«فيروز» و«آل رحباني»، المزيج الملائكي لموسيقى الروح. الثنائي الذي أخرج إنتاجًا من أروع ما في الغناء العربي من كلماتٍ، وألحانًا، ونبرات. يمكنك أن تجد دائمًا أغنية لكل شيء، عن كل شيء، إذا كنت عاشقًا، أو منكسرًا، مهزومًا، أو منتصرًا، في الطريق إلى مكة أو القدس، أو في الطريق إلى الكنيسة، ستجد دومًا ما يناسبك.

غنَّت فيروز العديد من القصائد، سواء للشعراء القدماء أو المحدثين، فغنَّت للأخطل الصغير، وجرير، وعنترة بن شداد، وأبي نواس، وكذلك إيليا أبو ماضي، وجبران خليل جبران، ونزار قباني. في السطور التالية نستعرض إحدى أغنيات فيروز الفريدة من نوعها، والتي شاركها فيها وديع الصافي عام 1974م، حيث مزج فيها الأخوان رحباني بين قصائد 5 شعراء، ثم أضافوا عليها بيتين من تأليفهما؛ لتصبح الأغنية مزيجًا بين 6 شعراء مختلفين، وليس هذا فقط، بل أيضًا هؤلاء الشعراء من عصورٍ شعرية مختلفة اختلف فيها لون الأدب، لتخرج ـ كنسيجٍ كامل ـ غزلًا، فيه مشاعر الحب والحنين للوطن والأهل في لوحة واحدة، وبالرغم من اختلاف عصورها ومراميها، لا يشعر السامع إلا بانسياب الألحان، وتماسك البناء اللغوي، وهي أغنية «بروحي تلك الأرض» من ألبوم «قصيدة حب».

روى قصتها منصور الرحباني في الحلقات التي نشرتها جريدة «الحياة» عن رحلة الأخوين رحباني، بعد وفاة «عاصي»، إن عاصي طلب منه أن يجهز مجموعة من الموشحات القديمة؛ لتغنيها فيروز ووديع الصافي في بعلبك 1974، فاختار له أبياتًا متعددة، فعرض عليه كل ما اختاره من أبيات، وما أجراه عليها من تعديلات، وحين وصل إلى البيتين اللذين كان مطلعهما «إذا كان ذنبي أن حبك سيدي…» فعبس وسأله: «لمن هذه الأبيات؟» فأجابه أنها للراعي النميري. فقال عاصي «هذا الراعي النميري أكثر هؤلاء الشعراء نضارة. أأنت متأكد منه؟» ويقول منصور «أغرق عينيه في وجهي فكتمت بسمة عميقة، وقلت: «نعم». ولم يكتشف أن البيتين من تأليفي، إلا وهو يتصفح أوراق الحفلة ليلة تقديمها، فناداه ثائرًا «منصور عملتها في؟ افتكرتني مش رح انتبه؟» عندها أخبرته القصة كلها بعدما بت مطمئنًا أن العمل بات مسجلًا، ولا مجال لتغيير شيء فيه». يستدرك منصور «والحقيقة أني كتبت أربعة أبيات إلى سيدة من تل خياط كنت استلطفها وأعرف أنها ستكون بين الحضور في بعلبك، فشئت أن أحييها ببيتين من تلك الأربعة»، والأبيات تقول:

ويا تلة الخياط لي فيك نجمة

وفوق تلال الرمل منك كثيبُ

يسمرني حب عليه إلى المدى

وبيت القساة الظالمي قريبُ

إذا كان ذنبي أن حبك سيدي

فكل ليالي العاشقين ذنوبُ

أتوب إلى ربي.. وإني لمرة

يسامحني ربي إليك أتوبُ

منصور الرحباني


في السطور التالية نستعرض أبيات الأغنية وشعراءها والتعديلات التي أدخلها الأخوان رحباني عليها، وسنلاحظ أن الأبيات المنتقاة تنتمي لأكثر من مدرسة وعصر شعري، من الأموي إلى العباسي والأندلسي، وإضافة منصور رحباني من العصر الحديث.

إذا كان ذنبي أن حبك سيدي

فكل ليالي العاشقين ذنوبُ

أتوب إلى ربي وإني لمرةٍ

يسامحني ربي إليك أتوبُ

مطلع الأغنية، وهما البيتان اللذان أنشأهما منصور رحباني في الأغنية كلها، ثم انتقى بعد ذلك عدة أبيات من شعراء مختلفين، وبالرغم من أن الأغنية صدرت باعتبارها موشح أندلسي، إلا أنها ضمت أبياتًا ليست من الموشحات، وليست من الأدب الأندلسي أيضًا.

بروحي تلك الأرض

ما أطيب الربى وما أحسن المصطافَ والمتربَّعا

وأذكر أيام الحمى ثم أنثني

على كبدي من خشيةٍ أن تصدَّعا

وليست عشيات الحمى برواجعٍ

إليك ولكن خلي عينيك تدمعا

كأنا خلقنا للنوى وكأنما

حرامٌ على الأيام أن نتجمَّعا

الأبيات السابقة للشاعر الصُّمَّة القشيري (ت: 95 هـ/714م)، وهو شاعر أموي من شعراء الغزل والعشاق المتيمين، عرف بحبه لـ «ريا العامرية» وفيها كتب الأبيات السابقة، وهي من بنات عمه، ولكن رفض أبوها تزويجه منها وزوَّجها من غيره، وزوجه أهله غيرها، ولكنه ترك أهله بعد فترة ورحل إلى الشام، وتروي بعض المصادر أنه خرج لغزو الديلم في طبرستان ومات هناك. وأصل الأبيات السابقة: بنفسي تلك الأرض، وقد استبدل الأخوان رحباني كلمة (بنفسي) بـ (بروحي).

غدًا منادينا محببًا فينا

يقضي علينا الأسى لولا تآسينا

يا جيرة بانت عن مغرمٍ صبِّ

لعهده خانت من غير ما ذنبِ

ما هكذا كانت عوائد الحبِ

لا تحسبوا البعد يغير العهدَ

إذ طالما غيَّر النأيُ المحبينا

وهذا موشح للشيخ الشاعر «صدر الدين ابن الوكيل» (716 هـ /1317م) وهو فقيهٌ شافعي وأصولي وأديب وعالم من علماء الحديث الشريف في عصره، وقال عنه ابن حجر «كان لا يقوم بمناظرة ابن تيمية أحدٌ سواه». ولد صدر الدين بدمياط في مصر وعاش واشتهر في دمشق وتوفى في القاهرة، وكان يكتب الشعر والموشحات على حدٍّ سواء، وله أشعار وموشحات جمعها في ديوان سمَّاه «طرز الدار».

أما بيت: لا تحسبوا البعد يغير العهدا * إذ طالما غير النأي المحبينا. فهو للشاعر «ابن زيدون» (463 هـ/1071م) وأصله: لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا * إذ طالما غير النأي المحبينا. وابن زيدون هو وزير وكاتب وشاعر أندلسيّ من قرطبة، عُرف بحبه لولادة بنت المستكفي. وفيها كتب نونيته الشهيرة التي كان مطلعها:

أضحى التنائي بديلًا عن تدانينا * وناب عن طيب لقيانا تجافينا

وبيت (لا تحسبوا البعد…) مأخوذٌ من نفس القصيدة. وكانت «ولَّادة» بنت الخليفة «المستكفي بالله»، وكان لها مجلس أدبي – بعد وفاة الخليفة – يحضره الكثير من وجهاء قرطبة، وابن زيدون كان من بين هؤلاء الذين يحضرون مجلسها. أحبَّها ابن زيدون حبًا شديدًا، لكن لم تكتمل قصتهما، ورويت أسبابٌ مختلفة عن ذلك، منها: أن الوزير «ابن عبدوس» كان ينافسه في حبها، وتآمر عليه، وسجنه، وأبعده عنها، وروايةٌ أخرى تشير إلى أن سبب انتهاء قصتهما غيرة «الولادة» من إعجاب ابن زيدون بغناء إحدى جواريها.

وديع الصافي


ولا قرب نعمٍ إن دنت لك نافعٌ

ولا نأيها يثني ولا أنت تصبرُ

إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا

كي يحسبوا أن الهوى حيث تنظرُ

وهي أبيات لـ«عمر بن ربيعة» (93 هـ/711م)، وهو شاعر أموي قريشي من شعراء الغزل، وهي أبيات من قصيدته الرائية الشهيرة (نُعم) وتقع في 75 بيتًا يتغزَّلُ فيها بحبيبته (نُعم)، والقصيدة تصوِّرُ حالة الشاعر العاطفية وفراقه لحبيبته بعدما نفاه عمر بن عبد العزيز إلى (دهلك) –وهي مجموعة جزر في البحر الأحمر قرب إريتريا الآن- إثر شكوى بعضهم منه؛ لأنه يتغزل بالنساء ويشبِّبُ بهنّ.

يا شقيقَ الرُّوحِ من جسدي أهوًا بي منك أم ألمُ

أيها الظبي الذي شردا تركتني مقلاتاك سدى

زعموا أني أراك غدا وأظن الموت دون غدي

أين مني اليوم ما زعموا.. آه

أدنو شيئًا أيها القمرُ

كاد يمحو نورك الخفرُ

أدلالٌ ذاك أم حذرُ

يا نسيم الرُّوحِ من بلدي

خبِّرِ الأحبابُ كيف همو.. آه

وهو موشح «يا شقيق الروح» الذي أورده «ابن سناء الملك» (608 هـ) وهو قاضي وشاعر مصري من أول من نظم للموشَّح في مصر في القرن السادس الهجري وأورده في كتابه «دار الطراز في عمل الموشحات»، وقد ذكر في كتابه عددًا من الموشحات الأندلسية القديمة، ومن بينها هذا الموشح لابن زهر الأشبيلي (464 هـ – 557 هـ) الذي ينسب خطأً إلى ابن سناء الملك.

فيروز



حاملُ الهوى تَعِبُ يستخفُّه الطَّربُ

إن بكى يحقُّ له ليس ما به لعبُ

كلما انقضى سببٌ منكِ عادَ لي سَبَبُ

تعجبين من سقمي صحتي هي العجبُ

تضحكين لاهية والمحب ينتحبُ

وهي من أشعار «أبي نواس» (145 هـ – 199 هـ) ، وهو شاعر عباسي، اشتهر بحبه لـ «جنان»، وهي جارية لآل «عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي»، وكانت حلوة جميلة المنظر، وأديبة، ويقال إن أبا نواس لم يصدُق في حبِّه لامرأة غيرها،وقد بلغ شغفه بها أنه حين عرف خروجها للحج؛ حجّ؛ ليتشارك معها الطريق، وكانت تلك الأبيات لها وعنها. وقد غيَّر الأخوان رحباني ترتيب الأبيات السابقة حيث كان أصل ترتيبها:

حاملُ الهوى تعِبُ يستخفُّهُ الطَّربُ

إن بكى يحقُّ له ليس ما بِهِ لعِبُ

تضحكين لاهيةً والمحب ينتحبُ

تعجبين من سقمي صحتي هي العجب

كلما انقضى سبب منك عاد لي سبب

يا غزالًا من كثيبِ أنتَ في حُسنٍ وطِيبِ

يا غريبَ الدار ما وصلك مني بقريبِ

يا حبيبي بأبي أنسيتني كلّ حبيبِ

لشقائي صاغك الله حبيبًا للقلوبِ

وهي أيضًا من شعر أبي نواس، وقد استبدل الأخوان رحباني كلمة (قضيبًا) في القصيدة الأصلية بـ (غزالًا).

عرض التعليقات
تحميل المزيد