شهدت فرنسا طوال العام سلسلة من الهجمات الدموية، التي نفذها متشددون إسلاميون من ذوي الأصول المهاجرة، وأودت بحياة المئات من المدنيين

شهدت فرنسا طوال العام الجاري سلسلة من الهجمات المُسلحة التي نفذها مُنتسبون لجماعات جهادية «مُتطرفة»؛ ما دفع السلطات الفرنسية مُؤخرًا إلى التفكير في «إعادة هيكلة الحقل الديني» في البلاد.

يأتي ذلك في محاولة لقطع الطريق أمام التوجهات الدينية المُتطرفة التي يرى النظام الفرنسي أنها سببٌ رئيس في ظهور مثل تلك الجماعات المُسلحة، التي تُهدد أمن البلاد بشكل واضح.

وكان رئيس الحكومة الفرنسية، «مانويل فالس»، قد صرّح في حوار له مع جريدة «لوموند الفرنسية»، قائلًا: إن «الوضع الفرنسي يتطلب التفكير في علاقة جديدة مع الشأن الإسلامي في البلاد»، مشيرًا إلى عزم الحكومة تطبيق إجراءين، الأول: تجميد مُؤقت للتمويل الأجنبي لبناء المساجد، والثاني: تكوين الأئمة في فرنسا.

وقف تمويل المساجد والمدراس الدينية

مباشرة بعد حادثة «ذبح كاهن كنيسة سانت إتيين»، خرج رئيس الحكومة الفرنسية، إلى الإعلام، معربًا عن رغبته في وقف تمويل المساجد، من الخارج، بشكل مؤقت.

وجاء قرار الحكومة الفرنسية تلبية لتوصيات تقرير برلماني، أعده البرلمان الفرنسي، عن المنظمات الإسلامية الناشطة في فرنسا، ومصادر تمويلها، إذ انتهى إلى أن المملكة المغربية هي أكثر الدول المنفقة على المساجد في فرنسا، بستة ملايين يورو منذ بداية 2016، ثم تبعتها في ذلك الجزائر وتركيا. فيما كشف التقرير عن أن «السعودية والكويت وقطر» يمولون بشكل كبير المدارس الدينية المتواجدة بفرنسا، والتي تتعاطى معها الجالية الإسلامية هناك.

وسبق للأجهزة الاستخبارات الفرنسية، وكذا العديد من الباحثين، أن طالبوا الحكومة الفرنسية بتجميد الأموال الأجنبية، الخاصة برعاية المساجد والمدارس الدينية، قبل أن يصادق البرلمان الفرنسي على تقرير يحث على وقف التمويل الخارجي لرعاية الشؤون الدينية لمسلمي فرنسا.


ويعلل التقرير البرلماني مطلبه، بهيمنة التأثير الخارجي على الحقل الديني بفرنسا، من خلال الأموال القادمة من دول أجنبية، تحاول تعزيز حضورها، عبر إنشاء الجمعيات الإسلامية التابعة لها وتعيين أئمة المساجد، وأعضاء المجالس الدينية وفق اختيارها.

وتكاد تجمع مكونات الدولة الفرنسية، من مؤسسات وأحزاب، على عدم ترك المجال مفتوح للتمويلات الأجنبية، التي تستهدف الشؤون الدينية لمسلمي فرنسا، دون مراقبة أو شفافية، وقد حث تقرير البرلمان الفرنسي على إنشاء مؤسسة خاصة بمراقبة الأموال المتدفقة من الخارج، بدلًا من الحظر الدائم للتمويل الأجنبي.

تكوين الأئمة بفرنسا

تسعى الحكومة الفرنسية، إلى التأسيس لما يسمى بـ«إسلام فرنسا»؛ لجعل تدين الجالية الإسلامية متوافقًا مع قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية، وفي هذا الشأن، تسعى الحكومة الفرنسية، وفق ما جاء على لسان «مانويل فالس»، إلى تكوين أئمة المساجد من داخل فرنسا، وإنهاء استقبال الأئمة من الخارج.

ويأتي هذا التوجه الجديد للحكومة الفرنسية، في ظل تنامي هيمنة المد السلفي على المساجد والمدارس الدينية لفرنسا، إذ تفيد أجهزة الأمن أن 90 مسجدًا، من أصل 2500، يقع تحت سيطرة السلفية.

وكانت صحيفة لوموند، قد أعدّت تحقيقًا حول الموضوع، كشفت فيه أن السلفيين يمارسون الضغط على المسلمين في مدينة مرسيليا، ويبسطون سيطرتهم على المساجد والمدارس الدينية. وقد أغلقت فرنسا عشرين مسجدًا بتهمة «التطرف» منذ حادث «شارلي إيبدو».

كما اعتبر رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، السلفية «تشددًا طائفيًا خارجًا عن القانون، ويستدعي على المسلمين الفرنسيين خوض معركة ضد هذه الأيديولوجيات المنحرفة».

وفي هذا الصدد، أعلنت الحكومة الفرنسية عن تأسيس منظمة «الأعمال الإسلامية» التي ستتكفل، بمراقبة تدريب أئمة مساجد فرنسا، وستقع تحت إدارة وزير الداخلية السابق «جان بيير شيفينما»، الذي اعترضت بعض الجهات الإسلامية على تعيينه بالمنظمة؛ لكونه غير مسلم.

ويبدو أن سياسة فرنسا الجديدة بوقف استقبال أئمة المساجد من الخارج، تنم عن عدم رضاها عن خطباء المساجد والأئمة القادمين من بلدان أجنبية، بما في ذلك المغرب، الذي كانت تعتبره مصدرًا مناسبا لـ«الإسلام الوسطي».

صعوبات في طريق «إسلام فرنسا»

بالرغم من عزم الدولة الفرنسية إعادة هيكلة الحقل الديني، عبر تجميد استقبال الأموال والأئمة، من الخارج، إلا أن هذه السياسة تواجه العديد من الإشكالات لتنفيذها على أرض الواقع.

لعل أبرز الحواجز المعيقة لتطبيق هذه السياسة هو القانون العلماني لفرنسا، المسجل منذ 1905، الذي بموجبه تتخذ الدولة موقفًا حياديًا أمام كل الانتماءات الدينية، بحيث لا تعترف الجمهورية بأية ديانة من الديانات ولا توظّفها ولا تدعمها؛ إذ ليس للدولة أي انتماء ديني، وكل المعابد الدينية متساوية أمام القانون.

وعليه فإنّ وقف التمويل الخارجي، يعني أن الدولة عليها أن تتكفل بدعم المساجد، الأمر الذي قد يُعتبر مخالفًا للقانون، وهو ما أكده الرئيس الفرنسي، «فرانسوا أولاند»، حين أعلنها قائلًا «لا يمكن للدولة أن تساهم في تمويل المساجد».

لا يسمح القانون الفرنسي أيضًا بالذهاب بعيدًا في عملية إعادة هيكلة الحقل الديني، التي تباشرها الدولة الفرنسية؛ وذلك لاعتبار علمانية الدولة، وحيادها تجاه الأديان، ولا تتدخل في بنائها الداخلي، وتكتفي بدفعها بعيدًا عن الحياة العامة.

من جهة أخرى، يعتمد نجاح سياسة الحكومة الفرنسية في تطهير الحقل الديني من التطرف، على مسلمي فرنسا أنفسهم، ومدى استعدادهم لتشكيل تدين متوافق مع قيم الجمهورية الفرنسية، بعيدًا عن التأثيرات الخارجية الآتية عبر الأموال والأفكار.

وتشهد فرنسا توترات اجتماعية خلال الفترة الأخيرة، بفعل سلسلة الاعتداءات الدموية، والتي اتهم منفذوها بـالتشدد الإسلامي، ما قاد الدولة الفرنسية إلى خوض نقاش موسع في البرلمان والإعلام؛ لتطهير البلد من التطرف، من خلال إجراءات تستهدف هيكلة الحقل الديني، بهدف، كما قال «مانويل فالس»، «فتح صفحة جديدة مع المسلمين».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد