كانت ولم تزل آسيا الوسطى، هي إحدى المعادلات الصعبة في فهمها وإدارك أبعادها ومآلاتها في تاريخ المسلمين، فنحو سبعين عامًا من الشيوعية وربع قرنٍ من الاستقلال، ما يزيد على ستين مليون من السكان، الدين واحد والقومية أكثر من مئة والكيانات السياسية فقط خمسة؛ طاجيكستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقرغيزستان. تنقلت جميعها بين الأصالة والمعاصرة، وكأن لا سبيل للجمع بينهما، حتى ظن بعض العرب المسلمون في أعقاب التفكك السوفييتي أن جزءًا من «بلاد المسلمين» قد عاد إليهم، يحمل نصيبه من الإرث السوفييتي، فيمدهم بحظه من الحضارة المادية ويمدونه بموروثهم من الثقافة والحضارة، حتى خابت الآمال وانتكست الظنون، فلا هو عاد إليهم ولا هم سعوا إليه، وظل على حاله منطقةً حائرةً بين الشرق والغرب. يحمل زعماؤه السياسيون هَمّ تاريخهم القديم من الشيوعية وولاءاتهم الحديثة داخل أوروبا، وبين هذا وذاك لا وجود لملايين المسلمين.

 

في سياق التقرير نحاول أن نتلمس أثر التاريخ هناك في بلاد آسيا الوسطى، وواقع مسلميها الاجتماعي والسياسي.

 

في التاريخ.. أرضٌ إسلامية

فتحها المسلمون الأوائل بعدما أتموا فتح بلاد فارس (إيران) عام 31 هجرية، وكان هذا إيذانًا بالاحتكاك الأول ما بين هذه المناطق وحضارة الإسلام، وكانوا يسمونها «بلاد ما وراء النهر»، وكانت جغرافيًا منقسمة إلى تركستان الشرقية والغربية، امتدت من حدود تركيا الغربية إلى حدود الصين الشرقية، ونشأت بها حضارة إسلامية كبيرة، يكفي أن نذكر من حواضر آسيا الوسطى مدنًا: كبخارَى وسمرقند وترمذ، ومن علماء الدين منها: البخاري والترمذي والنسائي والسرخسي وغيرهم الكثير.

كانت هذه نبذة تاريخية عاجلة عن شرارة الاحتكاك الأول بين «الإسلام» وهذه الحواضر البعيدة عن المساحة العربية، التي هي مهد الرسالة، أما اليوم، فتركستان الشرقية لم تعد سوى جزء من الجمهورية الشعبية الصينية تُعرف بمحافظة «سينكيانج»، وتركستان الغربية منقسمة على نفسها إلى خمس دول؛ طاجيكستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقرغيزستان. تزيد مساحتها مجتمعةً على أربعة ملايين كيلو متر مربع، يسكنها مجتمعة أيضًا طبقًا لإحصائيات عام 2011م أكثر من 64 مليون نسمة، يبلغ متوسط المسلمون من بينهم قرابة 78%، أكثرهم في طاجيكستان، التي تبلغ نسبة المسلمين بها 90%، وأقلها في كازاخستان بنحو 47%.

 

أرضٌ غنية وشعوبٌ فقيرة!

لطالما كانت آسيا الوسطى مسرحًا يلعب على أرضه الكبار، ولأهميتها الجيوسياسية بالغ الأثر في كونها مطمعًا ومغنمًا، وتتمتع بموقع جغرافي شائك على خريطة المنطقة الأوروآسيوية؛ إذ تقع بين كل من الصين وروسيا وأفغانستان وإيران، وعلى مقربة من الخليج العربي وتركيا، وهي ليست كذلك بعيدة عن المطامع الأمريكية والهندية!

قد يبدو الكلام مبالغًا بعض الشيء إذا ما طالعته للوهلة الأولى، لكن ما إن علمت أن احتياطيات الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز من الغاز الطبيعي تصل إلى 34% من الإجمالي العالمي، وتقع أكبر الاكتشافات في أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان وأوزبكستان. ناهيك عن أنها تمتلك من إجمالي احتياطات النفط العالمية ما يقارب 27%، تقع أغلبها في أذربيجان (من جمهوريات جنوب القوقاز) وكازاخستان.

ومع أن دولة كطاجيكستان لا تمتلك الكثير من مخزون النفط والغاز كغيرها من دول آسيا الوسطى والقوقاز، إلا أنها وحدها تملك 60% من منابع المياه في آسيا الوسطى، ويمكن أن تستخدم هذه المنابع لتوليد 527 مليار وات من الكهرباء، ولم تتم الاستفادة حتى الآن إلا من 5% من هذه المنابع.

هذه الأهمية الجيوسياسية القصوى، تجعل من البلاد محل تنافس دولي ما بين اللاعبين الدوليين الفاعلين، فروسيا تحاول أن تبقيها دائرةً في فلكها امتدادًا للحقبة السوفييتية، والولايات المتحدة تحاول بسط نفوذها، بينما تسعى الصين بشركاتها الكبيرة أن تدخل السوق هناك لتسيطر عليه وتطوعه لخدمة مصالحها، وبالطبع، فإن الصراع ليس بعيدًا عن اللاعبين الإقليميين؛ الهند وتركيا وإيران.

 

إذا ساءت الأمور.. فتش عن الظهير الروسي

 

 

لفتراتٍ طويلة، ظلت هذه البلدان تابعة لروسيا القيصرية، ثم البلشفية «الاتحاد السوفييتي»، ولذلك بقيت منعزلةً تمامًا عن العالم وبالطبع الإسلامي منه، وحاولت السلطات الشيوعية بكل الوسائل أن تقضي على الهوية الدينية والإسلامية لشعوب هذه المنطقة، كما حاولت أن تمنعها وتعزلها عن المؤثرات الخارجية. مستخدمة في سبيل ذلك وسائل متنوعة كتغيير حروف لغاتها، ومنعها من إجراء أي نوع من الاتصال بالعالم. وهو ما ضمن تبعيَّة هذه البلدان للظهير الروسي حتى بعد إعلان استقلالها في 1991م، صحيح أن هذا الارتباط يأتي بدرجات متفاوتة بين دولة وأخرى، فدولة كطاجيكستان تعتمد على روسيا اعتمادًا كليًا على عكس دول أخرى ككازاخستان وقرغيزستان. وكنتيجة حتمية لهذه التبعية، فلم تطوّر أي من هذه الدول من أنظمتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وظلت أسيرة بيد الساسة في موسكو، إلا أن هذا النهج أودى بالبلاد إلى ظهور ما يُعرف بأحزاب الصحوة الإسلامية، باعتباره بديلًا ربما يكون قادرًا على المنازعة في أمور الحكم والسياسة، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك الحرب الأهلية الطاجيكية ما بعد الاستقلال (1992-97م)، والتي كان حزب النهضة الإسلامي أحد أطرافها.

 

«البديل الإسلامي».. الحاضر دائمًا

أحزاب الصحوة الإسلامية هذه، كما يروق للباحثين والمتابعين تسميتها، لاقت تجاوبًا شعبيًا كبيرًا، لم يكن إيمانًا خالصًا من الناس ببرامج هذه الأحزاب وما تقدمه، بقدر ضيقهم من التنظيرات الشيوعية الفاشلة في نظرهم، إذ لم يكن أمام هذه الشعوب سوى البديل الإسلامي، والذي يلوّح لهم بشعارات مستمدة من دينهم الإسلامي، ويعدهم بالقضاء على المشكلات الاقتصادية والبطالة وتوفير فرص عمل لهم ولذويهم، ورفع راية العدل الإسلامي، الذي لطالما حُرموا من العيش في ظلاله. ومن أهم الأحزاب والحركات التي شقت طريقها في العمل السياسي بحثًا عن موطئ قدم في سلطة حديثة عهد بالتبعية الروسية كانت «حركة أوزباكستان الإسلامية»، و«حزب النهضة الإسلامي» في طاجيكستان، و«حزب التحرير» الطاجيكي، وهو حزب يدعو لإعادة «الخلافة الإسلامية الجامعة».

 

الإسلاميون أو الديكتاتورية؟

يعزي الباحث في الشئون الأفغانية، الدكتور مصباح عبدالباقي، شيوع الدكتاتورية في بلدان آسيا الوسطى لبروز ما أسماها أحزاب الصحوة الإسلامية، فحكام هذه البلدان في بداية توليهم مقاليد الأمور، كانت قبلتهم إلى الغرب أكثر منها إلى الشرق، فهم لتوهم أعلنوا استقلالهم عن الظهير السوفييتي المفكك، وتشدقوا في أعقاب استقلالهم بالحريات والديموقراطية، وقيم المواطنة والتعددية الحزبية، لكنهم ما أن رأوا في النزول بهذه المعاني على أرض الواقع خسارةً لهم، في نزولهم عن عروشهم، واعتلاء البديل الإسلامي الآخذ في التنامي في أعقاب الاستقلال، تولوا قبلتهم الأولى، روسيا، التي ما لبثت أن مدت بيدها إليهم.

حتى أنها في أثناء الحرب الأهلية الطاجيكية في الفترة من 1992م-1997م، تدخلت عسكريًا لصالح الشيوعيين الكولابيين بزعامة إمام علي رحمانوف، الرئيس الأبدي لطاجيكستان، باستفتاء شعبي، كان قد طرحه أمام الناس في مايو(آيار) الماضي.

ما دفع الباحث لتبني وجهة النظر هذه، أن دولة ليس بها حضور قوي للإسلاميين على موائد السياسة تشهد تغيرات سياسية، وقنوات للحوار والممارسة الفعالة بدعم غربي واضح، هذه الدولة هي قرغيزستان، إحدى الدول الخمس المسلمة، والتي اضطر رئيسها الأسبق عسكر أكاييف (1990-2005م) للتخلي عن كرسي الحكم في عام 2005م بعد قيام ثورة شعبية على نظامه، وولي السلطة بعده الرئيس كرمان بك باكييف، والذي خُلع هو الآخر في عام 2010م، لتتولى بعدها روزا اتونباييفا بشكل مؤقت. هذه التحولات السياسة المصيرية في دولة من الدول الإسلامية الخمس، تمت بدعم غربي، وهو ما لم ينسحب على جاراتها، حيث البديل الإسلامي الحاضر في المشهد. هذا بالإضافة إلى أن قرغيزستان ليس لها ما لكازاخستان من مصادر طبيعية ولا ما لأوزبكستان من تاريخ وثقافة ولا تتميز بموقع مركزي كالذي تتميز به تركمانستان، ولا يتمتع أهلها بما يتمتع به أهل طاجيكستان من روح قتالية، غير أنها الدولة الوحيدة في آسيا الوسطى التي لم يكن رئيسها عضواً في الحزب الشيوعي خلال العهد السوفيتي. وعليه فإن الحراك بها لا يخرج من طور الاستثنائية.

 

أخرجوهم من قريتكم!

اعتبار أن «الصحوة الإسلامية» في هذه البلدان كانت وليدة لحظة الاستقلال وما تلاها، لا يثبت كثيرًا أمام حقيقة أنّ الإسلام بقي مؤثرًا في حياة الناس وقت أن كانت آسيا الوسطى تابعةً لروسيا البلشفية، إذ لعبت المدارس الإسلامية السرية والمساجد دورًا بارزًا في الحفاظ على روح التدين بين أبناء الشعوب الآسيوية، والتي يدين أغلبها بالإسلام على المذهب الحنفي، ويعتبر البعض إسلامهم إسلامًا شعبويًا صوفيًا، نتاج عزلة شبه تامة عن الظهير العربي، الذي هو مهد الرسالة، ومحط رحال العلماء والفقهاء.

في أعقاب الاستقلال، نشأت حرب سياسية ضروس ما بين الفرقاء الباحثين في طريق السلطة، ولأن كفتي الميزان لم تكونا بذات القدر من العدل، فهناك حليف روسي يدعم كل ما هو شيوعي، وحليف غربي يدعم كل هو ديموقراطي على الطريقة الأوروبية، وأحزاب إسلامية ليس لها إلا شعارات ترفعها، ووعود تمشي بها بين الناس، وهذا لم يكن كافيًا حتى أُقصيت من السلطة ولا زالت إلى يومنا.

وكان من بين سياسات الإقصاء التي مورست ضد الأحزاب الإسلامية، ما يمكن أن نطلق عليها سياسة تجفيف المنابع؛ نقصد هنا ولا شك المنابع الفكرية التي تغذي أبناء هذه الصحوة، عن طريق منع كافة البعثات العلمية للدول الإسلامية، ومنع كافة الأنشطة الدينية وإغلاق المدارس والمساجد التي تشتبه الدولة في الدور التي تقوم به.

في طاجيكستان، في مارس(آذار) 2009م، أصدرت إدارة الرئيس إمام علي رحمانوف «حرية الاعتقاد والمؤسسات الدينية» والذي بموجبه تشتد رقابة الدولة على الكتب الدينية، ويكون لها الحق في تحديد دور العبادة المسموح بالذهاب إليها. ومؤخرًا في مايو(آيار) الماضي طرحت ذات الإدارة -إدارة رحمانوف- استفتاءً شعبيًا يحظر قيام الأحزاب على أسس دينية، في ضربة قاضية لحزب النهضة الإسلامي والذي بات أعضاؤه ما بين سجين وهارب، حتى إن زعيم الحزب محيي الدين كبيري، هرب من البلاد في أعقاب انتخابات مارس(آذار) لعام 2015م، والتي أُقصي فيها حزبه بشبهة التزوير، وهو يقيم اليوم في تركيا، بعيدًا عن أيدي سلطات رحمانوف.

وفي ذات الإطار الإقصائي، أصدر البرلمان الطاجيكي عام 2011م، قانونًا بإيعاز من الرئيس رحمانوف، يمنع بموجبه الشباب دون سن الثامنة عشر من ارتياد المساجد.

ناهيك عن محابة مظاهر التدين التي باتت فجّة في تنافيها مع كل ما يمت للحريات بصلة، وكمثال عليها، فقد منع رحمانوف، الرئيس الطاجيكي، كافة مظاهر التدين التي كان يتخذها الناس قُربةً إلى الله وانتسابًا إلى دينهم، إذ تُمنع الصلاة إلا في المساجد، وتُمنع في أوقات العمل، ويمنع ارتداء الحجاب في أماكن العمل، والمصالح الحكومية، ويُحظر على النساء وضع صورهم بالحجاب على جوازات السفر الخاصة بهن. أما في أوزباكستان، فإن رجال الأمن موكلون بنزع الحجاب من أعلى رؤوس النساء، أما النقاب المغطي للوجه فقد اختفى أثره هناك قبل سنوات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد