«ماذا لو فجرتينا بقنبلة تحملينها؟»، هذه الجملة قالتها ممرضة للمواطنة المسلمة السريلانكية ماسيليا (36 عامًا) وهي تطالبها بخلع العباءة خاصتها عندما ذهبت مع ابنتها ذات السنوات الخمس لمراجعة الدائرة الصحية في منطقتها.

كان هم ماسيليا كمسلمة تعيش في سريلانكا همًا بسيطًا في الأيام الأولى لوقوع سلسلة التفجيرات المسلحة التي ارتبطت بـ«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» واستهدفت قبل نحو الشهر عدة كنائس وفنادق في عيد الفصح (أودت بحياة 258 شخصًا)، واتهم فيها رسميًا «جماعة التوحيد الوطنية» الإسلامية المتشددة، حيث اقتصر الأمر  وقتها على مجرد مضايقات تعرض لها المسلمون في عملهم وأثناء تلاقيهم الخدمات في المكاتب الحكومية والمستشفيات ووسائل النقل العام.

فيما تحول الأمر الآن لجحيم كبير، فالغالب هو مشاهد اقتحام العامة بلدات ومناطق المسلمين لتحطيم متاجرهم وإلقاء العبوات الحارقة عليهم، وتدمير بيوتهم ومساجدهم، كذلك يجوب المئات منهم الشوارع في شهر رمضان لمهاجمة كل ما يعود للمسلمين، لقد فعلوا كل شيء حتى أنهم أحرقوا المصاحف وتبولوا في خزان مياه الوضوء.

مسلمو سريلانكا.. يوميات الجحيم

كان الأخطر في سريلانكا هو ما بدأ حدوثه في 12 من مايو (أيار) 2019، حين بدأ العامة من البوذيين المعادين للمسلمين بشن هجمات على بلدة تلو الأخرى مهددين حياة وممتلكات المسلمين.

 

أخذوا يطلقون المقذوفات الحارقة على البيوت ويشعلون الأبواب والممتلكات، ويهاجموا المتاجر والمساجد، حتى قتل في الهجوم على منطقة بوتالام (شمال غرب سريلانكا) مسلمًا طعنًا بالسيوف على يد مجموعة من العامة الذين هاجموا الرجل البالغ من العمر (45 عامًا) في ورشة النجارة التي يملكها، بينما اقحم مسجد بلدة كينياما الشمالية الغربية، وكسرت نوافذه وأبوابه وأحرقت مصاحفه، أما في بلدة تشيلاو ذات الأغلبية الكاثوليكية، فأحرقت المتاجر و هوجمت المساجد.

كما أن بلدة كاتانكودي ذات الأغلبية المسلمة، والتي تعد مسقط المتهم بالتخطيط لهجمات عيد الفصح وانتحاري كنيسة في باتيكالوا زهران هاشم، تصاعد العنف ضد سكانها، وقد كتبت جماعة تحمل اسم «شباب التاميل، الإقليم الشرقي» منشور يدعو بعدم الشراء من سكان البلدة المسلمين، حتى تراجع العمل في نحو 250 متجرًا يملكها مسلمون في المدينة.

أما اللاجئين الباكستانيين  في سريلانكا الذين ينتمون إلى جماعة الأحمدي، وهي طائفة تعرضت للاضطهاد في باكستان لاعتقادها بأن نبيًا إسلاميًا آخر هو أحمد، ظهر في القرن التاسع عشر، فقد اضطروا إلى الهرب من منازلهم في مدينة نيجومبو الساحلية تحت وطأة هذه الهجمات، يقول أحدهم ويدعى أورانزيب زابي أنه حين هاجمه الغوغاء بحسب تعبيره بالقضبان الحديدية سارع للهرب نحو نقطة تفتيش تابعة للجيش، وحين اقترب من النقطة كان الغوغاء قد قبضوا عليه وقاموا بضربه وأطفاله ضربًا مبرحًا، وأخذوا يتسولون للجنود لسماح لهم بقتله.

تقول الكاتبة تسنيم نذير «كثيرًا من المسلمين يخشون التعرّض لأعمال انتقامية منذ ظهور تقارير تفيد بأن بعض متاجر المسلمين قد أُحرقت وخُرّبت، على الرغم من رغبتهم في دعم المجتمع الذي يشاركونه حزنه».

وأشارت الكاتبة وهي سريلانكية مسلمة في موقع «لوب لوغ» الأمريكي أن عمّها «اضطر إلى إغلاق متجره وملازمة منزله بعد أن اعترضه أحد الأفراد المعادين للمسلمين، ولأول مرة منذ سنوات، أُغلقت المساجد لأن المسلمين لا يشعرون بعد الآن بالأمان عند حضور صلاة الجمعة، كما نُصحوا بالابتعاد عن المساجد في الوقت الذي لا يزال فيه الإرهابيون طلقاء».

 

«تايم»: سريلانكا تغرق في الدماء.. 6 أسئلة تشرح لك تفاصيل التفجيرات هناك

 

هل تواطأت الحكومة السريلانكية ضد المسلمين؟

مباشرًة، بعد وقوع مجازر عيد الفصح في سريلانكا اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات ضد المسلمين، كأن تقوم بطرد 200 داعية إسلامي أجنبي لم تعد تأشيرات دخولهم صالحة، أو تفرض رقابة على المساجد وبالأخص الخطب التي تتم فيها، وكذلك تحظر النقاب لضمان الأمن.

شرطي يسجل أضرار الحرائق في ممتلكات المسلمين

هذه القرارات التي تأتي بعد تطبيق قانون طوارئ قبلها مسلمو البلاد لإيمانهم بأهمية اتخاذ الإجراءات الأمنية، وهو قبول يمكن تبريره في اطار حساسة الوضع الأمني في البلاد، لكن ما يثير الغرابة هو تجاهل الحكومة لتحذيرات سابقة من قادة مسلمين حول احتمالية قيام جماعات إسلامية متشددة بتنفيذ هجمات دامية.

تعود تفاصيل ذلك إلى تحذير جمعيّة علماء سريلانكا، وهي أعلى هيئة إسلامية، من «جماعة التوحيد الوطنية»، المتهم الرسمي بهجمات عبد الفصح، حيث قدم رئيس الجمعيّة مفتي رضوي أورد في يناير (كانون الثاني) الماضي معلومات للمخابرات الوطنية تفيد بوجود صلات محتملة لهذه الجماعة مع تنظيم (داعش)، ودعي لاعتقال عناصرها، ولم يكن ذلك التحذير الأول، فقبل نحو الثلاث سنوات، حذر نائب رئيس المجلس الإسلامي في سريلانكا حلمي أحمد  مسئولي في المخابرات العسكرية من احتمالية قيام مجموعات إسلامية متشددة بعمليات مسلحة، وقد سلم لإثبات صحة تحذيره قوائم تحوى أسماء وتفاصيل لكل هؤلاء الأشخاص.

يرجع مدير مركز الأمن الدولي في مركز «مومباي غيتواي الفكري» سمير باتيل عدم اهتمام المخابرات في سريلانكا بالتحذير السابق بالقول أن «سلطات سريلانكا التي اعتادت منذ فترة طويلة على التعامل مع انفصاليي نمور تحرير تاميل إيلام، لم تأخذ على محمل الجد فكرة أن جماعة إسلامية متطرفة كانت قادرة على تنسيق مثل هذا الهجوم المميت المخطط له جيدًا».

ويضيف سمير حسب موقع وكالة «بلومبيرج» الأمريكية «على الرغم من أن نشاطهم قد تم اختياره وأبلغ المجتمع بذلك، فإن الأجهزة الأمنية السريلانكية لا تزال مستمرة في تجربتها الطويلة مع التمرد الدموي، ما زالت عقليتهم متفقة مع أي هجوم إرهابي في المستقبل قادم من متطرفي نمور التاميل».

يعود بنا هذا الموقف الحكومي إلى ما يثار حول كون «الشرطة بسريلانكا كانت شريكًا في مضايقة الأقليات الدينية بدور العبادة الخاصة بها، ولم توقف الاعتداءات البوذية، بل شاركت فيها أحيانًا» حسب ما جاء في التقرير السنوي لعام 2015، الصادر عن لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية.

بيد أن الأحداث الحالية، وحسب الشهادات الحية تثير شبهات على الأقل حول موقف الحكومة مما يتعرض له المسلمون في البلاد، إذ يؤكد المسلمون الذي يتعرضون لهجمات البوذيين أن الشرطة وقوات الأمن لم تفعل شيء، ففي بلدة كينياما تم تحطيم مسجدين، على مرأى رجال الشرطة.

يقول مالك مصنع «دياموند للمعكرونة» الذي أحرق مؤخرًا ويدعى أشرف جيفثي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن «الشرطة وقوات الأمن لم تفعلا شيئًا لإخماد النيران، ثلاثة من عمالي المسلمين أصيبوا بجروح لدى محاولتهم الهرب من المصنع المشتعل».

من جانبه، يقول المعلق السياسي فيكتور آيفان أن أعمال العنف كانت مدبرة، ويفسر ذلك بالقول «المعارضة تشعر أن بإمكانها تحقيق مكاسب، وسط عدم الاستقرار فيما الحكومة تبدو ضعيفة، هناك أدلة على أن شخصيات سياسية من مستويات أدنى تقوم بالتحريض على أعمال العنف الأهلية».

مسلمو سريلانكا.. تاريخ من العداء البوذي لوجودهم

تغلب البوذية في سريلانكا على ديانة السكان البالغ عددهم بـ21,44 مليون، حيث يمثل البوذيون حسب الأرقام الحكومية 70.2 % من مجموع السكان، ثم يأتي بعدهم الهندوس بـ12.6 %، فيما يشكل المسلمين بـ9.7 % غالبيتهم من المذهب السني، و7.4 % من المسيحيين.

ينتمي المسلمون في سريلانكا بشكل أساسي إلى المور الذين تعود أصولهم إلى هجرة التجار العرب إلى البلاد، ويتحدث هؤلاء اللغة التاميلية بشكل أساسي، ثم اللغة السنهالية، كما ينتمي عدد منهم إلى شعب الملايو، المنتشرين في ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة.

محل تجاري لمسلمين تعرض لهجوم

عاني مسلمو سريلانكا من الحرب الأهلية التي استمرت لعقود بين انفصاليين من أقلية التاميل ويمثلها «جماعة نمور تحرير تاميل إيلام» المتمردة وأغلبها من الهندوس والحكومة التي يهمين عليها السنهال البوذيون، لكن بعد انتهاء هذه الحرب في العام 2009، بهزيمة متمردي التاميل دون أن يحقق حلمهم في إقامة دولة مستقلة في الشمال، انتقلت دفة الاعتداءات البوذية بشكل تدريجي نحو المسلمين، لذا كان من المعتاد أن تقع أعمال عنف ضد المسلمين من بوذيي سريلانكا، حتى أصبح  المسلمون ضحايا التطهير العرقي والمذابح والتهجير القسري من قبل البوذيين، يزكي هذا العداء المتشددون البوذيون بقيادة منظمة (بودو بالا سينا) أو القوة البوذية العداوة ضد المسلمين.

فقد تبني هؤلاء خطاب عنف وكراهية ونشر شائعات بأن المسلمين يهربون المخدرات، أو أن المسيحيون يجرفون تماثيل بوذا ويدمرونها، حتى أصبحت المساجد والكنائس هدفًا أساسيًا لهجماتهم، وصل التحريض البوذي ضد المسلمين بقيام مجموعات بوذية بإزالة الملصق «الحلال» من الأطعمة في البلاد على الرغم من أن جميع اللحوم تقريبًا تُذبح وفقًا للقواعد الإسلامية لأنها الأرخص ثمنًا.

وتزايدت تلك الهجمات بشكل ملحوظ، ما بين عامي 2012 و2013، وهي الفترة التي وقع فيها  أكثر من 350 هجومًا عنيفًا على المسلمين، وأكثر من 150 هجومًا على المسيحيين، لكن العام 2014 شهد تصاعد في الهجمات ضد المسلمين، إذ هاجم البوذيون منازل ومحلات تجارية يملكها مسلمون مخلفين قتلى وجرحى، وحرفت المساجد وخربت، فيما شهد مارس (آذار) 2018 موجة خطيرة من العنف الموجَّه ضد المسلمين في مدينة كاندي، اضطرت على إثره الحكومة لفرض حالة الطوارئ 10 أيضًا، حيث اندلع العنف بسبب خلاف مروري بين بوذي وأربعة رجال مسلمين.

وبرغم كل ما تعرض ويتعرض له المسلمون في سريلانكا إلا أنه لم تسجل قبل هجمات عيد الفصح أي من الردود العنيفة على ما يتعرضون له، حيث يعتاد القادة المسلمين على بذل الجهود الحثيثة لثني المسلمين في سريلانكا عن الانتقام من الهجمات ضدهم.

مأساة بلا نهاية.. لماذا يُقتل المسلمون في سريلانكا على أيدي البوذيين المتشددين؟

 

المصادر

تحميل المزيد