كشفت دراسة حديثة لمركز بيو للدراسات أن المسلمون يُمثلون أصغر الجماعات الدينية سنًا في الولايات المتحدة الأمريكية، لتُثير تساؤلات حول ما تعنيه هذه النتائج، وتأثيرها المُحتمل على السياسة الأمريكية

كشفت دراسة حديثة لمركز «بيو» للدراسات، أن المسلمون يُمثلون أصغر الجماعات الدينية سنًا في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتُثير تساؤلات حول ما تعنيه هذه النتائج، وتأثيرها المُحتمل على السياسة الأمريكية.

منهجية الدراسة

في 11 يوليو (تموز) الجاري، أصدر مركز بيو للدراسات والأبحاث دراسة عن الجماعات الدينية الأكبر سنًا، والأصغر سنًا، في الولايات المتحدة الأمريكية، اعتمادًا على قياس متوسط الأعمار، للبالغين الذي يتعدى أعمارهم 18 عامًا، وتقسيمهم إلى أربع فئات عمرية : من 18 لـ29 ، ومن 30 لـ 49، ومن 50 لـ64، وفوق 65 عام. وشملت الدراسة تحليل أعمار 30 جماعة دينية في الداخل الأمريكي، بما في ذلك المُلحدين.

وبحسب الدراسة، فإن الجماعات الدينية الأصغر سنًا في أمريكا، قد يكون لديها فرصة أكبر للنمو، ليس فقط لأن أعضاءها سيعيشون لفترة أطول، ولكن لأن معظمهم لا يزالون في سن الإنجاب، وهو ما يعني أن لديهم فرصة أكبر لتمرير دينهم إلى أولادهم، وربما أحفادهم.

المسلمون أصغر الجماعات الدينية سنًا في أمريكا

وأظهرت الدراسة أن المسلمين هم أصغر الجماعات الدينية سنًا في أمريكا؛ إذ يبلغ متوسط عمر البالغين المسلمين هناك 33 عام، وهو نفس متوسط عمر الهندوس. ومن بين 10 بالغين مسلمين هناك أكثر من أربعة أشخاص في المتوسط تحت الثلاثين عام. إذ بلغت نسبة المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 لـ 29 عام 44%. وبلغت نسبة المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 30 لـ 49 عام 37%. وبلغت نسبة المسلمين الذين تتراوح أعمارهم بين 50 لـ 64 عام 13%. و بلغت نسبة المسلمين الذين تتعدى أعمارهم 65 سنة5% فقط.

وتجدر الإشارة إلى أن دراسة أخرى لمركز بيو، ترجع لعام 2015 ، تفيد بأن عدد مسلمي أمريكا بمختلف أعمارهم، يبلغ 3.3 مليون، وهو ما يُعادل نسبة 1% تقريبًا من سكان أمريكا البالغ عددهم حوالي 322 مليون ، وهي نسبة مرشحة للتضاعف مع الوصول لعام 2050.

في المقابل، أظهرت الدراسة تفوقًا لعدد من الجماعات الدينية المسيحية الأمريكية من حيث كبر سن أعمار المنتمين إليها؛ إذ كشفت تصدر ثلاثة جماعات مسيحية ترتيب الجماعات السنية الأكبر سنًا، ببلوغ متوسط أعمار أعضائها 59 سنة. ولم تتراجع نسبة من يصل أعمارهم من 65 فأكثر للجماعات الدينية الثلاثة 30%.

وتنوه الدراسة، إلى أن السن ليس العامل الوحيد الذي يقيس مستقبل نمو الجماعات الدينية المختلفة في أمريكا، بمعنى أنه ليس بالضرورة أن تزداد النسبة السكانية للجماعات الأصغر سنًا في المستقبل، أو تنخفض تلك النسبة للجماعات الأكبر سنًا. مشيرةً إلى عوامل مؤثرة أخرى، كالخصوبة والتحول الديني والهجرة.


سياق أوسع: الإسلام الدين الأسرع انتشارًا

بالإضافة لتلك الدراسة التي ارتبطت بأمريكا، أظهر عدد من الدراسات لمركز بيو، أن الإسلام هو الدين الأسرع في معدلات النمو عالميًا، وقد يُصبح بعد عدة عقود الدين الأكثر انتشارًا في العالم؛ فمع أن المسيحية هي الديانة الأكثر انتشارًا في العالم حاليًا، لكن يُتوقع بمرور عقود، أن يُصبح الإسلام الأكثر انتشارًا، مع الإشارة إلى أنّ نسبة مسيحي العالم تبلغ 31.4 % من سكان العالم، في الوقت الذي يبلغ فيه نسبة مسلمي العالم 23.2% من سكان العالم.

ومع نهاية القرن الحالي، يُتوقع أن ترتفع نسبة المسلمين، إذا استمرت العوامل الديموغرافية الحالية، لتصل إلى 34.9%، مع ارتفاع نسبة المسيحيين بشكل طفيف، وصولًا إلى 33.8%، ليبدأ عدد المسلمين في التفوق على عدد المسيحيين مع عام 2070.

ويُعد الإسلام هو الدين الأسرع في معدلات النمو بالعالم، ففي الوقت الذي يُتوقع فيه أن يزداد عدد السكان في العالم بنسبة 35%، فإن عدد المسلمين يُتوقع أن يرتفع بنسبة 73% خلال الأربعة عقود القادمة، ليرتفع بذلك عدد المسلمين من 1.6 مليار شخص إلى 2.8 مليار شخص بحلول عام 2050.

ويُرجع مركز بيو، سرعة معدلات نمو عدد المسلمين عن غير المسلمين، إلى أكثر من عامل رئيس، أحدهما زيادة معدلات الإنجاب عند المُسلمين عن غيرهم؛ فلكل امرأة مُسلمة 3.1 طفل في المتوسط، في مقابل 2.3 طفل كمتوسط إنجاب لكل امرأة من الديانات غير المُسلمة مجتمعة.

ومما يُعزز من سرعة معدل نمو عدد المسلمين أيضًا، هو أن متوسط أعمار المسلمين 23 عامًا، وهم بذلك أصغر بسبع سنين عن غير المُسلمين. كما أن مُعدل خصوبة المسلمين أعلى من غير هم، وكل هذه العوامل ترفع من فرص الانجاب وزيادة العدد، بالإضافة إلى أن إقبال المسلمين على الهجرة في الأمريكتين وأوروبا يوسع من انتشار الإسلام حول العالم.

الدلالات

للوقوف على تلك الأرقام، وبخاصة المرتبطة بمسلمي أمريكا، وما طرحته من أسئلة حول دلالتها، ومدى تأثيرها على مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى سياسة اللجوء والهجرة في أمريكا التي تعيش فترة الاستعداد للانتخابات الرئاسية، تواصل «ساسة بوست» مع «محمد الجوهري»، الباحث المصري المُقيم بواشنطن، ومحرر المحتوى العربي بالمجلس الأطلنطي، وأجرى معه الحوار الآتي:

كيف تنظر إلى هذه الأرقام، وما الذي تعنيه من وجهة نظرك؟

في البداية، يجب عدم التهويل من نتائج هذه الدراسة؛ لأن عامل العمر ليس العامل الوحيد الذي سيحدد القوة النسبية لمجموعة سكانية (المسلمين في هذا السياق). وهذا ما أشارت إليه نتائج هذه الدراسة، فهناك عوامل أخرى، مثل: معدل الخصوبة، ومعدلات الهجرة للأفراد من مجموعات سكانية أو دينية أخرى، ومعدل تحول الأشخاص إلى أديان أخرى.

ويجب أن نضع في الاعتبار أنه ليس هناك تعداد واضح للمجموعات الدينية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن إحصاء السكان على المستوى القومي في الولايات المتحدة لا يتضمن عامل الديانة، ومن ثم فليس هناك تعداد دقيق لعدد المسلمين في الولايات المتحدة،

كيف يُمكن أن تؤثر الأرقام تلك على مستقبل أمريكا السياسي؟

الدراسة التي أجراها مركز بيو عام 2015، قدرت نسبة المسلمين في الولايات المتحدة بـ 1٪ من إجمالي السكان في الولايات المتحدة. وتوقعت الدراسة أن عدد المسلمين سوف يتضاعف بحلول عام 2050، ومن ثم فإنه حتى بحلول 2050 لن يُشكل المسلمين مجموعة سكانية كبيرة في الولايات المتحدة، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن المسلمين ليسوا قوة سياسية لها ثقل في العملية السياسة الامريكية؛ لاعتبارات كثيرة، أهمها: نقص عامل التنظيم.

وعلى الجانب السياسي، وفي ظل الظروف السياسية التي تواجهها الولايات المتحدة على المستوى الداخلي، والظروف التي يعيشها العالم، فإن هذه الدراسة الأخيرة المتعلقة بصغر سن المسلمين يمكن أن يتم استغلالها بصورة سلبية.

كيف يُمكن أن تُستغل هذه الأرقام بصورة سلبية؟

على المستوى الداخلي تعيش الولايات المتحدة ظرفًا سياسيًا معقدًا في الوقت الحالي؛ إذ إنه عام الانتخابات الرئاسية، وشهدت هذه الانتخابات صعود المرشح اليمني «دونالد ترامب» الذي يتبنى مجموعة من السياسات العنصرية ضد جميع الأقليات العرقية والدينية؛ فقد نادى على سبيل المثال بمنع دخول المسلمين للولايات المتحدة لفترة معينة، كما شهدت الولايات المتحدة عددًا من الحوادث الإرهابية التي كان مرتكبوها مهاجرين مسلمين، أو مسلمين أمريكين منتمين لعائلات مهاجرة.


وبالنظر الى مستوى التأييد الذي يحظى به ترامب، على الرغم من أن التيار المؤيد لترامب لا يمثل أغلبية في الولايات المتحدة، إلا أنه قوة عددية لا يُستهان بها، وتكتسب أرض جديدة كل يوم على الساحة السياسية الأمريكية، وهذا التيار مؤيد لسياسات أكثر تقييدًا على الهجرة. جزء من مخاوف هذا التيار – الذي يشكل البيض غالبيته – من أن البيض لن يكونوا أغلبية في الولايات المتحدة في المستقبل القريب.

وبالنظر إلى الظروف الدولية، فإن الحملة الدولية ضد تنظيم «تنظيم الدولة» والعمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم مؤخرًا في أوروبا، استغلها دونالد ترامب والتيار المؤيد له في تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد المسلمين، وضد المهاجرين، خاصة السوريين باعتبارهم تهديدًا للأمن القومي الأمريكي. وبالتالي فإن نتائج هذه الدراسة يمكن أن تُستخدم من جانب ترامب وأتباعه؛ لبث مزيد من الخوف وتعبئة مزيد من المؤيدين؛ حتى يزيد من فرص نجاحه في الانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني)؛ لأن فرصه في هزيمة المرشحة الديمقراطية «هيلاري كلينتون» ضعيفة نسبيًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد