وقفت أشاهد أنفاس أمّي الأخيرة. كان ثلاثتنا يحيطون بها – أنا وزوجي وأبي – في الغرفة التي صمّمناها خصيصًا من أجلها. كانت مستلقية في سرير طبّي مستأجر، بملاءاته القطنية ذات اللون البنّي. ظلّت أمي تتنفس هكذا ليومين كاملين. ما زلت أذكر صوت أنفاسها الخشن المتغرغر، أجاهد لتشبيهه فلا أستطيع. ربما كان أشبه بصوت سمكة تختنق، أو ميكروفون مشوّش، أو غزال يحتضر. لكن ككل هذه التشبيهات لا توفي الحقيقة حقها. صوت أمّي، ذات الستَين عامًا، وهي تموت من السرطان؛ ما زال عصيّا على الوصف.

كثيرًا ما يتسمّ حديث الناس حول الموت باللباقة ولطف التعبير. يستخدمون كلمات تخفّف وقع الفاجعة، مثل “الرحيل”. يتخبّطون في ضباب خسارتهم باحثين عن إجابات. يرون أثر أحبّتهم في كل شيء، ويرجون عودتهم. يشيرون إلى الطيور والفراشات ويقولون “هذه أمي”. يسمعون صوتًا من القبو فيفكّرون “ها هي أمّي”. لكنّي لا أفعل.

قال أبي عدّة مرات، منذ وفاة أمي قبل عامين؛ أن دفء الشمس على جبينه يشبه قبلة أمي. أرى شيئًا من السخرية في هذا، لأن أمي كانت من أشدّ المؤمنين باستعمال واقي الشمس. رغم هذا، أجد نفسي أنظر إلى الشمس، وأتساءل “هل أنتِ أمي حقًا؟”.

هكذا مرّت آخر أسابيعها في هذه الحياة: أعطيها جرعة الدواء، أدلّك يديها، أعدّ لها العشاء، أخرج لأتمشّى ساعة ثم أعيد الكرّة. كنت أنام، لكن أستيقظ بعدها بقليل لأحضّر المورفين، وأدوية القلق والاكتئاب، عساها تتوقّف عن العويل والنداءات المتكررة لي، أن ساعديني يا ابنتي!

قالت لنا الممرضة أننا الآن “في آخر النفق”، منغمسين في رغبات أمي الأخيرة وأهوائها المتقلبة، وآلامها المفاجئة التي لا يمكن توقعها أو التحكم بها.

ذات مرّة، راقصها أبي إلى باب دورة المياه، هنا أصابتها نوبة ذعر. “ماذا سيحدث لي بعد ذلك؟ّ!”.

ردّ أبي: “نحن نبلي بلاءً جيد”.

صحّحت أمي: “نحن نبلي بلاءً جيدًا”.

ما زالت روح أمي المحرّرة يقظة. لثلاثين عامًا عملت أمي كمحرّرة بدور النشر، حرّرت خلالها مئات الكتب. وكانت محرّرة حياتي التي شكّلت وعيي الأدبي. كنّا صديقين حميمين نقرأ أفكار بعضنا ونتحدث بالهاتف ثلاث مرّات يوميًا.

قبل أن تموت، قالت لي أمي أنّه لا يجب أن أرى جسدها بعد أن تموت. كانت قلقة من أن صورتها ستستبدل ذكرياتي الجميلة عنها، لم أصدقها. ظللت لعامين بعد أن ماتت عاجزة عن تذكر الساعات التي قضيناها سويًا نحضّر الهدايا لعيد الميلاد، ونزيّن شجرة أبي الطويلة. كل ما رأيته هو صورة الجسد الميت في رأسي.

كانت تحبّ الأعياد، وفكرة أنها ستموت جعلتها تحبّها أكثر وأكثر؟ اشترت لنا، في آخر عيد ميلاد حضرته معنا؛ الكثير والكثير من الملابس. ليس هذا من قبيل الماديّة، ولكن أمي أرادت أن تتأكد أننا سنشعر بالدفء في كل عيد سيمرّ علينا وهي بعيدة.

ليلة وفاتها، في أكتوبر من عام 2012، لم تكن مفاجئة. كانت أمي شبه فاقدة الوعي لعدة أيام، ربما أنعمت علينا بقبلة أو ابتسامة من حين لآخر. ثم في آخر يومين، لم يعد هناك شيء سوى صوت تنفسها الثقيل المختنق.

تناقص معدل تنفسها إلى مرة كل ثلاثين ثانية.  أمسكنا بذراعيها وأخبرناها أننا نحبها. وعندما امتلأ صدرها للمرّة الأخيرة ثم سقط، أحكمت قبضتي على معصمها.

“أحبكم” قالتها بصوت خافت، قبل أن يتلاشى نبضها إلى العدم وتذهب الحرارة عن معصمها. ماتت.

بعد وفاة أمّي، عرضت نساء كثيرات المساعدة. إحداهن أمسكت بخدّي وابتسمت لي، قائلة: “أنا أتحدّت إلى والديّ عن طريق هذه البلّورة الزجاجية. ألا تؤمنين بالجنّة؟”.

“لا”، قلتها لينفرج فمها في ذهول.

“لكن أين تذهب الأرواح إذن؟”

طاردت نماذج الحياة الأخرى الشائعة أمّي في منامها. كانت تراودها كوابيس عن يوم الحشر عند البوابات في الآخرة. كانت أمّي يهودية، وربّتني كنصف يهودية نصف مسيحية إكرامًا لأبي الكاثوليكي. ورغم أنّها آمنت بالله، إلا أن كل ما أرادته من الحياة الآخرة هو النوم، النوم الهادئ الأبديّ.

في المستشفى، سألت أمّي: “هل تؤمنين بالأرواح؟”.

صمتت طويلًا حتى ظننت أن صوت الآلات قد غطّى على صوتي، رغم أن أمّي كانت على بعد عشرة أقدام فقط.

“هل أؤمن بالأفراح؟”

“الأرواح يا أمي! الأرواح!”

ضحك كلانا عندها.

يقول البعض إن الموتى يتحدثون إليهم في المنام. ولكن مع كل هذا الغموض الذي يكتنف أحلامنا، فإن مصدرها هو أفكارنا. أمّي في فكري دائمًا، ولهذا فهي في أحلامي دائمًا كذلك. رأيت أمّي في حلم قريب وهي في الرابعة عشرة، جالسة تتحدث إلى شخص ما. وعندما التفتت إلىّ عانقتها. تساءلت حينها هل ستعرفني أم لا. أردت أن أقول: “يومًا ما ستلدين ابنة تحبّك للغاية، وهي أنا”. لكنّي تراجعت. خفت أن يكون هذا مخيفًا للغاية لطفلة في الرابعة عشرة. لذا قلت عوضًا عن ذلك، “أماه، أماه، أنا أحبّك كثيرًا!”. لم يكن هذا أفضل من الجملة الأولى على أية حال، لكنني لم أقدر على أن أتمالك نفسي.

مكثت أمي في العناية المركزة لأسبوع قبل أن تنتقل إلى المنزل لنعتني بها في أيامها الأخيرة. توغّل السرطان بعد عامين من العلاج حتى تسبب في نزيف داخلي غير قابل للعلاج. توقّف النزيف حينها لكن كان من الممكن عودته في أية لحظة.  كانت قد خرجت لتوّها من غرفة الجراحة، وكان علينا أن نخبرها كل هذا.

عقّم ثلاثتنا الأيدي وارتدينا ملابس غرفة الجراحة، ووقفنا حولها يحيطنا طنين الأجهزة وشاشاتها. التزمنا بكلام الأطباء. شرحنا لها ما قاله الأطباء واتسعت عيناها.

“إذن، جسدي متهاوِ من الداخل، وسيتهاوى أكثر وأكثر”.

“نعم”.

انفجرتُ في البكاء وتبعتني هي. احتضنتها من خلال قماش الملابس البرتقالي. همست “أنا آسفة جدًا”.

لم أقدر على الوقوف حينها.

بجانب الكتب، أخذت من أمي الكثير. جيناتها وعاداتها. أستخدم ذات الأكوام من أوراق الملاحظات، وذات الأكوام من المناديل. اكتسبت ميلها إلى الشعور بالتقزز، بل وتخطيت مستواها في الخوف من الجراثيم. عندما تطهو لنا أمّي في المناسبات كان الأمر سيمفونية من المكونات وطقوس التنظيف التي تحتاج إلى قفازات اللاتكس. أستخدم كل الملاعق في الطهي كما كانت تفعل، لأن الملعقة تتلوث حينما نستخدمها كما تعلمون.

خطّطنا لحياتنا مع الجميع، إلا أنا وهي. يمكننا أن نمكث مع بعضنا وفقط. نعم سويًا على الكمبيوتر أو نشاهد “Pride & Prejudice” على BBC في كل ليلة غسل للملابس لمدة 10 سنين. وبعد أن مرضت أمي، اكتسبت روحًا من الدعابة السوداء. عندما أخبرتها أن الصيف الهندي سيعود بحرّه بعد عامين قالت في تهكم “على الأقل لن أكون موجودة لأرى هذا يحدث!”.

عندما توقفت أمي عن الكلام وصارت تنام يومها كلّه، لم ينقطع تواصلنا. كنت أقبّلها وعيناها مغمضتان.

كان آخر عامين لها معاناة بطيئة للغاية: كنت أفقد المزيد مما اعتدنا فعله بمرور الوقت، هذه الأشياء التي تجعلها أمي، وتجعلني ابنتها كانت تتلاشى ببطء. ولكنني أدرك الآن أن كوني ابنتها يعني أن أحتفظ بذكراها، وأن أشاركها مع الناس. أنا ممتنّة لكل من يتذكر أمي، أو يقرأ عنها، أو يقرأ أحد الكتب العديدة التي حرّرتها. فهذه هي الأماكن التي ما تزال أمّي حيّة فيها إلى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد