في العاشر من الشهر الجاري أعادت تايلند ما يقارب 100 من أفراد “الإيغور” المسلمين إلى الصين، وترحيل 170 منهم إلى تركيا بعد التأكد من جنسياتهم، الأمر الذي أثار حفيظة الأقلية المسلمة في الصين، وعودة التوتر من جديد مع السلطات الصينية.

لم تكن هذه الخطوة فحسب سببًا في اضطراب العلاقة بينهما، فمع اقتراب شهر رمضان شددت الحكومة المحلية في إقليم “شينجيانج” بأقصى غرب الصين رقابتها على ممارسة الشعائر الدينية التي يتبعها “الإيغور”، ومنعت مرة أخرى الصيام والصلاة في بعض أجزاء المقاطعة كالأعوام القليلة الماضية.

فمن هم” الإيغور”؟ وما جذور الخلاف مع الصين؟ وما الأسباب التي تدفع السلطات الصينية إلى تشديد الرقابة عليهم؟ وهل تخشى الصين من نمو الحركات الإسلامية في أقاليمها؟

من هي الأقلية المسلمة «الإيغور» في الصين؟


هم شعوب تركية ويشكلون واحدة من 56 عرقية في جمهورية الصين الشعبية، ويتركزون في منطقة تركستان الشرقية ذاتية الحكم “والتي تعرف باسم شينجيانغ أيضا” على مساحة تعادل 1/6 مساحة الصين ويتواجدون في بعض مناطق جنوب وسط الصين.[6] يدينون بالإسلام.

تاريخيا مصطلح الأويغور “الذي يعني الاتحاد أو التحالف” كان يطلق على أحد الشعوب التركية التي تعيش فيما يعرف اليوم باسم منغوليا، حيث كان “الأويغوريون مع الجوك” أقوى وأكبر القبائل التركية التي تعيش في آسيا الوسطى.

وفي عام 744م استطاع “الأويغور” بمساعدة قبائل تركية أخرى بالإطاحة بالإمبراطورية “الجوك تركية” وأسسوا مملكتهم الخاصة بهم التي امتدت من بحر قزوين غربا حتى منشوريا “شمال شرقي الصين والكوريتان” شرقا.

وأسس “الإيغور” الذين أسلموا دولة سميت “القارا خانات” والتي يسمى حاكمها قارا خان. وبعد ظهور السلاجقة واشتداد عودهم وازدياد قوتهم صارت المنافس الأقوى لدولة القارا خانات في تلك المناطق “تركستان وكازاخستان حاليا”.

ويعيش في إقليم “شينجيانج” ذي الأغلبية المسلمة من أصول تركية قرابة 22 مليون نسمة منهم 9 مليون من مسلمي الإيغور والذين دائمًا ما يحتجون على النظام الصيني حيث يرى كثير منهم أنهم يتعرضون للاضطهاد الديني والثقافي في البلاد فضلًا عن ظلمهم اقتصاديا.

ما جذور الأزمة مع الصين؟

وتعود الأزمة في إقليم “شينجيانج” إلى عام 2009 حيث شهد الإقليم احتجاجات تطالب بالاستقلال عن الصين وهي الاحتجاجات التي راح ضحيتها أكثر من 200 شخص ومنذ ذلك الحين والسلطات الصينية تشدد من الإجراءات الأمنية وتضيقها على سكان الإقليم.

إضافة إلى أنها فوضت لرجال الشرطة التصريح بقتل كل من يرون أنه “إرهابي” في الإقليم واضعين أمام رجال الشرطة “استخدام كل الوسائل المتاحة في مواجهة الإرهابيين” وهو التصريح الذي تلقفته رجال الشرطة وسارعوا إلى استخدامه في قتل المسلمين الإيغور في الإقليم.

وتسيطر الصين على الإقليم الذي تسميه شنغيانغ “أي الحدود الجديدة” منذ العام 1949، وهو يشهد أعمال عنف دامية منذ العام 2009، حيث يطالب سكانه بالاستقلال عن الصين، فيما تعتبر بكين الإقليم منطقة ذات أهمية استراتيجية لها.

واتخذت العلاقة بين ا”لأويغور” والصينيين طابع الكر والفر، حيث تمكن “الأويغور” من إقامة دولة تركستان الشرقية التي ظلت صامدة على مدى نحو عشرة قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759 ثم عام 1876 قبل أن تلحق نهائيا في 1950 بالصين الشيوعية.

وعلى مدى هذه المدة ثار “الأويغور” بعدة ثورات نجحت في بعض الأحيان في إقامة دولة مستقلة على غرار ثورات 1933 و1944 لكن سرعان ما انهارت أمام الصينيين الذين أخضعوا الإقليم في النهاية لسيطرتهم.

وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 كثف النظام الصيني من حملة مطاردته للاستقلاليين “الأويغور” وتمكن من جلب بعض الناشطين منهم خصوصا من باكستان وكزاخستان وقيرغزستان في إطار ما يسمى “الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب”.

وفي 19 سبتمبر 2004 أسس “الأويغور” حكومة في المنفى لتركستان الشرقية يرأسها أنور يوسف، فضلا عن صياغة دستور لهم.

ويذكر أن المسلمين “الإيغور” تعرضوا لمجزرتين كبيرتين في الصين، ففي عام 1863م قتل منهم ما يفوق مليون شخص، ثم جاء النظام الشيوعي ليرتكب مذبحة مشابهة في عام 1949م، عندما قتل أيضا أكثر من مليون منهم.

ولم يكتف الشيوعيون بذلك بل ألغوا استقلال إقليم “تركستان”، وجرى ضمه لجمهورية الصين، وتم تهجير “الإيغور” من تركستان وتوزيعهم على أقاليم مختلفة؛ من أجل تذويبهم، كما ضيق النظام الشيوعي على “الإيغور” في عباداتهم وهدم مساجدهم ومدارسهم.

وتُحمِّل السلطات الصينية المسؤولية عن العنف بصورة شمولية “لإرهابيين” غير محدَّدين، لكنها تلمح بين الفينة والأخرى لحركة تركستان الشرقية الإسلامية، وهي جماعة إسلامية تم وضعها في عام 2002 لدى الأمم المتَّحدة على قائمة الإرهاب بطلب من الصين وبدعم من الولايات المتَّحدة الأمريكية.

وتضم الصين عشر أقليات مسلمة من أصل 56 أقلية في البلاد، وهي هوي، والإيغور والقرغيز والكازاخ والطاجيك والتتار والأوزبك والسالار والباوان والدونغشيانغ، بكثافة في شمالي، وشمالي غربي البلاد عموما.

ما الأهمية التي يتمتع بها مسلمو «الإيغور»؟

  1. أصبح الإقليم في السنوات الأخيرة من أهم مصادر البترول والغاز الطبيعي في جمهورية الصين الشعبية.
  2. يملك مخزونًا هائلًا من الثروات المعدنية، من الذهب والزنك واليورانيوم.
  3. تعتبر المنطقة ذات أهمية استراتيجية، حيث تجاورها الجمهوريات التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي ونالت استقلالها الآن، مثل قيرغيزستان وتركمانستان أو كازاخستان، التي تعيش فيها أيضا شعوب تركية مثل الإيغور.

هل تتخوف الصين من تنامي الحركات الإسلامية؟


للصين مخاوفها الداخلية من تنامي نشاط الحركات الإسلامية خاصة مع وجود حوالي 9 ملايين مسلم من “الإيغور” الأتراك الذين يشعرون باستياء شديد من وضعهم ويتهمون السلطات الصينية دائمًا باضطهادهم وقمعهم والتضيق على ممارسة شعائرهم الدينية.

ورصدت الكثير من مراكز الأبحاث الغربية سياسة الصين مع مسلمي “الإيغور” على مر الأعوام الماضية، إذ يقول الباحث الاستراتيجي الأمريكي “غراهام فولر” نقلا عن موقع” البديل”: “إن الصين تعاونت مع جيرانها باكستان كزاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان لمنع الإيغور من القيام بأنشطة سياسية على أراضي هذه الدول، ومطالبتها بتسليم كل النشطاء السياسيين منهم”.

فضلا عن أن الصين شعرت بالقلق الكبير من مسلمي “الإيغور” وطموحاتهم الانفصالية مما جعلها تشكل قبل عدة سنوات منظمة شنجهاي للتعاون من أجل التنسيق في المعلومات الأمنية بين الدول الأعضاء وهي الصين وروسيا وقرغيزيا وأوزبكستان وطاجيكستان وكزاخستان.

وبالنسبة للصين كان هدفها الرئيسي من هذه المنظمة هو جمع معلومات استخبارية عن كل أنشطة الإيغور خارج الصين، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 حيث كثف النظام الصيني من حملة مطاردته للاستقلاليين الإيغور وتمكن من اعتقال بعض الناشطين منهم.

وثمة من يرى أن الصين منذ سنوات عديدة تتبع سياسيات تريد من خلالها أن تكون زعيمة للعالم الثالث إذ لعبت قبل خمسين عاما دورا مهما في تأسيس حركة عدم الانحياز، وفي ذلك الوقت كانت الصين تصنف ضمن الدول النامية والشعوب “المضطهدة” من الدول المتقدمة.

فيما يرى البعض أنها ظلت تعمل على تغيير صورتها خلال السنوات العشر الماضية، وهي الآن لم تعد تعتبر نفسها جزءا من العالم الثالث وإنما ترى أنها دخلت عالم الدول المتقدمة.

بدأت تفقد صورتها الثورية وهي الآن أقل انجذابا لدعم الحركات الثورية في العالم، ولذلك فإن بكين الآن أقل اهتماما بدعم حركات التحرر الوطني في أي مكان بالعالم وخصوصا أن لديها حركتين منها وهما حركتا الإيغور والتبت اللتان تناضلان داخل الصين نفسها من أجل الاستقلال.

ويقدر عدد “الإيغور” حسب إحصاء سنة 2003 بنحو 8.5 ملايين نسمة يعيش 99% منهم داخل إقليم “شينجيانج”، و ويتوزع الباقون بين كازاخستان ومنغوليا وتركيا وأفغانستان وباكستان وألمانيا وإندونيسيا وأستراليا وتايوان والسعودية.

ويشار إلى أنهم قبل القرن العاشر الميلادي اعتنقوا عددا من الديانات على غرار البوذية والمسيحية والزرادشتية، وبعد ذلك الوقت دخلوا في الإسلام.

عرض التعليقات
تحميل المزيد