في الفاتح من فبراير (شباط) 2021، شهدت ميانمار انقلابًا عسكريًّا أطاح رئيسة الوزراء سان سو تشي، ورئيس الجمهورية وين مين، وتعدُّ سان سو تشي أول رئيسة وزراء مدنية في العقود الأخيرة، إذ إن نظامًا عسكريًّا حكم البلاد منذ سنة 1962 إلى 2011، سنة صعود سان سو تشي وحزبها «الرابطة الوطنية للديمقراطية» إلى السلطة. 

وقد أتى انقلاب ميانمار في الأول من فبراير 2021 بعد الانتخابات البرلمانية التي شهدتها البلاد في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، والتي فاز بها حزب رئيسة الوزراء بالأغلبية؛ وتقول القوات المسلحة التي سيطرت على مقاليد الحكم إثر الانقلاب، إن هذه الانتخابات عرفت تزويرًا شاملًا.

وقد سيطر على مقاليد السلطة قائد الجيش مين أونج هلينج، وهو المسؤول الأول في جيش ميانمار، والذي نجح في الحفاظ على نفوذ الجيش في السياسة رغم توجُّه البلاد نحو نظام أكثر ديمقراطية في السنوات الأخيرة، وقد واجه هذا الجنرال انتقادات وعقوبات دولية كثيرة بسبب تورُّطه في المجازر ضد أقلية الروهينجيا المسلمة، وقد برَّر القائد العسكري هذه الخطوة الانقلابية بأن الانتخابات الأخيرة شهدت تزويرًا واسعًا، وتعهَّد بإجراء انتخابات حرَّة بعد رفع حالة الطوارئ التي أعلنها إثر الانقلاب.  

وتواجه سان سو تشي، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، اتهامات قضائية أثارت استغراب المجتمع الدولي وسخرية البعض، من بينها امتلاك ستَّة أجهزة اتصال من نوع «وولكي توكي»، وخرق إجراءات الحجر الصحي المفروض بسبب فيروس كورونا. 

وعقب الانقلاب العسكري، شهدت العديد من المدن في ميانمار احتجاجات شعبية معارضة لهذه الخطوة من طرف القوات المسلحة ومدافعة عن الديمقراطية، والتي لا تزال متواصلة في العديد من المدن، وتحاول أجهزة الأمن قمع هذه المظاهرات بالقوَّة؛ مما أدى إلى سقوط عشرات الضحايا، يقدِّرها الناشطون الحقوقيون في ميانمار بأكثر من 50 قتيلًا حتى الآن، في حين عد الناشطون يوم أمس أكثر الأيام دموية منذ بداية الانقلاب.  

60 قتيلًا وأكثر من ألف معتقل.. حصاد انقلاب ميانمار

وتختلف المصادر حول العدد الدقيق للقتلى بسبب قمع الجيش للمظاهرات المناهضة للانقلاب؛ ففي حين تتحدث الأمم المتحدة عن «أكثر من 50 قتيلًا» وتحددهم بعض المصادر، ومنهم جريدة «دويتش فيلة» الألمانية الآن بـ60، فإن ناشطي ميانمار عبر موقع «تويتر» يطرحون أرقامًا متفاوتة عن عدد الضحايا منذ انقلاب الأول من فبراير، وقد أشار المتحدث باسم الأمم المتحدة إلى أن الأربعاء الثالث من مارس (آذار)، كان الأكثر دموية منذ بداية الانقلاب، بعدد قتلى بلغ 38. أما فيما يخص عدد الاعتقالات، فقد نقلت وكالة «رويترز» عن تلفزيون محلِّي أن عدد الاعتقالات بلغ أكثر من 470 الأسبوع الماضي، بينما يؤكد الناشطون الميدانيون أن الرقم الحقيقي يفوق ألف حالة عند احتساب حالات الاعتقال والاحتجاز التعسفي خارج إطار القانون.

ويشير صحافيون مستقلون إلى مقتل 34 شخصًا في مدينة يانجون وحدها، كُبرى مدن ميانمار، بالإضافة إلى ثمانية أشخاص على الأقل في مدينة مونيوا، وتبقى الأرقام محلَّ جدل وتضارب بين مختلف المصادر في ظلِّ التعتيم الإعلامي الذي تفرضه السلطة في ميانمار.

صراع في أروقة الأمم المتحدة

وأشارت مواقع إخبارية إلى أن السلطات في ميانمار قد اعتقلت ثمانية صحافيين على الأقل بسبب تغطيتهم للمظاهرات المناهضة للانقلاب. وتنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي صور وفيديوهات حول القمع الذي يجري حاليًا بشكل يومي في ميانمار ضد المظاهرات الشعبية الرافضة للانقلاب العسكري، وقد تداول الناشطون في ميانمار فيديو لقوات الشرطة وهي تستخدم العنف ضد موظَّفي سيارة الاسعاف الذين جاءوا لنقل المصابين أثناء المظاهرات. 

وقد كان لانقلاب فبراير العسكري تداعيات دولية مهمَّة، انتقلت مؤخرًا إلى دواليب «الأمم المتحدة». ففي خطاب لسفير الأمم المتحدة كياو مو تون، انتقد فيه بشدَّة الانقلاب العسكري ضد الحكومة المدنية لبلاده، أكَّد أنه لا يزال يمثِّل ميانمار داخل الهيئة الأممية، بينما يعمل القادة الجدد على استبدال سفير جديد به، وقال مو تون في خطابه داخل الهيئة: «نحن نطلب من مجلس الأمن الدولي، والأمم المتحدة والمجتمع الدولي، الذي يسعى إلى إقامة مجتمع دولي سلمي ومتحضَّر، إلى استعمال كل الوسائل اللازمة لاتخاذ إجراءات ضد الطغمة العسكرية في ميانمار».

وقد عمل كلا الطرفين المتنازعين على السلطة – القيادة العسكرية والحكومة المدنية – على إقناع الأمم المتحدة بموقفهما من خلال رسالة أرسلها كل طرف إلى الهيئة، بالإضافة إلى صراع كل طرف على مقعد السفير، بين السفير الحالي الرافض للانقلاب العسكري، والقادة الجدد الذين يبحثون عن اعتراف دولي. وقد عُقدت جلسة لمجلس الأمن الدولي الجمعة الماضية من أجل مناقشة الأوضاع في ميانمار عقب الانقلاب بطلب من بريطانيا، ومن المتوقَّع أن يفشل أي مشروع قرار يخرج من مجلس الأمن بسبب الموقف الصيني والروسي الرافض لهذه العقوبات، حسب مراقبين. 

دولي

منذ شهر
مترجم: هل الانقلاب العسكري أسوأ في نظر الغرب من الإبادة الجماعية؟ ميانمار مثالًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد