في خطاب له أمام منتدى السياسة الجديدة الذي عُقد في برلين بالأمس، حيا ميخائيل جورباتشوف الحضور قائلاً إن انعقاد المؤتمر يأتي بالتزامن مع الذكرى الـ25 لسقوط حائط برلين الذي فصل بين ألمانيا وأوروبا، واصفًا الأمر بالحدث التاريخي الفارق.

قال جورباتشوف إن التحولات التاريخية المفاجئة قد تبدو بعد فترة من الزمن أمرًا حتميًّا. مضيفًّا أن عملية توحد شطري ألمانيا جرى بشكل سلمي وبسرعة كبيرة جدًّا، وقد كان ممكنًا بسبب وقوع تغيرات هائلة في السياسة الدولية وفي عقول الناس.

لقد بدأت تلك التغيرات بواسطة بيريسترويكا في الاتحاد السوفيتي بتطبيق إصلاحات وزيادة الحرية. ولم يكن من السهل منع دول وسط وشرق أوروبا من سلوك الطريق ذاته.

يقول جورباتشوف أنه عندما تطلع مواطنو شطري ألمانيا للإصلاحات ثم للوحدة، كان على السوفيت اتخاذ قرارات صعبة. لقد تزايدت الشكوك والمخاوف حول عملية التوحد، وهو أمر يمكن تفهمه، إذ أن مأساة الحرب العالمية الثانية كانت ما تزال حية في الأذهان.

في هذه الأثناء – يقول جورباتشوف – تسارعت وتيرة الأحداث، حيث طالب الشعب بالتغيير وأعلنوا رغبتهم العيش في وطن واحد.

يقول جورباتشوف إنه خلال اجتماع لقادة السوفيت في يناير 1990، جرى مناقشة تطور الوضع، وخلص القادة إلى أن على الاتحاد السوفيتي عدم الوقوف في طريق وحدة شطري ألمانيا، ولكن يجب أن يتم الأمر بما يضمن مصالح أوروبا ككل وألمانيا والاتحاد السوفيتي.

ولو أن الاتحاد السوفيتي اتخذ قرارًا مغايرًا، لأخذت الأحداث منعطفًا دراماتيكيًّا مختلفًا تمامًا، ولأدى استخدام القوة لوقوع أنهار من الدماء على نطاق واسع. لقد سلك الاتحاد السوفيتي سبيل الدبلوماسية النشطة والقرارات السياسية الضرورية. لكن كانت ثمة مشكلة وهي العضوية الموحدة لألمانيا في حلف الناتو.

يقول جورباتشوف إنه كان مؤيدًا لفكرة ألمانيا المحايدة، لكن الرئيس الأمريكي بوش الأب رد معترضًا “لماذا؟ هل تخشى الألمان؟ إذن يجب ضمهم إلى الناتو”. فرددت عليه “يبدو أنك أنت من يخشاهم”.

يوضح جورباتشوف أنهم وافقوا أخيرًا على ترك ألمانيا تقرر لنفسها أمر عضويتها في الحلف، ولكن يجب ضمان مصالح الاتحاد السوفيتي.

لقد كان توحيد ألمانيا خطوة رئيسة نحو إنهاء الحرب الباردة. لقد ظهرت أوروبا جديدة في أعقاب معاهدة باريس التي وقعتها أوروبا والولايات المتحدة وكندا. لقد بدا أن أوروبا هي مثال لنظام أمني مشترك صلب، وأنها أصبحت أحد القادة لحل الأزمات العالمية. لكن الأحداث أخذت منحى آخر.

لم تنجح أوروبا والسياسة الدولية في اختبار التجديد، وفي الأوضاع العالمية الجديدة التي تلت الحرب الباردة. يعترف جورباتشوف بأنه منذ نشأة المنتدى، لم يعقد اجتماع في مثل هذه البيئة المتوترة والمشحونة. ثمة أنهار من الدماء في أوروبا والشرق الأوسط على خلفية انهيار الحوار بين القوى العظمى حول الأزمات الكبرى. إن العالم على شفا حرب باردة جديدة بل إن البعض يقول إنه ربما تكون قد بدأت بالفعل.

يقول جورباتشوف إن الأمم المتحدة لم تطلع بأي دور رئيس في تلك الأزمات، إن عليها العمل بتصميم على تقييم الوضع وتطوير إطار للعمل المشترك.

يصف جورباتشوف ما حدث في الشهور القليلة السابقة بأنه انهيار في الثقة التي بنيت بالعمل المشترك على إنهاء الحرب الباردة، والتي بدونها لا يمكن تصور العلاقات الدولية. لكن انهيار الثقة لا يرتبط بالأحداث الأخيرة فقط، بل إن جذوره تعود لما جرى في تسعينيات القرن الماضي.

فبعد نهاية الحرب الباردة، وبدلاً من توجه أوروبا نحو بناء آليات ومؤسسات جديدة للأمن وعدم بناء السياسة الأوروبية على القوة، أعلنت الدول الغربية في إعلان لندن الخاص بإنشاء حلف الناتو انتصارها في الحرب الباردة.

إن أحداث الشهور الأخيرة هي تبعات للسياسات التي تفتقد البصيرة، التي اعتمدت على فرض الإرادة وتجاهل مصالح الآخر. تشمل قائمة مختصرة للأحداث: توسيع حلف الناتو وحرب يوغوسلافيا وخطة الدفاع الصاروخي وأزمات العراق وليبيا وسوريا. وأكثر من يعاني من تلك الأزمات هي أوروبا.

يتساءل جورباتشوف: “كيف نخرج من هذا المأزق؟” إن تجربة الثمانينيات تثبت أن ثمة مخرجًا. فوضع العالم حينها لم يكن أقل خطرًا. لكن الدول الكبرى تمكنت من تجاوز الخطر.

لقد حدث ذلك عبر استئناف الحوار ووقف الأفعال السلبية. كان الدافع وراء ذلك هو الإرادة السياسية وترتيب الأولويات. واليوم، لا بد أن تكون الأولوية هي لاستئناف الحوار واستماع كل طرف للآخر.

تعتبر اتفاقية مينسك لوقف إطلاق النار ووقف التدخل العسكري في أوكرانيا واتفاقية الغاز بين روسيا وأوروبا وأوكرانيا وتعليق تصعيد مستوى العقوبات المتبادلة أمثلة على ذلك.

يوضح جورباتشوف أن على روسيا والغرب تجاوز مرحلة تبادل الاتهامات والبحث عن نقطة تلاقٍ والإلغاء التدريجي للعقوبات، كما يمكن العمل المشترك على مساعدة أوكرانيا على تجاوز تبعات أزمتها.

يعتقد جورباتشوف صعوبة تحقيق هذه الأهداف على المدى القصير، ولكن يجب بذل الجهود في كل بنود أجندتهم المشتركة.

يحدد جورباتشوف أزمتين كبيرتين لهما أهمية كبرى. الأولى، معالجة المشكلات العالمية المتمثلة في الإرهاب والتطرف والفقر وعدم المساواة وتلوث البيئة وندرة الموارد وموجات الهجرة والأوبئة. الثانية هي ضمان أمن عموم أوروبا.

إن المشكلات السابقة يجمع بينها شيء واحد: أن أيًّا منها ليس له حلول عسكرية. وعليه، فإن الحلول السياسية الموضوعة لها غير فعالة أو لا تجاري سرعة تطورها. يقول جورباتشوف إنه يجب تدشين نموذج جديد يضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي والبيئي.

يعتقد جورباتشوف أن ضمان أمن أوروبا لا يتأتى عبر توسيع حلف الناتو أو عبر سياسة دفاع مشتركة للاتحاد الأوروبي، فنتائج ذلك لن تكون إيجابية، بل وربما يأتي بنتائج عكسية. لذا يجب وضع خطط لبناء نظام أمني شامل لكل أوروبا.

لا بد من بناء مؤسسات ترعى مصالح الجميع. ويجب الاعتراف بأن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي فشلت في ذلك. هل هذا يعني أنه يجب تفكيك المنظمة؟ يعتقد جورباتشوف أنه لا يجب ذلك. ولكن يجب إدخال إصلاحات جوهرية عليها.

لقد قدم اقتراح قبل سنوات يقضي بإنشاء مجلس أمن خاص بأوروبا. كما عرض ديمتري ميدفيديف إبان رئاسته لروسيا مبادرة تدعو لإنشاء آلية لدبلوماسية أوروبية وقائية وعمليات استشارة إلزامية في حالة حدوث تهديد لأمن أي طرف.

لماذا فشلت مثل هذه المقترحات؟ الملام بالطبع هم القادة. ولكن الجميع أخطأ بمن فيهم طبقة السياسيين ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. يجب التفكير في مبادرة غير حكومية لاستئناف بناء بيت أوروبي مشترك.

يقول جورباتشوف إنه دومًا ينظر إلى نفسه كشخص متفائل، لكن التفاؤل صعب في ظل الوضع الحالي. ومع ذلك، يجب علينا ألا نستسلم إلى الذعر واليأس أو إلى الجمود السلبي. فهذا يمكن أن يدخلنا في دوامة بدون مخرج. كما يجب تحويل تجربة الأشهر القليلة الماضية المريرة إلى رغبة في العودة إلى الحوار والتعاون.

يختتم جورباتشوف خطابه بالقول “هذا هو ندائي إلى قادتنا، وإلى كل واحد منا. دعونا نفكر ونقدم مقترحاتنا ونعمل معًا”.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد