تم توقيع اتفاق للسلام في شهر مارس الماضي بين الحكومة الفلبينية وجبهة تحرير مورو الإسلامية في العاصمة الماليزية كوالالمبور لتنتهي بذلك عقود من الصراع المسلح بين الجانبين.

ماذا نعرف عن الإسلام والمسلمين في الفلبين؟ وما طبيعة الصراع هناك؟

 

المسلمين في الفلبين

يبلغ إجمالي عدد المسلمين في الفلبين 13 مليون نسمة، يتركز أكثر من نصفهم في جزيرة ميندناو الجنوبية وحدها، وذلك من إجمالي عدد سكان الفلبين البالغ 100 مليون نسمة.

الإسلام هو أول ديانة سماوية تدخل أراضي الفلبين التي كانت على الوثنية، وقد أثر الإسلام في الفلبين بشكل واضح خصوصًا مع سرعة تقبل سكان الفلبين له قديمًا، حتى أصبح جزءًا من ثقافتهم رغم محاولات الطمس العديدة.

وصول الإسلام

في عام 1310م وصل دعاة العرب المسلمين إلى جزر “مانبولاس”، والتي يبلغ عددها 7000 جزيرة منها 2000 جزيرة مأهولة بالسكان، قادمين من منطقة حضر موت اليمنية. وصول هؤلاء الدعاة حول غالبية السكان من الوثنية لاعتناق الإسلام، وتحول اسم الجزر من “مانبولاس” إلى “عذراء ماليزيا”، في إشارة لتأخر وصول الإسلام إليها، ولأن أغلب سكانها كانوا مالاويين فاعتبرها العرب جزءًا من ماليزيا.

من بين هذه الجزر كانت هناك جزيرة “لوزون” الشمالية، وهي أكبر جزيرة، والتي تبلغ مساحتها 150 ألف كيلومتر مربع، وكانت إحدى أكبر الإمارات الإسلامية في المنطقة، وكانت عاصمتها هي مدينة “أمان الله”، والتي تحولت إلى “مانيلا” في أعقاب الاستعمار الإسباني.

ثاني أكبر جزيرة هي جزيرة “ميندناو” الجنوبية التي تبلغ مساحتها 140 ألف كيلومتر مربع، وهي كانت وما تزال من أكثر الجزر كثافةً بالمسلمين، والذين يطلق عليهم شعب مورو.


 

بداية الصراع

مع سقوط الأندلس عام 1492م تراجعت هيبة المسلمين بشدة، وبدأت سلسلة من الحملات الاستعمارية على جزر “عذراء ماليزيا” لتصل طلائع القوات الإسبانية إلى الجزر عام 1521م بقيادة المستكشف الشهير ماجلان. وبعدما سقطت الجزر في قبضة الإسبان حولوا اسمها إلى جزر “الفلبين”، وذلك نسبة للملك الإسباني “فيليب الثاني” ملك إسبانيا في ذلك الوقت.

مع سقوط الجزر في قبضة الإسبان اضطر العديد من السكان للتنصر، ومن كان يرفض منهم كان مصيره الموت (مثلما فعل الإسبان في مسلمي الأندلس)، لتصبح المسيحية الكاثوليكية هي الدين الغالب على الجزر. ومن بين الفظائع التي ارتكبت كان حرق مدينة “أمان الله” وتدميرها بالكامل، ثم تم إعادة بنائها دون ترك أي من معالمها الإسلامية، لتصبح مدينة “مانيلا” عاصمة الفلبين حاليًا.

وجدير بالذكر أن المقاومة الإسلامية في هذه الجزر تمكنت من قتل قائد الإسبان ماجيلان في إحدى المعارك، لكن التفوق الإسباني ظل مهيمنًا.

عندما وصل الإسبان إلى جزيرة “ميندناو” الجنوبية انتفض سكانها الكثيرون ضد هذا الغزو، لتتكون مقاومة إسلامية شرسة ألحقت خسائر فادحة بالإسبان وأجبرتهم على التراجع والانسحاب من الجزيرة.

ونتيجة للمقاومة الشرسة ولحرب الإسبان مع الأمريكان، فقد قامت إسبانيا بتسليم جزر الفلبين (عدا ميندناو الجنوبية لعدم احتلالها من قبل الإسبان) بمبلغ 20 مليون دولار، وذلك عام 1898م، لتبدأ فترة الاحتلال الأمريكي حتى عام 1941م.

في نفس عام تسليم الفلبين للأمريكان اندلعت ثورة عارمة من قبل شعب مورو في ميندناو الجنوبية؛ رفضًا لضم جزيرتهم إلى باقي جزر الفلبين، لكن الاستعمار الأمريكي قمع هذه الثورة على مدار 4 سنوات بمنتهى القوة، فيعمل الأمريكان بعدها على نشر الجهل ومصادرة أراضي المسلمين بالجزيرة، وبث الفتن بين المسلمين في الجزر المختلفة، حتى يتفرق المسلمون بعدها وتسقط كافة الجزر بلا استثناء في قبضة الأمريكان.

عام 1941م، وخلال الحرب العالمية الثانية طردت القوات اليابانية الأمريكان من جزر الفلبين، لكن مع هزيمة اليابانيين في الحرب والمقاومة الشرسة تم منح الفلبين الاستقلال عام 1946م إثر اتفاقية بين اليابانيين والأمريكان، والتي تم بموجبها ضم جزيرة ميندناو الجنوبية إلى باقي الأراضي الفلبينية.

ما بعد الاستقلال

الحكومات المتعاقبة للفلبين قامت بمعاملة المسلمين مثلما كان يعاملهم الاحتلال؛ مما تسبب في نشأة مقاومة شعبية عسكرية كبيرة في جزيرة ميندناو الجنوبية نتيجة للقمع السياسي ونهب ثروات شعب مورو ومصادرة أراضيه.

في المقابل تكونت حركات مسيحية تعمل على محاربة الحركات الإسلامية التي تعمل على استقلال الجزيرة. من أبرز تلك الحركات كانت حركة “إيلاغا” التي قام بتدعيمها سياسيون وأغنياء بهدف قتل المسلمين والاستيلاء على ممتلكاتهم، وبالفعل تم قتل الآلاف من المسلمين.

في عام 1972م، وخلال حكم الرئيس فرديناند ماركوس تم تطبيق الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية ضد المسلمين، وهو ما تسبب في زيادة تدهور العلاقة بين المسلمين والحكومة، خصوصًا مع وعد فرديناند لبابا الفاتيكان بتحويل الفلبين إلى دولة مسيحية كاثوليكية بالكامل. فرديناند ارتكب بالفعل مجازر مروعة بحق المسلمين من شعب مورو تسببت في هجرة الكثير منهم إلى خارج البلاد أو لمناطق فلبينية أخرى؛ بحثًا عن الأمان والعمل.

نتيجة لذلك توحدت قوى شعب مورو منذ عام 1972م، وبدأ “الجهاد العسكري” ضد الحكومة تحت قيادة “جبهة تحرير مورو الوطنية”، والتي كانت عبارة عن خليط من المسلمين المتدينين والعلمانيين.

المفاوضات

لجأت الحكومة الفلبينية للتفاوض ليقينها بعدم قدرتها على مجابهة شعب مورو عسكريًّا حتى تم التوصل لما يعرف باسم “اتفاق طرابلس” عام 1976م تحت رعاية منظمة المؤتمر الإسلامي والحكومة الليبية، والذي يمنح شعب مورو حكمًا ذاتيًّا. لكن البنود النهائية للاتفاقية خيبت آمال شعب مورو، وأفرغت الاتفاق من مضمونه.

هذا الاتفاق أدى لانشقاقات كبيرة في جبهة تحرير مورو الوطنية، حتى ينتهي الأمر بتأسيس “جبهة تحرير مورو الإسلامية” عام 1983م، وتستمر المعارك بين شعب مورو والحكومة الفلبينية، والتي تسببت في مقتل أكثر من 150 ألف مسلم منذ الاستقلال، بالإضافة لمئات الآلاف من الجرحى وملايين المهاجرين.

في عام 1997م، دخلت الحكومة في مفاوضات مع جبهة تحرير مورو الإسلامية استمرت طوال 16 عامًا، حتى تمكن الطرفان من الوصول إلى “اتفاقية إطارية” جديدة عام 2012م. هذه الاتفاقية جددت الآمال في انتهاء فترات الصراع المسلح في الفلبين.

جدير بالذكر أن الحكومة الفلبينية خرقت أكثر من مرة الهدنة بين الجانبين أثناء عمليات التفاوض، كان أبرزها عام 2003م عندما شنت القوات الفلبينية حربًا شاملة جديدة بدأت خلال صلاة عيد الأضحى.

اتفاقية بانجسامورو للسلام

منذ عام 1997م وحتى عام 2000م، كانت المفاوضات داخلية بين الحكومة وزعماء الجبهة، والتي تخللتها الكثير من الخروقات من قبل الحكومة الفلبينية، حتى رأت الجبهة أنه لا فائدة من التفاوض.

في عام 2001م، لجأت الحكومة الفلبينية إلى وساطة ماليزيا لإقناع الجبهة بالعودة للتفاوض، وهو ما قبلته الجبهة لكن بشرط أن تكون المفاوضات خارجية.

في عام 2012م، تم توقيع الاتفاق الإطاري بين الجانبين بالفعل في العاصمة الماليزية كوالالمبور، لتنتهي عقود من الصراعات شهدت مئات الآلاف من القتلى.

في يوم الخميس 27 مارس 2014م، وقع الرئيس الفلبيني بينينيو أكينو ورئيس جبهة تحرير مورو الإسلامية مراد إبراهيم اتفاق سلام نهائي يقضي بتشكيل منطقة مسلمة ذاتية الحكم بحلول عام 2016م.

تقضي الاتفاقية الجديدة بمنح شعب مورو حكمًا ذاتيًّا بصلاحيات واسعة في 5 محافظات يشكلون فيها الأغلبية كمسلمين.

تقضي الاتفاقية بصياغة دستور خاص بولاية “بانجسامورو” وهي اسم المنطقة ذاتية الحكم، يتم عرضه في استفتاء على سكان المنطقة.

تشمل الاتفاقية وجود نظام انتخابي مستقل ووزارات مستقلة عن الحكومة المركزية في الفلبين، كما تتمتع حكومة بانجسامورو بصلاحية إبرام اتفاقيات اقتصادية داخلية وخارجية. كما ستملك حكومة المنطقة الذاتية أيضًا سلطات حصرية في مجال العدل والقضاء الشرعي. وسيكون لحكومة بانجسامورو الحق في فرض الضرائب والرسوم، وتلقي المنح والتبرعات من مصادر محلية وخارجية.

وسيكون لها حصة عادلة في الموارد الطبيعية المستخرجة ضمن منطقة الحكم الذاتي.

وستشمل السلطات المشتركة مع الحكومة المركزية كل من مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية والتجارة العالمية والسياسة المالية والهجرة والخدمات البريدية.

في المقابل فإن الاتفاقية تشمل تعهد جبهة تحرير مورو الإسلامية بإلقاء السلاح بعد الحصول على الحكم الذاتي.

تخوفات

في تصريحات لموقع الجزيرة نت قال أحد أبرز قياديي جبهة تحرير مورو الإسلامية ورئيس دائرة التفاوض بالجبهة “مهاجر إقبال” إنه رغم توقيع الاتفاق والإيجابيات التي تحيط به، لكنهم لا يثقون كثيرًا بالحكومة الفلبينية.

السبب في ذلك يرجع لأن الدستور الأساسي الذي كتبته الجبهة والخاص بمناطق الحكم الذاتي للمسلمين ما يزال محل نقاش في البرلمان الفلبيني، ورغم أن شعب مورو يرغب بهذا الدستور إلا أن المحكمة الدستورية العليا في الفلبين قد تقول إنه يخالف دستور البلاد.

من هنا فإن جبهة تحرير مورو تقول إنها تعمل وفق مبادرة تقضي بألا تتخلى عن سلاحها إلا بعد الحصول على البديل المناسب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد