واحدة، ستكون رحلتنا ذات وجهة محددة لتكثيف البحث والحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات. والآن هل أنتم مستعدون للإبحار في المحيط الهندي؟

علم الجغرافيا بين المسلمين والأوروبيين 

خلال العصور الوسطى واجهت البرتغال أزمة نقص شديدة في المعلومات عن العالم الخارجي، وهو ما تجلى بوضوح في خرائط الماباموندي الباقية من العصور الوسطى، والتي أثبتت بالدليل المادي عدم معرفة الأوروبيين بالمحيط الهندي والعالم خارج أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط.

تعتبر تلك النوعية من خرائط العصور الوسطى – الماباموندي – بدون قيمة جغرافية حقيقية، لأنها لم تكن سوى تخيلات للكون من منظور الديانة المسيحية، ولذلك ظل فهم العديد من المستكشفين الأوروبيين للمحيط الهندي فهمًا اسطوريًا، أو كما وصفه جاك لو جوف أستاذ التاريخ الفرنسي: «مخزون الأحلام والأساطير والخرافات لعقلية العصور الوسطى وجنة عدن المسيّجة التي تمتزج فيها النشوة بالكوابيس»، وتلك النوعية من الخرائط كان من الصعب الاعتماد عليها مصدرًا علميًّا جغرافيًّا.

جزء من أحد خرائط الماباموندي التي تظهر كائنات خرافية.

مع توالي عودة الرحالة والمستكشفين من رحلات ما وراء البحار في بداية القرن الخامس عشر، وجد الأوروبيون أنفسهم أمام أزمة التوفيق بين الكميات الهائلة من المعلومات العلمية الجديدة عن الكرة الأرضية، وبين كونيات وأساطير العصور الوسطى.

على الجانب الآخر لم يكن الأمر مشابهًا لما كان واقعًا في العالم الناطق باللغة العربية، ولذلك لم يضطر الجغرافيون العرب إلى إجراء تغييرات جذرية لفهم جغرافية العالم، وهذا لأنهم كانوا على إلمام كبير بمناطق العالم الأخرى.

واجه المستكشفون البرتغاليون الأوائل مواقف كشفت لهم عن مدى تأخرهم النسبي مقارنة بحضارة الإسلام العالمية، ومن أهم الأمثلة على ذلك، هو المستكشف البرتغالي فاسكو دا جاما، الذي قاد أول رحلة استكشاف من أوروبا إلى الهند حول أفريقيا، وما كان سيصل إلى الهند لو لم يأخذه ملاح عربي محنك إلى هناك من الساحل الأفريقي، فخلال الرحلة التي ذهب فيها دا جاما إلى الهند، اصطحب بحارًا مسلمًا محليًا من ماليندي الواقعة على ساحل كينيا الحالية، ليقوده خلال العبور النهائي إلى كاليكوت، ويقال إن هذا البحار هو العماني الشهير أحمد بن ماجد، ولكن بعض الأقوال الأخرى ترجح أنه كان بحارًا من الكجراتيين.

بعد وصول دا جاما وطاقمه لشبه القارة الهندية، تفاجأ بمقابلة اثنين من المسلمين من شمال أفريقيا يتحدثون البرتغالية بطلاقة، وخلال العقدين الثاني والثالث من القرن السادس عشر، اللذين قضاهم البرتغاليون في بناء إمبراطورية بحرية في المحيط الهندي؛ اعتمدوا على المصادر الإسلامية في وضع خرائط للمنطقة، بمعنى أن جيران البرتغاليين المسلمين في شمال أفريقيا كانوا ملمين منذ قرون بالمحيط الهندي الذي أصبح اكتشافًا برتغاليًا متأخرًا.

علينا أن نبقي في ذاكرتنا معلومة حيوية، مفادها أن الجغرافيا لم تكن في ذلك الوقت علمًا بالمعنى الاصطلاحي الذي نعرفه للكلمة الآن، إنما ارتبطت أول ما ارتبطت بالتجارة والترحال، فمن تراه يجوب البلدان والأقطار، ويهمه أن تبقى هناك طرق ومعابر آمنة للمرور بين البلدان سوى التاجر؟

ابن حوقل.. مؤلف «صورة الأرض»

ضيفنا الأول على متن هذه الرحلة، هو أبو القاسم محمد ابن حوقل، ويلقب بالنصيبيني، نسبة لمنطقة نصيبين شمال شرق الجزيرة الفراتية، وهي ضمن حدود تركيا الحالية.

كان ابن حوقل رحالة ومؤرخًا وجغرافيًا عاش في القرن العاشر الميلادي، جاب الكثير من البلدان في قارتي آسيا وأفريقيا، لكن يبقى عمله الرئيس هو «صورة الأرض»، وهي خريطة رسمها ابن حوقل استنادًا لخريطة سابقة عليها للجغرافي أحمد بن سهل البلخي، والذي كان قد نسخها بدوره تنقيحًا لخريطة أصلية أخرى رسمها المؤرخ والجغرافي الشهير المسعودي صاحب كتاب «مروج الذهب». 

لكن ابن حوقل لم يكن مجرد ناقل أو شارح، إنما أضاف الكثير من أسفاره وملاحظاته الشخصية الدقيقة على حولياته الجغرافية؛ ومما يحسب ضمن إنجازاته الجغرافية في ذلك العصر المتقدم على عصر الاستكشاف الأوروبي، أنه سجل معلومات مهمة وجديدة عن مناطق بعينها، كمنطقة فرخسة، أو ما يعرف حاليًا بـ«فراكسينت»، بمقاطعة بروفنس جنوب شرق فرنسا الحالية.

 واحدة من خرائط ابن حوقل

كانت معلومات ابن حوقل تتضمن الإشارة إلى الخصوبة الشديدة للتربة هناك، كما دون نشاطات وأدوات المزارعين والصيادين التي تسهل عليهم ممارسة أعمالهم اليومية، وكتب فصلًا خاصًا عن جزيرة صقلية التي كانت في ذلك الوقت تحت الحكم الفاطمي.

جدير بالذكر أن ابن حوقل كان أول من سجل في حولياته تعدد اللغات المحلية المتحدث بها في منطقة القوقاز، آنذاك مقدرًا عددها بحوالى 360 لغة، كما دون وصفًا تفصيليًا لمدينة كييف «عاصمة أوكرانيا الحالية» ووصف أيضًا دولة بلغار الفولجا (نسبة لنهر الفولجا)، التي كانت دولة بلغارية تاريخية قامت في المنطقة حول نهري فولجا والكاما الموجودين حاليًا داخل روسيا، ونعرفها باسم أكثر شهرة حديثًا وهو مملكة الصقالبة، بعد اعتناق ملكها ألمش بن يلطوار الإسلام، وتسمى بجعفر بن عبد الله، حوالى أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الميلادي، كما ورد ذكر ذلك الملك في يوميات الرحالة أحمد بن فضلان خلال السفارة التي أوفده اياها الخليفة العباسي إلى هناك.

أيضًا قدم ابن حوقل خريطة جغرافية وحوليات وافية لجغرافية وثقافة إقليم السند، الموجود على نهر السند بدولة باكستان الحالية، وهو ثالث أكبر إقليم في باكستان مساحة والثاني في عدد السكان. 

قدم ابن حوقل أيضًا حولية جغرافية لثقافة وجغرافيا مملكة الخزر، وهي مملكة كانت قائمة بين عام 650 وعام 965، وهي من الممالك التي ظلت حوالي ثلاثة قرون مسيطرة على نقاط التقاء لطريق من أهم طرق التجارة آنذاك، وهو طريق الحرير بين الصين، والشرق الأوسط، والروس الكييفيون، مؤسسي أوكرانيا الحالية.

نُشر عمل ابن حوقل «صورة الأرض» بعد تحقيقه ومراجعته على الأصل العربي على يد المستشرق الهولندي الشهير مايكل جان دى خويه في العام 1870، ضمن سلسلة من ثمان أجزاء حملت اسم «الجغرافيين العرب»، وكان تحقيق عمل ابن حوقل هو الجزء الثاني منها سنة 1873. صدرت السلسلة عن دار نشر برايل العريقة في مدينة لايدن في هولندا. 

ربما يسترعي انتباهنا فيما تقدم أن عمل ابن حوقل الأساسى استقاه من عمل سابق عليه لجغرافى آخر، الذي بدوره استقاه من المسعودي، وهذه التراتبية والتسلسل في حمل المعرفة من جيل إلى جيل والعمل عليها كذلك، سمة توضح لنا مدى ما اتسم به هؤلاء العلماء والجغرافون الأوائل من مهنية وأكاديمية في التناول والطرح البحثي من أجل منفعة الجميع.

ابن رسته.. مؤلف «الأعلاق النفيسة»

أما عن ضيفنا الثاني في هذه الرحلة البحرية فهو الرحالة أحمد بن رسته الأصفهاني، ولد ببلدة رسته الواقعة ضمن إقليم أصفهان بإيران الحالية، وتاريخ ميلاده غير معروف على وجه الدقة، وسجل ابن رسته معلومات غنية ومهمة عن إقليمه أصفهان في حولية أسماها «الأعلاق النفيسة»، وهو محل تقدير من قبل الدارسين الغربيين خصوصًا، نظرًا لتسجيله وتدوينه عن الأمم والبلدان غير المسلمة في عصره (القرن العاشر الميلادي تقريبًا) مثل الروس الكييفيين مؤسسي أوكرانيا الحالية.

 دون ابن رسته أيضًا حوليات عن رحلاته لمدينة نوفجرد التاريخية، وهي واحدة من أقدم وأهم المدن التاريخية في روسيا الحالية، وسجل حوليات عن كرواتيا القديمة ومنطقة القوقاز، وكان الرحالة والمستكشف الفارسي الأول الذي دون حولية عن مدينة صنعاء، عاصمة اليمن الحالي، نظرًا لأسفاره المتعددة داخل شبه الجزيرة العربية.

من الجدير بالذكر أن ابن رسته في ذلك العصر المتقدم كان على علم بوجود الجزر البريطانية، والممالك السبعة للأنجلوساكسون كذلك، ونشرت أعمال ابن رسته الجغرافية ضمن نفس السلسلة سالفة الذكر عن «دار نشر برايل» العريقة، لايدن هولندا، وبتحقيق المستشرق الهولندي الشهير مايكل جان دي خويه، وهذه السلسلة التاريخية والجغرافية ما زالت تطبع وتباع حتى وقتنا الحالي للمهتمين والدارسين حول العالم.

التجارة محركًا للإستكشاف 

لم تكن تلك الأعمال والحوليات الجغرافية والأسفار التي سبقت ما نعرفه عن الرحالة الأوروبيين لمناطق وممالك بعيدة عن بلدانهم الأم؛ إذ كان هناك تصور سائد مفاده أن هناك عالمًا آخر فيما وراء أوروبا، وهذا العالم يسكنه الرجال برؤوس الكلاب. ربما لا نستسيغ هذه المعرفة اليوم بكل تأكيد، إنما كانت هذه المعرفة بمثابة واقعًا يجب التصديق به في أوروبا العصر الوسيط التي لم تنطلق إلى عصور الاستكشاف بعد. 

نعود فنقول بأن هذه الأعمال الجغرافية لم تكن فقط بغرض البحث العلمي بقدر ما كانت بغرض نفعي، وهو تسهيل التجارة والملاحة البحرية للبحارة المسلمين آنذاك، فكما أسلفنا كان ضمان حرية التجارة وفرض النفوذ من أهم الأسباب التي قام عليها علم الجغرافيا آنذاك، وربما يكون هذا الجزء الأكثر تشويقًا من رحلتنا هذه.

محطتنا التالية ستكون عن الجانب الاستكشافي بغرض التجارة وتأمين الطرق ومحاربة القرصنة البرتغالية ورغبة ملوك البرتغال المستميتة في الدفاع عن الطريق إلى المحيط الهندي، مناطق التوابل الغنية.

العثمانيون: سنحارب البرتغاليين بالخرائط الجغرافية

حينما تولى السلطان سليمان العرش في عام 1520 رافقه إبراهيم باشا إلى إسطنبول، وجمعت الاثنان علاقة وطيدة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العثمانيين، وكان إبراهيم باشا يقيم في الجناح الخاص بالسلطان، ولم يكن الشابان ينفصلان خلال هذه السنوات، حتى أطلق على ابراهيم باشا بأنه «قلب السلطان وأنفاسه».

القرب الشخصي من السلطان يترجم على الفور إلى قوة سياسية، وهو الأمر الذي أثار العداء بين أفراد المؤسسة العثمانية الأقدم، الذي كان سببه الصدارة العظمى التي ينوي سليمان منحها لإبراهيم، والتي رآها أحمد باشا من حقه هو.

حاول سليمان ترضية أحمد باشا بتعيينه واليًا لمصر وأرسله للقاهرة، ولكن أحمد باشا رفض الترقية، ورفع راية التمرد بعد فترة قصيرة من وصوله إلى ضفاف نهر النيل، وكان رد سليمان على ذلك هو حشد أسطول ضخم بقيادة إبراهيم باشا للإبحار إلى مصر والتعامل مع الأزمة.

تمرد أحمد باشا، الذي تبعه حملة إبراهيم باشا لإعادة السيطرة على مصر، كان له أهمية كبيرة في الاستكشاف البحري في العصر العثماني؛ لأن مصر كانت حلقة الوصل بين المحيط الهندي والإمبراطورية العثمانية، وكان دخولها في عام 1517، هو ما جعل سليم الأول، والد سليمان، يدرك للمرة الاولى أهمية التوسع البحري في الجنوب الشرقي، وما فعله أحمد باشا كان خسارة تقطع هذه الصلة تمامًا؛ مما جعل العثمانيون يكتشفون هشاشة اتصالهم بعالم المحيط الهندي بعد أكثر من خمس سنوات قضوها في مصر.

الريس بيري و«كتاب البحرية»

كان لتمرد أحمد باشا نتيجة إيجابية، فبعدما جاء ابراهيم باشا إلى ضفاف النيل، سرعان ما بدأ يحلم ببناء إمبراطورية في المحيط الهندي، وفي أسابيع قليلة تخلص ابراهيم باشا من أحمد باشا وتمرده وأشرف على إعدامه بنفسه، وسرعان ما اكتشف أن تلك الحملة التي يرأسها لم تكن ضد أحمد ومتمرديه، بل هي في الأساس ضد البرتغاليين، وأنها لا تخاض بالجنود والمدفعية، بل بالخرائط الجغرافية.

واحدة من خرائط الريس بيري

بدأت هذه الحملة الاستطلاعية في حقيقة الأمر قبل أن يصل ابراهيم باشا إلى مصر، ذلك أن سفينته أبحرت من إسطنبول إلى رودس بقيادة الملاح ورسام الخرائط العثماني الريس بيري، وهو الرجل الذي سافر إلى القاهرة وقدم للسلطان سليم خريطته الشهيرة للعالم.

ووفقًا للرواية التي ذكرت في كتابات الريس بيري فإنه وإبراهيم باشا تعرفا للمرة الأولى خلال الرحلة التي رآه فيها الباشا، وهو يراجع خرائط ملاحية لاتخاذ المسار، وأثارت تلك الخرائط اهتمام إبراهيم فسأله عنها وعن طريقة استخدامها، وكانت تلك هي بداية حوار مفتوح بينهما حول الملاحة ورسم الخرائط وعلم البحر.

عندما وصلوا إلى مصر، كلف إبراهيم باشا الريس بيري بإكمال طبعة موسعة من أعماله لتكون دليلًا بحريًّا، فأخرج الأطلس والدليل الملاحي «كتاب البحرية»، وكان هذا العمل في شكله النهائي الذي قدم للسلطان في العام 1526 إسهامًا فكريًا رائدًا، وحتى يومنا هذا يعد أحد أهم إنجازات العثمانيين في الجغرافيا ورسم الخرائط.

تضمن هذا الكتاب فصلًا كاملًا مكتوبًا بلغة عامية، ويعد أول عمل أصيل باللغة التركية العثمانية، ويحتوي على معلومات محددة وتفصيلية حول جغرافية المحيط الهندي.

وصول خريطة ماجلان لقبضة العثمانيين

كتاب الريس بيري لم يكن الإنجاز الوحيد الذي رعاه إبراهيم باشا، ولكنه كان واحدًا من بين عدة أعمال مماثلة أتيحت للعثمانيين خلال منتصف العقد الثالث من القرن السادس عشر.

هناك مثال آخر يمكننا ذكره في رحلتنا على متن الأسطول العثماني، وهو خريطة لطوفان ماجلان البحري حول الكرة الأرضية، وتنسب إلى رسام الخرائط الرسمي بالبلاط البرتغالي بيدرو رينيل، وتحتوي تلك الخريطة – التي تعد عملًا تاريخيًّا – تسجيلًا أصيلًا للاكتشافات التي نفذها ماجلان في نصف الكرة الأرضية الغربي، وأحدث المعلومات حتى العام 1519 من الرحلات البرتغالية إلى شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

خريطة ماجلان

هذه الخريطة موجودة حتى اليوم، ضمن مجموعة مكتبة توبكابي في إسطنبول، ولا شك أن السلطات البرتغالية كانت تعتبر هذه الخريطة من أسرار الدولة ولا بد أنها في الظروف الطبيعية كانت محفوظة في أرشيف بيت الهند بلشبونة. ولذلك يعد وجود هذه الخريطة في حوزة العثمانيين ضربة استخباراتية من الطراز الأول، نتجت عن حكايات تجسسية لم يسعدنا الحظ بأن تصل إلينا.

لكن المرجح أن إبراهيم حصل على هذه الخريطة عن طريق وسطاء بنادقة، ربما بمساعدة أنطونيو بيجافيتا، الرحالة الذي شارك في المرحلة الأولى من بعثة ماجلان قبل أن يتخلى عن الحملة ويعود إلى إيطاليا في العام 1524، وهي السنة نفسها التي قاد فيها إبراهيم حملته على مصر.

الريس سلمان.. بين الوصف الجغرافي والسياسي

يتميز الإسهام الرئيس الثالث لإبراهيم باشا في تقدم المعرفة الجغرافية العثمانية، في تبنيه القائد البحري الريس سلمان، وقد انضم هذا البحار العثماني، الذي ترجع أصوله إلى جزيرة لسبوس الإيجية، إلى الخدمة المملوكية في سنوات ما قبل دخول العثمانيين لمصر، وشارك مشاركة فعالة في الحملة المملوكية البحرية الأخيرة على المحيط الهندي عام 1515، وأظهر لاحقًا دفاعًا وصف بكونه بطوليًا ضد الهجوم البرتغالي على مدينة جدة في العام 1517، قبل أشهر قليلة من الانهيار النهائي للنظام المملوكي.

بعد دخول العثمانيين لمصر مباشرة، قبض عليه وأرسل إلى إسطنبول وسجن بتهمة الخيانة لأنه التحق بخدمة المماليك ضد رغبة السلطان سليم، ولكن أُطلق سراحه في العام 1520 بعد وفاة السلطان، وبعدها عاد إلى اليمن لفترة قصيرة عمل فيها مرتزقًا لحساب نفسه، وعندما وصل إبراهيم باشا إلى مصر، كان سلمان قد عاد إلى القاهرة، ولكنه كان مغضوبًا عليه ويعيش في طي النسيان.

على الرغم من سمعته التي كان حولها جدل، رأى إبراهيم أنه أيًا كانت تجاوزاته السابقة فإن خبرته تجعله مؤهلًا لتوفير المعلومات حول الوضع الراهن في المحيط الهندي، لذلك أمره إبراهيم باشا بالسفر ثانية إلى جدة ومعاينة الأسطول المملوكي المهجور، وعندما عاد، قدم سلمان لإبراهيم جردًا دقيقًا للسفن والمدفعية المتوفرة في جدة، واقتراحات لتجديد الأسطول وتطويره.

تميزت التقارير الاستكشافية التي قدمها الريس سلمان إلى إبراهيم باشا عن كل الوثائق العثمانية السابقة المتعلقة بآسيا البحرية، وذلك في أنه اعتمد على خبرات مباشرة في الإبحار خلال المنطقة، وعلى الرغم من إيجاز تقاريره، إلا أنه كان يصف بالتفصيل كل المناطق الرئيسة على ساحل المحيط الهندي، من الساحل السواحلي، وإثيوبيا، واليمن، وحتى شبة القارة الهندية والأرخبيل الإندونيسي.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
مترجم: متقدمًا على ماركو بولو.. لماذا ابن بطوطة هو الرحالة الأعظم على الإطلاق؟

شرحت تقاريره الموارد الاقتصادية للمناطق المختلفة، ومستوى التطور التقني العام فيها، وسهولة احتلال القوات العثمانية لها والاحتفاظ بها، وكان من المميز أيضًا في كتابات الريس سلمان أنها جاءت مماثلة في النبرة والمحتوى للتقارير التي عاد بها المستكشفون الأوروبيون في الفترة ذاتها، وقال الريس سلمان عن إثيوبيا في تقاريره الاسكتشافية: «عاصمة ولاية الحبشة تسمى باب الملوك، وكفارها مشاة حفاة ضعاف متشحون بأقواس خشبية ودروع مصنوعة من جلد الفيلة، لكنهم مع ذلك يسيطرون على تلك البلاد فقط؛ لأن أحدًا لا يتصدى لهم. ويمكنني القول – والله أعلم – إنه من اليسير انتزاع البلدة التي تسمى طبرة بألف رجل ومعها كامل ولاية الحبشة».

على مدار العقود التالية وضع رجال الدولة العثمانيون كل توصيات الريس سلمان موضع التنفيذ، لذلك تعد تقاريره أشبه بمخطط للتوسع العثماني المستقبلي في المحيط الهندي والذي مكن إبراهيم باشا من اتخاذ أولى الخطوات الملموسة في اتجاه تأسيس الوجود العثماني في المنطقة.

بهذا تكون قد انتهت هذه الرحلة البحرية بين أمواج المحيط الهندي وتاريخ العصور الوسطى وما بعدها، ولم يكن الهدف منها عرض الإسهام الحضاري للمسلمين في علم الجغرافيا وتطوره فقط، وإنما أيضًا تسليط الضوء على بعض الأسماء المسلمة المهمة في هذا الصدد، وهي أسماء ربما لم تحظ بالشهرة والاهتمام الكافيين مثل أسماء لامعة من الرحالة والجغرافيين العرب الآخرين، كالمسعودي، وابن بطوطة، وابن ماجد، وحتى أحمد بن فضلان، الذي صنعت هوليوود فيلم «المحاربين الثلاثة عشر» بناءً على روايته لرحلته إلى بلاد روس الفولجا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد