لم ولن يخبت الخلاف حول إن كان الإسلام قد أتى بتحرير العبيد حقًا أم لا. كل فريق له أدلته ونصوصه التي يستند عليها، في النفي أو الإثبات. أما نحن فلن نخوض غمار تلك الرحلة الخلافية الآن، لكننا في المُقابل سنذهب إلى منطقة أُخرى، وهي منطقة الإجابة على سؤالنا في العنوان: هل ساهم “المسلمون” حقًا في تحرير العبيد؟

ببساطة، الإجابة هي: نعم. إنّها من جُملة إسهامات المسلمين، مع غيرهم، في تطوّر التاريخ البشري. وهو ما يُبرزه مشهدان تاريخيان، منهما ما يُعد سبقًا، يتقدّم على مواثيق تحرير العبيد لدى الغرب، وعلى رأسها وثيقة تحرير العبيد للرئيس الأمريكي أبراهام لينكولين.

ورقة من وثيقة تحرير العبيد لأبراهام لينكولن، عام 1863 (المصدر: الإدارة الأمريكية للوثائق والسجلات الوطنية)


حاكم مصر الذي حارب لتحرير العبيد

كغيرها من بلدان العالم، كانت تجارة الرقيق مُنتشرة في مصر، وبخاصة بين الأوساط الأرستقراطية والطبقة الحاكمة. لقد سجّلت المرويات والوثائق التاريخية ما يُمكن وصفه بشره الحُكام باقتناء العبيد والجواري. وبالجملة فإنّ هذه الممارسة كانت لها أبعادها الاقتصادية التي لا يُمكن إغفالها، فحتى حين نذكر أنّ الدولة العُثمانية رفضت التوقيع على مُعاهدة برلين الدولية لإلغاء العبودية وتجارة الرقيق عام 1855، بدعوى أنّ الإسلام لا يُحرّم الرّق؛ لابد أن نُدرك الأبعاد الأُخرى الأكثر تأثيرًا، وإن بالطبع لم تُذكر علانيةً كسبب في الرفض.

وقد كان الرّق في العالم الإسلامي آنذاك، مُختلف عن غيره، إذ اعتمدت مصر مثلًا على العبيد إمّا كضباط في الجيش وهم العبيد البيض، أو كجنود وهم العبيد الملونون، بينما كانت للجواري في السلطنة العُثمانية دورٌ مهم في تداول السلطة؛ إذ إنّ مُعظم أُمهات السلاطين العُثمانيين كُنّ من الجواري في الأساس.

في مصر العلوية، نزعت سُلالة مُحمد علي إلى التوجّه الغربي، تحديدًا مُنذ عبّاس باشا الأوّل (حكم مصر ما بين عامي 1848 و1854)، ثُم ازدهر هذا التوّجه بشكل بيّن في عهد الخديوي إسماعيل (ما بين 1963 و1979).

وبحسب الباحث في التاريخ الحديث، وائل إبراهيم الدسوقي، فقد كان عبّاس باشا الأوّل “يكره الرّق وتجارته”. وفضلًا عن ذلك فقد عُيّن كثير من الرقيق في وظائف عُليا في الدولة، وعلى كل حال، هي عادة قديمة درجت الدولة الإسلامية على العمل بها، وتجلّى ذلك خصوصًا في الدولة العُثمانية.

وعلى الرّغم من أنّ التاريخ العُثماني يُحذّر من تجنيد العبيد والرقيق، كما حدث مع الإنكشارية التي تضخّمت سُلطاتهم داخل قصر الحُكم العُثماني؛ إلّا أن الخديوي سعيد عمد إلى تجنيد العبيد، وعُيّن منهم الكثير في مناصب كبيرة داخل الجيش.

سوق الرقيق في القاهرة عام 1830


هذا، وكان منفذ تجارة العبيد إلى مصر، هي السودان التي كانت يحكمها الخديوي، لذا حين بدأ الخديوي إسماعيل في اتخاذ تدابير الحد من تجارة العبيد، أصدر مرسومًا لحكمدار السودان بتعقّب تجار العبيد. كان ذلك عام 1863، وهو نفسه العام الذي شهد أوّل عملية إطلاق سراح عبيدٍ رسميّة في مصر، إذ إنّ القوات التي هيأها حكمدار السودان لتنفيذ تعاليم مرسوم الخديوي، ضبطت نحو 70 سفينة مُحملة بالعبيد، فاعتقلت أصحاب السفينة والتُجّار، وأُطلق سراح العبيد.

الكاتبة الصحافية إقبال بركة، ترى أنّ واحدة من أسباب قيام ثورة المهدي في السودان، هو وقوف مصر بالمرصاد لتجارة العبيد، لأنّها – كما ذكرنا – لها أبعادها الاقتصادية التي لا يُمكن التغافل عنها، والتي من بينها (فضلًا عن التجارة نفسها) الاعتماد على العبيد في الزراعة وتربية المواشي. وبالإضافة إلى ذلك. وسواءً صحّت ذلك القول من “بركة” أم لم يصح، فإنّه في المُقابل لذلك لا يُمكن أيضًا تجاهل حدث كسيطرة الجيش المصري على بلدة فاشودة، جنوبي السودان، عام 1865 للحيلولة دون إتمام صفقات تجارة العبيد، إذ كانت فاشودة محطة هامّة في طريق الرقيق.

أخيرًا، في عام 1877، وقّع الخديوي إسماعيل مُعاهدة مع الحكومة البريطانية، تقتضي “التعاون المتبادل” بين البلدين لمنع تجارة العبيد. وهي المُعاهدة التي يُؤرخ لها كلحظة انتهاء تجارة العبيد في مصر، والتي لحقها تنظيم عتق العبيد في مصر عبر ما عُرف بـ”قلم عنق الرقيق”، بحيث يُستصدر للعبد أو الجارية ما يُشبه شهادة عتق، أو تذكرة حُرّية كما كانت تُسمّى.

عندما ألهمت تونس لينكولن لتحرير عبيد أمريكا!

العلاقات بين البُلدان الإسلامية العربية وبين الولايات المُتحدة الأمريكية، ضاربة في القدم، بدايةً من الاعتراف المغربي بالولايات المتحدة كدولة مُستقلة، حتى قبل تنصيب جورج واشنطن رئيسًا أولًا لها، مرورًا باستلهام أمريكا لنموذج تونس في تحرير العبيد، وهو مربط فرسنا، وبيت قصيدنا.

لقد خاض لينكولن حربه الأهلية الشهيرة، لإخضاع ولايات الجنوب التي سعت للانفصال للاتحاد الفيدرالي، ولم يكن باديًا أنّ تحرير العبيد كانت ضمن أهدافه التي خاض من أجلها الحرب، بقدر ما كانت وسيلة لتعزيز موقفه في الحرب.

بدأت الحرب الأهلية عام 1861، ثُمّ في سبتمبر 1862 أصدر لينكولن إعلانًا مبدئيًا لتحرير العبيد، لكنّه اقتصر على الولايات الجنوبية المُتمرّدة. لقد نصّ الإعلان على تحرير العبيد من المناطق المُتمرّدة بدايةً من يناير 1863، ثُم أعقبه بعد 100 يومٍ بإعلان ينص بوضوح على أنّ كل العبيد في المناطق المُتمرّدة أصبحوا أحرارًا.

نص الإعلانين، الأوّل والثاني، يُوضحان أنّ الأمر مُوجّه لاستثارة عبيد ولايات الجنوب المُتمردة ضد “أسيادهم” الذين يخوضون حربًا ضد لينكولن، ودليل ذلك أنّ الإعلانين لم يتحدثا عن عبيد ولايات الشمال التي ظلّت العبودية فيها قائمة.

صورة تخيلية لبعض معارك الحرب الأهلية الأمريكية


وبالفعل، قامت هبّات لعبيد ولايات الجنوب، الذين – بضرورة الحال – انضموا لمُعسكر لينكولن، بخاصة بعد إعلان أصدره بقبول الرجال المُلوّنين في صفوف الجيش الرسمي، حتى أنّ أعداد المنضمين منهم للجيش وصلوا لنحو 200 ألف جُندي!

في الجنوب إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، كانت تونس قد نظّمت قوانينها الخاصة بتحرير العبيد، ومنذ نحو عشرين عامًا على أوّل إعلان أصدره لينكولن. في تلك الفترة كان حاكم تونس أحمد باشا باي قد سعى حثيثًا، بالتدريج وعلى مراحل مُتقاربة، إلى منع الرقّ في تونس، بداية من الأمر الذي أصدره في سبتمبر 1841 بمنع تجارة العبيد داخل أسواق تونس، بالإضافة إلى هدم كل المحال والدكاكين والأسواق الخاصة بتجارة العبيد. ثُمّ في عام 1842 أصدر مرسومًا ملكيًا يُعتبر بموجبه كل من يولد على أرض المملكة التونسية حُرًا لا يُباع ولا يُشترى.

بالجملة، يُمكن القول إن عهد أحمد باشا باي هو عهد الإصلاح في أركان الدولة، وقد اعتمد في ذلك على رجال وقفوا إلى جوار مشاريعه الإصلاحية، والتي من بينها إلغاء تجارة الرقيق، من بين أبرزهم الوزير خير الدين التونسي، والذي كان في الأصل عبدًا لدى أحمد باشا باي!

كذلك اعتمد أحمد باي في حملته ضد الرّق على كسب تأييد عُلماء الدين، الذين استحثّهم بالنصوص الدينية على الوقوف معه في حملته هذه. ويظهر الأمر جليّا في الأمر الذي أصدره عام 1846 بإلغاء العبودية تمامًا في تونس، والذي وجّه فيه بصورة مُباشرة رسالة إلى عُلماء الدين يحثهم فيها على نصرة العبد المُستجير من سيّده، مُقدمّا لها بما يدعم موقف حملته من المنهج الشرعي، استنادًا على قاعدة “درء المفسدة مُقدّمة على جلب المصلحة”:

اقتضى نظرنا والحالة هذه، رفقًا بأولئك المساكين (العبيد) في دُنياهم، وبمالكيهم في أخراهم؛ أن نمنع الناس من هذا المُباح المُختلف فيه، والحالة هذه خشية وقوعهم في المُحرّم المُحقق المجمع عليه. *من إعلان تحرير العبيد في تونس (1846)

بهذا الإعلان، وهذه الرسالة أُلغي الرّق في تونس تمامًا بصورة رسميّة، سابقة في ذلك مُعاهدة برلين الدولية التي وُقّعت عام 1855، وقبلها الإعلان العالمي الصادر من لندن عام 1848.

وبعد القانون التونسي بأكثر من عشرين عامًا، أصدر لينكولن إعلانه الخاص بتحرير عبيد ولايات الجنوب. وقد كانت ثمّة أصوات في مؤسسة الحكم الأمريكية تُنادي بتعميم إلغاء الرق على أنحاء الولايات المُتّحدة، ولا يُنكر أن لينكولن نفسه كان من بين المُؤيدين لذلك، وإن لم يتخذ موقفًا تجاه قضيته خلال سنوات الحرب، درءًا لأي انشقاق في ولايات الشمال.

لكن في عام 1864، وقُبيل انتهاء الحرب الأهلية، بعث القنصل الأمريكي في تونس، إلى رئيس المجلس البلدي لمدينة تونس، الجنرال حسين، طالبًا منه إيضاح المنافع الناتجة عن قانون تحرير العبيد التونسي. الجنرال حُسين أيضًا كان واحدًا من رجالات حركة الإصلاح، التي قادها داخل الحكومة الوزير خير الدين التونسي، بمباركة من أحمد باشا باي.

أحمد باشا باي


بدوره، ردّ الجنرال حُسين على طلب القنصل الأمريكي، برسالة شرح فيها أسباب ذهاب تونس إلى إلغاء الرّق، مُستندًا على المنهج الشرعي، ونصوص القرآن والسنّة الخاصة بهذه القضيّة، والتي من بينها ما اعتمد عليه سابقًا أحمد باي.

عندما تلقى القنصل الأمريكي رسالة الجنرال حُسين، رفعها مُباشرة إلى وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد، الذي رفعها بدوره إلى رئيس الولايات المتحدة، أبراهام لينكولن. هذا الأخير، أُعجب كثيرًا بالرسالة والإسهاب فيها حول كيفية تحرير العبيد، وأهمية ذلك ومنافعه، حتى أنّه أمر بترجمتها، وإعادة طبعها ونشرها على نطاق واسع كما هي دون تبديل أو تحريف.

ولم يختلف كثيرًا موقف مناصري إلغاء العبودية الأمريكيين، فقد استحسنوا الرّسالة، التي تناولتها الصحافة الأمريكية آنذاك بشكل واسع، لتُحدث ما يُمكن وصفه بالضجة الكبيرة داخل الولايات المُتحدة الأمريكية، ولتكون مُحفّزًا لإلغاء الرّق بصورة رسميّة في الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1865.

لقراءة نصّ الرسالة كاملًا.

المصادر

تحميل المزيد