يقصد بمناطق جنوب الصحراء الإفريقية هي تلك الدول التي تقع جنوب دول الشمال الإفريقي، وتشمل في الأساس جميع الدول الإفريقية عدا مصر والسودان وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

يعيش المسلمون في مناطق جنوب الصحراء الكبرى الإفريقية واقعًا مؤلمًا ما بين الاضطهاد والقتل والتفرقة على أساس ديني. ولعل السبب التاريخي لهذه المآسي يعود إلى الاستعمار الأوروبي للقارة الإفريقية. وقبل أن تغادر القوى الاستعمارية القارة، لجأت إلى تقسيم المناطق الخاضعة لها إلى دول غير متجانسة، بحيث ضمت كل دولة أعراقًا وقبائل وديانات مختلفة.

وبدأت القوى في بث روح الخلافات بين هذه المجموعات المتباينة، خصوصًا فيما يتعلق بتقسيم السلطة والثروة فيما بينها.

القرن العشرون


منذ بداية القرن العشرين تغير المشهد الديني في مناطق جنوب الصحراء الكبرى بشكل يمكن وصفه بالدرامي. فحتى عام 1900 كان كل من المسلمين والمسيحيين يشكلون أقلية صغيرة نسبيًّا، وكان غالبية الأفارقة في هذه المناطق يمارسون الديانات الإفريقية التقليدية ذات الطبيعة الوثنية. عدد المسلمين والمسيحيين في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز ربع إجمالي عدد السكان وفقًا لتقارير قاعدة البيانات الدينية العالمية.

بعد ذلك زاد عدد المسلمين بشكل كبير جدًّا ليتضاعف العدد بمقدار 20 ضعفًا تقريبًا. عام 1900 كان عدد المسلمين 11 مليونًا، وفي عام 2010 وصل العدد إلى 234 مليون مسلم. لكن في المقابل زاد عدد المسيحيين في نفس الفترة بمقدار 70 ضعفًا تقريبًا. عام 1900 كان عدد المسيحيين حوالي 7 مليون نسمة، وفي عام 2010 أصبح العدد 470 مليونًا.

حاليًا فإن عدد المسلمين في مناطق جنوب الصحراء الكبرى يمثلون 15% من إجمالي عدد المسلمين حول العالم، بينما يمثل المسيحيون جنوب الصحراء حوالي 21% من إجمالي عدد المسيحيين في العالم.

الجماعات والشعوب


الناظر إلى مظاهر العنف في مناطق جنوب الصحراء خصوصًا عمليات التفجير والقتال سيلاحظ لأول وهلة أن طبيعة الصراع في هذه المناطق هو صراع ديني شامل بين المسيحيين والمسلمين. لكن البعض ينظر إلى الأمر من زاوية مخالفة ويرى أن الدين ليس هو السبب الحقيقي وراء الصراع. فالقادة الدينيون والحركات الدينية في هذه المناطق يمثلون قوة أساسية في المجتمع المدني كما أنهم المورد الرئيسي لعمليات الإغاثة والتنمية ومساعدة المحتاجين، خصوصًا في ظل انهيار الخدمات الحكومية في كثير من المناطق.

قام معهد “بو” للأبحاث من قبل بعمل استطلاع للرأي شمل حوالي 25 ألف مقابلة وجهًا لوجه بأكثر من 60 لغة في 19 دولة، تمثل هذه الدول 75% من إجمالي سكان مناطق جنوب الصحراء. الاستطلاع غير بعض المفاهيم التي كان الكثيرون يعتقدون من أن الأفارقة يتميزون بنقص في التسامح تجاه أصحاب الديانات الأخرى. الاستطلاع أوضح أن الأفارقة متدينون ومحافظون بطبعهم لكنهم يتقبلون أيضًا أصحاب الديانات الأخرى.

العديد من الأفارقة يتميزون بأنهم ملتزمون بشعائر الدين الإسلامي بجانب استمرارهم في ممارسة بعض التقاليد الإفريقية القديمة. الكثير من المسلمين يؤيدون الديموقراطية ويرون أنها أمر جيد لأصحاب الديانات الأخرى ليمارسوا شعائر دينهم بحرية. وفي نفس الوقت فإن غالبية المسلمين يؤيدون جعل الشريعة الإسلامية هي القانون الرسمي للبلاد. بشكل عام فإن المسلمين لا يكنون أي أحقاد عميقة لأصحاب الديانات الأخرى لكنهم يصبحون غاضبين بالتأكيد عند الانتقاص من حقوقهم أو التمييز في المعاملة بينهم وبين أصحاب الديانات الأخرى.

وتعرض المسلمون في فترة القرن العشرين لعديد من الاضطهادات التي وصلت إلى حد الإبادة الجماعية في بعض المناطق نتيجة أغراض سياسية واقتصادية معينة، وعبر تحفيز مستمر من القوى الاستعمارية التي ما يزال لها نفوذ كبير في هذه الدول.

إفريقيا الوسطى


تبلغ نسبة المسلمين في إفريقيا الوسطى ما بين 2025% من إجمالي السكان. النسبة الأكبر منهم توجد في شمال البلاد قرب الحدود مع تشاد والسودان. في المقابل تبلغ نسبة المسيحيين ما بين 4550% من إجمالي السكان.

في الفترة بين 1889– 1959 كانت إفريقيا الوسطى مستعمرة فرنسية، وبعد الاستقلال جرى العرف أن يكون رئيس الدولة من المسيحيين. قامت الحكومة باستعمال المبدأ الاستعماري الشهير “فرق تسد” مع المسلمين؛ فبثت روح الخلافات بين أكبر قبيلتين مسلمتين في البلاد، ليشتعل صراع دموي خلف آلاف القتلى. توصلت القبيلتان إلى اتفاق لوقف النار وبدآ في التوحد ضد الحكومة التي صبا جام غضبهما عليها.

بداية الصراع الكبير تعود إلى عام 2008 عندما قام الرئيس بوزيزيه بدفع قوات جيشه للاعتداء على ممتلكات المسلمين وسط مجازر عديدة وتراجع عن تنفيذ وعوده السابقة للمسلمين. أرسلت تشاد تحذيرًا ضمنيًّا للحكومة لكن الأخيرة لم تستجب فقامت القوات التشادية التي تحمي المنشآت الحيوية وقصر الحكم بالخروج من إفريقيا الوسطى تاركة المجال للمعارضة المسلحة ذات الغالبية المسلمة بالاستيلاء على العاصمة، لكن تم التوصل لاتفاق يقضي بجعل رئيس المعارضة على رأس الحكومة. ومن بين بنود هذه الاتفاقية كان المتعلق بأن الإسلام ستكون له مكانة حقيقية بين الأديان المعترف بها داخل الدولة.

لم تفِ الحكومة بالاتفاقية لتتشكل حركة “سيليكا” المعارضة وتطيح بالرئيس بوزيزيه ويصبح قائد الحركة المسلم أول رئيس مسلم لإفريقيا الوسطى. بدأت فرنسا تقود مؤامرات للتخلص من الرئيس الجديد لتتدخل فرنسا عسكريًّا ويتم الإطاحة بالرئيس الجديد ويبدأ صراع دموي كبير ضد المسلمين في أنحاء البلاد.

يذكر أن القبائل المسلمة كانت تتميز بامتلاكها ثروات اقتصادية كبيرة، ومكانة كبيرة داخل الدولة.

لتفاصيل أكثر تابع هذا التقرير.

مالي


العلاقات بين الأغلبية المسلمة في مالي، وبين الأقلية المسيحية بشكل عام تتميز بأنها مستقرة، حتى أنه من الشائع نسبيًّا العثور على معتنقي ديانات متنوعة داخل العائلة الواحدة. والدستور في مالي ينص أيضًا على حرية التدين ولا يسمح بأي شكل من أشكال العنصرية.

في عام 2011، عاد الآلاف من المقاتلين الطوارق من الحرب في ليبيا بعدما شاركوا في إسقاط نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي إلى مالي. كان هؤلاء يملكون الكثير من السلاح الذي غنموه في ليبيا ليبدؤوا الاستعداد لإقامة دولة جديدة لهم في إقليم أزواد شمال مالي. بدأ هؤلاء يتحدون مع مجموعات أخرى بالإقليم ليشنوا عام 2012 هجمات على الجيش المالي، وفي أبريل 2012 أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد عن استقلال الإقليم عن مالي.

قامت الحكومة المالية بالاستعانة بفرنسا من أجل استعادة السيطرة على المناطق المستقلة. في يوم 11 يناير 2013، تدخلت فرنسا عسكريًّا ضد الانفصاليين ليتمكنوا بالفعل من استعادة المناطق المستقلة جميعها.

جدير بالذكر أن التدخل العسكري الفرنسي جاء لأغراض تتمثل في حماية مصالحها السياسية والاقتصادية، خصوصًا وأن مالي من الدول الغنية بالنفط والثروات المعدنية. وهو التدخل الذي قابله العديد من المسلمين في مالي بالارتياب نظرًا للتاريخ الاستعماري الطويل لفرنسا في إفريقيا.

نيجيريا

يشكل المسلمون في نيجيريا نصف عدد السكان ويتركزون في مناطق شمال البلاد. دخل الإسلام إلى نيجيريا في وقت مبكر من القرن التاسع الميلادي عبر جنوب الصحراء الكبرى نتيجة حركة التجار المسلمين.

نشب صراع طائفي في نيجيريا بين المسلمين والمسيحيين مع نهاية فترة حكم الديكتاتورية العسكرية عام 1999. هذا الصراع يهدأ أحيانًا ويتمدد أحيانًا لكنه لا يتوقف أبدًا.

الصراع في نيجيريا متركز بين طائفتي “بيروم” المسيحية، و”الفولاني المسلمة” وتتبادل هاتان الطائفتان دور الضحية والجلاد باستمرار. الصراع ناشئ في الأساس نتيجة لمطالب اجتماعية وثقافية واقتصادية يتمثل أبرزها في الصراع على امتلاك الأراضي. فقد تم اعتبار طائفة بيروم هي الطائفة الأصلية في بعض المناطق رغم تواجد الفولاني في نفس المناطق قبلها بفترات طويلة.

دخل هذا الصراع منحنى جديدًا مع نشأة جماعة بوكو حرام عام 2002 كرد فعل على اضطهاد الحكومة للفولاني المسلمين. بوكو حرام هي جماعة تنتمي للفكر السلفي الجهادي والتي تعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع ولايات نيجيريا. عرف عن هذه الجماعة رفضها الاندماج مع السكان المحليين، ورفضها للثقافة الغربية والتعليم الغربي.

عام 2009، بدأت الجماعة في تسليح نفسها لتقوم الشرطة بإلقاء القبض على عدد من قادتها. هنا اندلعت اشتباكات مميتة بين الطرفين وانتشرت صور لعمليات قتل جماعي تقوم بها الشرطة النيجيرية. وفي شهر مارس الماضي تطورت الأوضاع عندما أعلنت بوكو حرام مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية وتغيير اسمها لولاية غرب إفريقيا، حيث بدأت الجماعة في شن عمليات انتحارية مستمرة في عدة مناطق وتوسعت لتدخل إلى حدود بعض الدول المجاورة مثل النيجر.

أنغولا

يبلغ عدد المسلمين 90 ألفًا من إجمالي 18 مليون نسمة. لهذا فلم يتم الاعتراف بالإسلام كديانة رسمية في دستور البلاد. وكشفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن عمليات تضييق وتمييز يتعرض لها المسلمون في أنغولا من بينها إغلاق المساجد، والربط بين المسلمين والإرهاب بشكل دائم في وسائل الإعلام.

هذا الأمر أكده تصريح وزيرة الثقافة الأنغولية بمنع المسلمين من ممارسة شعائر الإسلام على أرض أنغولا لأنها تنظر للإسلام على أنه طائفة وليس دينًا. وقامت الحكومة بهدم بعض المساجد، ثم أعلنت حظر الإسلام عام 2013.

لتفاصيل أكثر تابع هذا التقرير.

مالاوي


يبلغ إجمالي عدد السكان في مالاوي حوالي 15 مليون نسمة، 20% منهم مسلمون طبقًا لما تقوله منظمات وجمعيات إسلامية. لكن في السجلات الحكومية الرسمية لا تبلغ نسبة المسلمين أكثر من 12%.

لا يتم تدريس الدروس الدينية في المدارس لأن نسبة المسلمين صغيرة طبقًا لما تقوله السجلات الحكومية، ورفضت الحكومة جميع الطلبات الخاصة بذلك بذريعة أن عدد المسلمين غير كافٍ. المسلمون في مالاوي يؤكدون أن أعدادهم أضعاف ما تذكره الحكومة وتصل إلى حوالي 40% من إجمالي السكان.

تشير تقارير إلى معاناة المسلمين من اضطهاد واضح وتفرقة عنصرية في المعاملة بينهم وبين الغالبية المسيحية التي تملك الحكم. ومن بين أبرز المشاكل التي يتعرض لها المسلمون هناك هي مشكلة التعليم، حيث إن نسبة الأمية بين المسلمين تصل إلى 70%، بينما نسبتها في الدولة بشكل عام تصل إلى 42% فقط.

إثيوبيا

يعاني المسلمون في إثيوبيا من عمليات تهميش وحجب للحرية. في بدايات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين شهدت إثيوبيا مظاهرات كبيرة للمسلمين اعتراضًا على سياسات الحكومة تجاههم، ولقيام قوات الأمن باعتقال شخصيات تنتمي إلى لجنة أوكلت إليها مهمة تقييم مطالب المسلمين في البلاد. وخلال هذه التظاهرات رصدت بعض المنظمات قيام قوات الأمن بفتح النار على المتظاهرين في بعض المناطق.

تختلف المصادر حول تحديد العدد الحقيقي للمسلمين هناك، فوفقًا للتعداد الرسمي الحكومي فإن المسلمين يشكلون 34% من إجمالي سكان، بينما تشير مصادر إسلامية إلى أن العدد لا يقل عن نسبة 45% من إجمالي السكان. وذهبت بعض التقارير إلى أن نسبة المسلمين تصل إلى 55– 65% من إجمالي السكان.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد