بالرغم من التفوق النسبي العام للحضارة الإسلامية، والدول والمجتمعات المسلمة، بالمقارنة بنظائرها في الشرق والغرب طوال القرون العشرة الهجرية الأولى، فإن التاريخ الإسلامي في تلك القرون قد شهد تذبذبًا كبيرًا بين فترات الصعود والهبوط، حتى وصل الأمر في بعض فترات الانحدار إلى سقوط أقطارٍ إسلامية عديدة، ومنها أقاليم كبرى ومحورية، في قبضة الأعداء، وخضوع ملايين المسلمين لحكم هؤلاء الخصوم، ومنهم من كانوا يحملون أحقادًا كبرى ضد الإسلام، بفعل التعصب العقائدي، وصراعات الحروب والسياسة، والتنازع الاقتصادي على خطوط التجارة والثروة وغيرها. 

سقطت في العصور الوسطى أقطارٌ إسلامية مختلفة، من أواسط آسيا شرقًا حيث طوى السيل المغولي الزمان والمكان، إلى الأندلس غربًا، حيث الملحمة التي ما تزال مراثيها حاضرةً في وعينا ووجداننا، وليس انتهاء بما شهده الشام وفلسطين في مائتيْ عامٍ من الاحتلال الصليبي. في السطور التالية سنعرض بعض النماذج من أحوال المسلمين في تلك الأزمنة تحت وطأة الاحتلال.

عبد الرحمن المستظهر.. الأموي الذي أجهض تجربة «التحول الديمقراطي» في الأندلس

الأندلس.. «لمثلِ هذا يذوبُ القلبُ من كمدٍ»

«ومن الأسف أن الرواية الإسلامية لم تخص تاريخ الأمة الأندلسية بعد سقوط غرناطة بكثير من عنايتها، ولم ينته إلينا عن تلك المأساة سوى رسائل وشذور يسيرة، بل لم ينته إلينا سوى القليل عن مراحل التاريخ الأندلسي الأخيرة قبل سقوط غرناطة». * د. محمد عبد الله عنان «دولة الإسلام في الأندلس».

كانت ملاحم مسلمي الأندلس بعد سقوطها، هي الأشهر، ويعرف أكثرنا المصير النهائي الذي أذاب الوجود الإسلامي في الأندلس قتلًا ونفيًا وتنصيرًا، في العقود التالية لسقوط غرناطة عام 897 هـ/1492م، والتي كانت آخر معاقل المسلمين في الجزيرة. لكن يجهل أكثرنا الكثير من تفاصيل حال المسلمين في زمن السقوط، وكذلك نعاني من شحٍّ في المصادر الإسلامية التي تصف تفاصيل حياة المجتمع الإسلامي تحت الحكم الإسباني.

ولعل أبرز أسباب هذا الفقر المعلوماتي هو الإرهاب الفكري والسياسي والأمني للسلطات الإسبانية، والتي كانت تفتش البيوت، وتصادر أية مصاحف أو مخطوطاتٍ عربية، بل وتمنع مجرد استخدام اللسان العربي في الحوارات العادية في المنازل، وفي أيِّ عملٍ ثقافي أو أكاديمي. يُضاف إلى ذلك حالة التفسخ الفكري والثقافي التي تفاقمت تدريجيًا في أوساط المسلمين مع مرور الشهور والسنين.

تتحدث المصادر المتوافرة عن حالة كبيرة من النزوح لمسلمي الأندلس على مدار مراحل انهيار الأندلس، خاصة بعد سقوط غرناطة مباشرة، حيث هاجر الآلاف منهم بإرادتهم بادئ ذي بدء، إلى مدن المغرب المقابلة، فرارًا بدينهم وحياتهم، لعدم ثقته في الوعود الأولى للغزاة الإسبان باحترام حقوق المسلمين، فمثلا هاجر أهل الجزيرة الخضراء إلى طنجة، وأهل ألمرية إلى تلمسان … إلخ. لكن حالة النزوح الأندلسي بدأت قبل قرون، مع بدء عصور الضعف زمن ملوك الطوائف، عندما بدأت المدن والقلاع الإسلامية تتساقط على الثغور، فكان غالبية سكانها المسلمين يرتحلون طوعًا وكرهًا، إلى المدن الإسلامية الباقية جنوبًا، حفاظًا على أرواحهم وثقافتهم.

«ولكن الرواية الإسبانية تتأثر دائمًا بالعوامل القومية والدينية إلى أبعد حد، وتنظر دائمًا إلى تلك الأعمال المروعة التي كانت ترتكبها محاكم التحقيق باسم الدين، وإلى تلك الوسائل البربرية، التي اتخذت لتشريد العرب المتنصِّرين وإبادتهم، بعين الكبرياء والرضى، وترى فيها نوعًا من الإنقاذ القومي، وتطهيرًا للدين والوطن من آثار الإسلام الأخيرة. وهي تحيط هذه المرحلة من تاريخ إسبانيا، بكثير من القصص والأساطير الحماسية، التي تشيد بظفر إسبانيا» * د. محمد عبد الله عنان «دولة الإسلام في الأندلس».

لكن رغم الطغيان الإسباني العام، فقد ظلّ الآلاف من المسلمين يسكنون بعض الحواضر الأندلسية الكبرى بعد سقوطها، مثل طليطلة، وسرقسطة، وبلنسية … إلخ لأجيالٍ متتابعة، مستفيدين من التفاوت النسبي في التعصب الديني، والإجراءات القمعية، من منطقة لأخرى، حيث كان بعض الولاة الإسبان، على غير رضا الكنيسة، وغلاة المسيحيين، يفضلون الإحسان إلى الرعايا المسلمين، وذلك لتشجيعهم على عدم الفرار إلى المدن الإسلامية، حفاظًا على الأنشطة المتميزة التي كان يبرع فيها الأندلسيون مثل الطب والصناعات والفنون.

وكان هؤلاء المسلمون يسموْن بـ«المدجَّنين»، وذلك لتأثرهم تدريجيًا بالمحيط غير العربي وغير الإسلامي، حتى بدأ الكثير من أجيالهم المتأخرة في الذوبان التام، والانسلاخ من الثقافة العربية الإسلامية، خاصة من تفشي التعصب المسيحي الذي كانت تُذكيه الكنسية الكاثوليكية، والتي كانت تحرض حكام إسبانيا دائمًا وأبدًا على تنصير المسلمين أو التخلص منهم.

تدريجيًا، وبينما لم تكن قد مرَّت سنواتٍ معدوداتٍ على سقوط غرناطة، نجح التعصب الكنسي في التضييق على المسلمين شيئًا فشيئًا، حيث أصدر الملكيْن الكاثوليكييْن لإسبانيا، فرناندو وإيزابيلا، مرسومًا عام 1501م، يؤكدان فيه أن مهمتهما المقدسة هي تطهير إسبانيا من الكفر، فأغلقت المساجد والكتاتيب، وصودرت آلاف المخطوطات العربية والإسلامية وأُحرِقَتْ، وحُظر على المسلمين تداولها. وتمثًّلت ذروة الاضطهاد في محاكم التحقيق «التفتيش» الكنسية، والتي راح ضحية أحكامها الجائرة بالقتل والصلب، آلافٌ مؤلفة من المسلمين واليهود وغيرهم ممن تمَّ رميهم بتهم الهرطقة والكُفر بالكاثوليكية.

وكما كان للعصا الدور الأبرز في مأساة مسلمي الأندلس، فقد كان للجزرة دورها أيضًا، مثلما حدث عام 1499م – بعد سقوط غرناطة بسنواتٍ سبع – عندما أمر الملك الإسباني فرناندو بجمع مشايخ وأعيان المسلمين، ووعد بإغداق العطايا عليهم إن تنصَّروا، وبالفعل سقط بعضهم أمام تلك المغريات.

وهكذا تحول مسلمو الأندلس مع الوقت إلى مُسمَّى «الموريسكيون»، أو «العرب المتنصِّرين»، والذين حاولوا لعشرات السنين أن يذودوا عمَّا تبقى من كينونتهم، وذلك بالثورات المتعاقبة ضد الحكم الإسباني المتعصب، ومحاولة الاستنجاد بالعواصم الإسلامية في القسطنطينية والقاهرة وسواها، لكي ترسل جيوشها لتحرير الأندلس، أو على الأقل لاستنقاذ من تبقى من مسلمي الأندلس، وبالفعل أسهمت الأساطيل العثمانية، وبعض الأساطيل الإسلامية المستقلة في عمليات نقل آلاف الموريسكيين إلى الشواطئ المغاربية الإسلامية.

أما من تبقى في الأندلس، فقد تنصَّروا ظاهريًا، وإن مارس بعضهم الطقوس والعبادات الإسلامية خُفيةً، وبعيدًا عن العيون، وأُجبِروا على الصلاة في الكنائس، وممارسة الطقوس المسيحية، وكان من نتيجة هذا الإكراه، أن بدأت الأجيال اللاحقة في الذوبان في المحيط المسيحي، وتلاشت بقايا الثقافة العربية والإسلامية فيها.

في العصر الحديث، لا بد من الإشارة إلى الجهد العظيم الذي قامت به الروائية الراحلة القديرة رضوى عاشور، عندما قدَّمت مقطعًا رأسيًأ لأحوال مسلمي الأندلس تحت الاحتلال الإسباني، عبر ثلاثة أو أربعة أجيال متتابعة، في روايتها الشهيرة «ثلاثية غرناطة» والتي تبدأ أحداثها مباشرةً بعد سقوط غرناطة، وحتى التهجير الواسع للمسلمين إلى المغرب عقب فشل ثوراتهم المتتابعة ضد المحتلين.

 امتازت الرواية بإبداع استثنائي في الوصف الذي وصل بالكثير من القراء إلى حالة المعايشة، وكأنهم كانوا يقطنون في أحياء المسلمين المعزولة في غرناطة القديمة الخاضعة للإسبان، ويتلقّون قرارات المحتل التي تحاول انتزاعهم شيئًا فشيئًا من دينهم ولغتهم وكينونتهم، ويحاولون عبثًا مقاومتها بكل ما في أيديهم من قوة، بدأت تتبخر مع مرور عقود القمع والدم، وترسُّخ الطغيان على أنقاض البنيان والوجدان.

«أتعتقدون أن القشتاليين يحفظون عهودهم، وأن يكون لهذا الملك الظافر من الشهامة والكرم ما له من حسن الطالع؟ لشد ما تخطئون. إنهم جميعًا ظمئون إلى دمائنا، والموت خير ما تلقون منهم، إن ما ينتظركم شر الإهانات، والانتهاك والرق، ونهب منازلكم، واغتصاب نسائكم وبناتكم، وتدنيس مساجدكم، تنتظركم المحارق الملتهبة، لتجعل منكم حطامًا هشيمًا» * أحد فرسان غرناطة معترضًا على استسلام غرناطة لجيوش قشتالة الإسبانية عام 1492م.

صقلية.. الاستثناء المؤقت

على مدار أكثر من خمسة قرون، كان للوجود الإسلامي حضور بارز في تلك الجزيرة المحورية، التي تتوسط البحر المتوسط، وتقوم بدور القدم في الحذاء الإيطالي الشهير، وما تزال بقايا الآثار الإسلامية، والزخارف العربية، بل وبعض طرق الزراعة، وعادات الطعام، وكلماتٍ عديدة مشتقة من العربية في لهجة الصقليين، شاهدة حتى اليوم على المكون العربي الإسلامي الأصيل في جزيرة صقلية. 

أغار المسلمون على جزيرة صقلية لأول مرة في عهد الخليفة عثمان بن عفان، عام 31 هـ/652م، ثم تكرَّر الأمر في العصر الأموي عام 46هـ/667م، وكانت الجزيرة تخضع آنذاك لحكم البيزنطيين، ثم تكرَّرت غزواتٍ مشابهة في العصر العباسي، لكن دون سيطرة فعلية إسلامية على الجزيرة.

بدأ الفتح الإسلامي لصقلية عام 212 هـ/827م ، عندما غزاها جيش أسد بن الفرات، بأمر زيادة الله الأغلبي، حاكم تونس الإسلامية، مستغلًا الصراعات الداخلية بين الجنرالات البيزنطيين في صقلية، واستعانة بعضهم بالمسلمين ضد خصومهم. في السنوات والعقود التالية، توسّعت سيطرة المسلمين تدريجيًا على الجزيرة، لكن ظلت مناطق عدة خارجة عن سيطرتهم خاصةً في شرقي الجزيرة، بينما رضخت مناطق أخرى لدفع الجزية مقابل الحفاظ على استقلاليتها. استمرَّت هيمنة الأغالبة المسلمين على صقلية زهاء المائة عام.

عندما سيطر الفاطميون على الشمال الأفريقي، انطلقوا منه إلى غزو صقلية، والتي نصبوا عليها حكمًا إسلاميًا مواليًا لهم، تمثَّل في بني كلب، والذين ازدهرت الجزيرة في عهدهم كثيرًا، وتطورت الزراعة، وأنظمة الري، وأدخلت محاصيل جديدة من الأندلس والمغرب وغيرها، بل ما تزال حتى الآن بعض مناطق الحوض الذهبي حول مدينة باليرمو عاصمة صقلية، تروى بنفس الطريقة العربية منذ أكثر من ألف عام (شاهد من الدقيقة 13 إلى 17 من هذا الفيلم الوثائقي: آثار مسلمي صقلية).  

كذلك نشطت التجارة البحرية، وأصبح ميناء باليرمو حاضرة كبرى يقطنها أكثر من 300 ألف نسمة. واستمرَّ حكم الكلبيين أكثر من 100 عام، شكَّل خلالها المسلمون الغالبية العظمى من سكان الجزء الغربي من جزيرة صقلية.

لكن، شاعت الفوضى والاضطرابات في السنوات الأخيرة من حكم الكلبيين، مما فتح الأبواب على مصراعيها أمام الغزو النورماني، والذي اجتاح الجزيرة، ودمَّر العديد من حواضرها الإسلامية، ومن أهمها باليرمو عام 464 هـ/1072م. وترجع أصول النورمان إلى قبائل الفايكنج المحاربة التي كانت تستوطن شمالي أوروبا، واشتهرت بالسلب والنهب والقرصنة البحرية والغزو.

اعتنق هؤلاء المسيحية في القرن التاسع الميلادي، وشاع جلبهم باعتبارهم فرسانًا مرتزقة في الكثير من الحروب في القارة الأوروبية، ومنها شبه الجزيرة الإيطالية، والتي تكاثرت فيها أعداد النورمان، حتى أصبحوا القوة الأكبر فيها، فتنامت مطامعهم السياسية والحربية، وتكلَّلت بالاستيلاء على أجزاءٍ كبيرة من إيطاليا ومنها صقلية كما ذكرنا.

رغم العنف الواسع ضد مسلمي صقلية وحواضرهم، الذي شهده الغزو النورماني المسيحي، فإن فتراتٍ لاحقة من التسامح حفظت وجودًا مهمًا للمسلمين خاصة في باليرمو في القرنيْن التاليين للغزو النورماني، وقد كان هذا الوجود الإسلامي هامًا للحفاظ على الكثير من أوجه النشاط الزراعي والتجاري التي كان المسلمون يبرعون فيها، في تلك الجزيرة المزدهرة والتي امتلكت أهم الموانئ في غربي البحر المتوسط. وقد عُثر على بعض المخطوطات من العهد النورماني في صقلية، مُدوَّنٌ عليها بلغاتٍ أربع، هي اليونانية واللاتينية، والعربية، والعبرية.  

وكان من أبرز عصور التسامح النورماني في صقلية، عصر الملك روجر الثاني، والذي كان يظهر الكثير من الاحترام للثقافة العربية الإسلامية، وتراثها في الجزيرة. وكان من أبرز تجليات هذا العصر، الاحتفاءُ الكبير الذي حظي به عالم الجغرافيا الإسلامي الشهير الشريف الإدريسي، والذي ترجع أصوله إلى بربر الأندلس الحموديين، والذي استقرَّ في صقلية، وألف فيها أشهر كتاباته «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» والذي أودع فيه أول خريطة قريبة للحقيقة للعالم القديم، وقد أهدى الإدريسي كتابَه إلى روجر الثاني، حتى أطلق على الكتاب اسم «كتاب روجر».

أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، آل الحكم في صقلية إلى الجرمانيين، لكن منذ النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي (السابع الهجري)، تدهورت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية في الجزيرة، وكثرت الاضطرابات والحروب على السلطة والثروة، وشهد القرن التالي الطاعون الأسود الذي أباد الكثير من سكانها كحال الكثير من مناطق أوروبا والعالم، ثم فقدت الجزيرة استقلالها مطلع القرن الخامس عشر الميلادي/ التاسع الهجري، وأصبحت تابعة لمملكة أراجون الإسبانية التي ابتلعت الوجود الإسلامي في شرقي الأندلس وشمالها.

مع مرور تلك الأزمنة، وتفاقم التعصب ضد المسلمين، والضعف الكبير الذي شهدته الممالك الإسلامية المجاورة في المغرب والأندلس، أصبح الوجود الإسلامي في صقلية أكثر صعوبة، فبدأ بقايا المسلمين هناك في الهجرة العكسية من صقلية إلى الحواضر الإسلامية الأخرى على الشاطئ الآخر من البحر المتوسط، وهكذا ذاب الحضور الإسلامي البارز، بعد أكثر من خمسة قرون كان فيها ملء السمع والبصر في صقلية وجنوب إيطاليا، وبقيت آثار أطلاله الدارسة في صفحات التاريخ، ورحاب الآثار.

حجر بن عدي.. قصة أول معارض سياسي يُعدم في الإسلام

تحت رايات الصليبيين في الشام

من مجاهل أوروبا في العصور الوسطى، حيث فائضٌ لا نهائيٌ من الطغيان والفروق الطبقية الجنونية، والفقر والجهل والتعصب الديني، وكذلك الحماسة القتالية، ودرجات الفروسية، اندفعت الحملات الصليبية إلى قلب المشرق الإسلامي، الذي كان آنذاك رغم التقدم الحضاري والثقافي والاجتماعي، ثقبًا سياسيًا أسودَ، وفضاءً لصراعات وحروب زّبَد الأمراء والملوك، الذين قطعوا أجزاءَه إربًا إربًا، إلى دويلاتٍ ضعيفةٍ متناحرة.

لم يكد يمر العام الأول ٤٩٢ هـ/١٠٩٩م على الولوغ الصليبي في الشام، حتى كان برابرة أوروبا قد ارتكبوا على الأقل مذبحتيْن كبرييْن، أولاهما في أنطاكية التي دخلوها بعد حصار طويل، وأشهرهما مذبحة القدس، والتي استباحها الغزاة أيامًا، وجعلوا دماء سكانها مسلمين ويهودًا، ومسيحيين شرقيين، تصل إلى الركب، وطمسوا كل آثارها التي تخالفهم. ولتعويض النقص السكاني الكبير في المدينة، استقدم الصليبيون مئات الهجرات من أوروبا لاستعمار القدس وسواها.

في السنوات الخمسة عشرة التالية، ودونما مقاومةٍ تذكر تمدّد الصليبيون في كامل الساحل الشامي، من أنطاكية شمالًا، إلى مشارف عسقلان جنوبًا، مقيمين مملكة القدس الصليبية الكبرى، وإمارتيْ أنطاكية، وطرابلس. أما إمارة الرُّها الصليبية الداخلية، والتي كانت تحتل موقعًا حيويًا في شمالي الشام والعراق وجنوبي تركيا، فقد تأسست مبكرًا منذ العام الأول.

لم يكن بمقدور الصليبيين لأسباب اقتصادية بالأساس، إبادة سكان كل مدينة يستولون عليها، وإلا انهارت كل الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية، وبالتالي لن يستطيعوا جمع المكوس والضرائب، فسمحوا للكثير من السكان بالبقاء تحت الاحتلال الصليبي، مقابل عدم التمرد، والالتزامِ بدفع الضرائب.

يقدر بعض الباحثين أن عدد سكان مملكة القدس بعد أكثر من 50 عامًا من الاحتلال الصليبي، بلغ 600 ألف نسمة، منهم حوالي الربع فقط من المستوطنين الأوروبيين، بينما كانت غالبية السكان مناصفةً بين المسلمين، والمسيحيين الشرقيين، من أهل البلاد الأصليين، وكان يعاملهم المحتل -خاصة المسلمين- باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، ومشروع محتمل للثورة، وللتمرد، وللتعاون مع خصوم الصليبيين كالزنكيين، وكصلاح الدين الأيوبي.

في فترات الهدنة بين الصليبيين وخصومهم المسلمين، حيث يصبح المحتل أكثر طمأنينة، كانت أحوال الرعايا المسلمين تحت الحكم الصليبي تزدهر، حتى أن الرحالة الأندلسي ابن جبير عندما زار مملكة القدس الصليبية عام 1183م -قبل موقعة حطين الشهيرة بأربعة أعوام -، لاحظ أن أحوال بعض الرعايا المسلمين فيها، أفضل من أحوال المسلمين في بعض البلاد الإسلامية التي زارها. عمل الرعايا المسلمون بالتجارة، والطب، ومختلف الصناعات، وامتازت المجتمعات الريفية المسلمة بقدرٍ جيد من الاستقلالية، والخصوصية، وحرية التعبد، طالما التزموا بدفع الضرائب المفروضة عليهم.

من النماذج المميزة، والمثيرة للجدل في آنٍ، في ذلك الزمان، الفارس أسامة بن منقذ، والذي كان أهله حكام حصن شيزر بحمص، والذي عمل في بلاط معين الدين أنر حاكم دويلة دمشق، وكان أسامة رسوله إلى الصليبيين خاصة مملكة بيت المقدس، من أجل عقد الهدنة والاتفاقات.

استغل أسامة أوقات السلم العديدة مع الصليبيين، لكي يختلط بهم، ويتعرف إلى أحوالهم السياسية والاجتماعية والدينية عن قرب، ونقل الكثير من تلك المعارف في كتبه، خاصة «كتاب الاعتبار». انضم أسامة بن منقذ فيما بعد إلى معسكر السلطان العادل نور الدين محمود بن زنكي، وشهد جولات حربية عديدة ضد الصليبيين، أشهرها بطولاته أثناء حصار الصليبيين لمدينة عسقلان جنوبي فلسطين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد