هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

عصفت بمنطقة الشرق الأوسط في منتصف القرن الماضي حروب عسكرية وصراعات فكرية عديدة، فمنذ النكبة الفلسطينية عام 1948، وما تبعها من صعود للقوى القوميّة في كلٍ من مصر وسوريا والعراق، بدا لفيصل بن عبد العزيز، ملك السعودية آنذاك، وكأنّ مملكته على وشك دخول عزلة عن محيطها أو سينقض عليها الخصوم وتياراتهم الفكرية ما لم يتحرك فورًا.

وتحرك الملك فيصل سريعًا لتكوين جبهة تتصدى لمدّ التيار الناصري ورمزه الأول جمال عبد الناصر، فدعت السعودية للمؤتمر الأول للعالم الإسلامي في مايو (أيار) 1962 لبحث سبل التصدي للأفكار «العلمانية» في العالمين العربي والإسلامي.

وعقب المؤتمر أسست «رابطة العالم الإسلامي» وهدفها الأساسي نشر مبادئ الإسلام، وكان لها ثلاث مساحات عمل، واحدة منها حشد المسلمين لمنع قيام دولة إسرائيل.

وعيّن الملك فيصل آنذاك الأمير سلمان بن عبدالعزيز (ملك السعودية الحالي) لجمع التبرعات للفلسطينيين بعد حرب 1967، ثم في المؤتمر الإسلامي الثاني الذي عقد في 1972، أسس صندوق لتمويل «الحرب المقدسة» ضد إسرائيل، وأدان المؤتمر حينها احتلال إسرائيل لمدينة القدس.

ولكن هذا التقرير ليس عن التاريخ، فـ«الحرب المقدسة» لرابطة العالم الإسلامي انتهت اليوم، وتطلّ الرابطة في لباس جديد، لا في العالم الإسلامي، ولكن في مؤتمرات ترعاها جماعات الضغط المناصرة لإسرائيل في واشنطن.

محمد العيسى، الرئيس الحالي لرابطة العالم الإسلامي، يُبشّر مؤيدي السياسات الإسرائيلية ورعاتها بالتنوّع والانفتاح، ويُهمل تمامًا ذكر الفلسطينيين أو الحديث عن حقوقهم، بعد أن كانت القضية الفلسطينية هدفًا أساسيًا من أهداف تأسيس الرابطة.

يستعرض التقرير واقع رابطة العالم الإسلامي اليوم، الذي دشّنه تعيين الشيخ السعودي محمد العيسى من قبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نهاية عام 2016، ليلعب العيسى دورًا مهمًا في التقارب الثقافي والدبلوماسي الناعم مع إسرائيل والمنظمات المناصرة لها في الولايات المتحدة، بالإضافة للتيار الإنجيلي الأمريكي، رغمَ أن هذه الجهات عادةً ما تقدم الدعم الكامل لممارسات إسرائيل التي تحرم الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية في الحياة عدا الحرمان الكامل من الحقوق السياسية.

رابطة العالم الإسلامي في ضيافة اللوبي الإسرائيلي في واشنطن

وتكشف وثائق الرابطة أنها وقَّعت عقدًا في مايو 2018 مع لجنة شؤون العلاقات العامة السعودية الأمريكية «سابراك»، وهي مؤسسة ضغط سياسي سعودية يديرها السعودي سلمان الأنصاري، ولكن سابراك بدأت بتقديم خدماتها للرابطة قبل هذا التاريخ.

وقدمت سابراك بموجب العقد خدمات علاقات عامة ولوجستية للتنسيق لزيارة وفد رابطة العالم الإسلامي للولايات المتحدة، وتضمّنت هذه الرحلة زيارات لمتاحف يهودية، مع لقاءات بمؤسسات وشخصيات مناصرة لإسرائيل.

من أنشطة الرحلة، بتاريخ 25 أبريل (نيسان) 2018، زيارة الرابطة لمتحف الآثار اليهودية في نيويورك، بدعوة من «مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى»، وهي منظمة يهودية أمريكية مؤيدةٌ لإسرائيل وتدعم سياساتها بالكامل.

ونوقشت في اللقاءات قضايا «الهولوكوست وإدانة من ينكر وقوعها، والإسلام المعتدل، ومحاربة الإرهاب»، وبعدها بأسبوع نسقت سابراك اجتماعًا للعيسى ووفد الرابطة مع سام براونباك، السفير الأمريكي للحرية الدينية الدولية، المُتبني لتوجهات اليمين المتطرف في إسرائيل، ويرى ضرورة منح إسرائيل السيادة الكاملة على «الأراضي المتنازع عليها» مع «نقل» الفلسطينيين من هذه الأراضي، والمعنى العملي لهذا المقترح: طرد الفلسطينيين من الأراضي المتنازع عليها، بما في ذلك أجزاء من الضفة الغربية.

ونسّقت الرابطة لمؤتمر التواصل الحضاري الثاني، ليُعقد في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2018، ولتنسيقه وظّفت الرابطة شركة «ساوث فايف إستراتيجيز – Southfive Strategies»، ويدير الشركة جاسون إبستين، الذي عملَ سابقًا مديرًا للشؤون التشريعية في منظمة بناي بريث اليهودية الأمريكية، إحدى أعرق المؤسسات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة والعالم، وعمل إبستين كان للتنسيق بين هذه المنظمة والجهات التشريعية في أمريكا.

وظّف العيسى هذه الشركة قبل المؤتمر بخمسة أيام، لدعوة أبرز المؤسسات المؤيدة لإسرائيل وقادتها لحضور المؤتمر.

وافتتح العيسى كلمته في المؤتمر قائلًا:«أيّها الأخوة إنَّ كثيرًا من أسباب الصدام الحضاري تعود إلى أحداثٍ تاريخية عفى عليها الزمن»، وأمامه شخصيات دينية عربية مثل عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في أبو ظبي، وشوقي علّام، مفتي مصر.

وقبل يومين من انعقاد مؤتمر «التسامح» تفاقمت أزمة عالمية إثر جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، كان محورها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أشارت تحقيقات لـ«وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)» أنّه أمر بتنفيذها.

من وثائق رابطة العالم الإسلامي في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية، ويظهر في الصورة من أنشطتها تواصلٌ مع منظمات يهودية أمريكية وأخرى مناصرة لإسرائيل، لدعوتهم لحضور مؤتمر تنظّمه الرابطة. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

مناصرو إسرائيل يكرمون العيسى

في 27 فبراير (شباط) 2019، سجّلت الرابطة عقدًا مع شركة «كورفيز للتواصل – Qorvis Communications»، الشركة التي خدمت السعودية في واشنطن منذ هجمات سبتمبر 2001، لتقدم خدمات لوجيستية للعيسى في زياراته للولايات المتحدة، مع الترويج لأنشطته ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي.

وروجت كورفيز لزيارة العيسى مع وفدٍ من رابطة العالم الإسلامي لمعسكر أوشفيتز بيركينو النازي في بولندا، برفقة ديفيد هاريس، المدير التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية، وهي أيضًا من كبرى المنظمات المؤيدة لإسرائيل، ومن الجهات الأولى العاملة على التطبيع الثقافي والدبلوماسي بين الخليج العربي وإسرائيل.

ووزعت الشركة بيانًا صحافيًا لاتفاقية تعاون وقعتها الرابطة مع مؤسسة نداء الضمير اليهودية التي يقودها الحاخام اليهودي آرثر شناير، ووفقًا لوثائق شركة كورفيز على موقع وزارة العدل الأمريكية، بلغت المدفوعات منذ توقيع العقد إلى اليوم 750 ألف دولار.

Rabbi Marc Schneier and Head of the Muslim World League awarded the “Children of Abraham” award (photo credit: STEINREICH COMMUNICATIONS)

من احتفال منح الحاخام مارك شناير جائزة «أبناء إبراهيم» لمحمد العيسى، رئيس رابطة العالم الإسلامي. مصدر الصورة.

و«للتأكيد على رفض كل أشكال التطرف والكراهية»، استقبل العيسى وفدًا من القيادات الإنجيلية الأمريكية في مدينة جدة السعودية، يوم 11 سبتمبر 2019، في الذكرى الـ18 لهجمات سبتمبر، واتفق الطرفان على تعزيز «احترام الأديان وبناء الثقة المشتركة»، والتيار الإنجيلي من أهم التيارات السياسية المحافظة في الولايات المتحدة، ولها باعٌ طويل في تأييد إسرائيل وتوسعها.

وفي يونيو (حزيران) 2020 أهدى إلان كار، المبعوث الأمريكي الخاص لمراقبة ومحاربة معاداة السامية، جائزة «محاربة معاداة السامية» لمحمد العيسى «لرؤيته المميزة والتزامه لبدء فصل جديد». وكار ممن حاربوا في الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وخدم سابقًا في المجلس القومي في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، «أيباك»، ووالده مهاجر من العراق، وكار يتحدث العبرية والعربية.

محمد العيسى، رئيس رابطة العالم الإسلامي الحالي، يُبشّر مؤيدي السياسات الإسرائيلية ورعاتها بالتنوّع والانفتاح، ويُهمل تمامًا ذكر الفلسطينيين أو الحديث عن حقوقهم، بعد أن كانت القضية الفلسطينية هدفًا أساسيًا من أهداف تأسيس الرابطة.

هذه القصة جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد