استولى جيش ميانمار على السلطة في انقلابٍ على حكومة «أونج سان سو كي» الحائزة على جائزة نوبل، والمنتخبة ديمقراطيًا منذ عام 2016، لتجد نفسها هي وقادة الحزب الحاكم رهن الاعتقال ضمن مداهماتٍ بررها الجيش لاحقًا عبر بيانٍ بثته محطة تلفزيون مملوكة له، بأنها رد على «تزوير الانتخابات» في نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، وتزامن إعلان الانقلاب العسكري مع تعطل بث التلفزيون الرسمي، وشبكات الإنترنت، وخدمات الهاتف في العاصمة.

واختار الجيش، الذي أعلن فرض حالة الطوارئ لمدة عام، قائده «أونج هلاينج» ليتولى السلطة الانتقالية، وهو الجنرال صاحب النفوذ الذي قاد مع «السيدة» حملة شرسة ضد مسلمي الروهينجا؛ أدت إلى مقتل وتهجير الآلاف، وأدانتها الأمم المتحدة، وخلال الانتخابات الأخيرة حُرمت تلك الأقلية من حقها في الإدلاء بصوتها في الانتخابات العامة. التقرير التالي يشرح لك أبعاء الانقلاب الذي كان ضمن سلسلة من العداء بين «السيدة» و«الجنرال».

1- ما هي قصة الانتخابات التي أغضبت الجيش؟

في الثامن من نوفمبر العام الماضي أجريت الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء في كل من مجلس الشيوخ والنواب ومجلس الولايات والأقاليم، وتنافس فيها نحو 6 آلاف مشرح من أكثر من 90 حزبًا، للفوز بإجمالي 1171 مقعد على المستوى الوطني، وكذلك الولايات والأقاليم.

Embed from Getty Images

الحزب الحاكم قبل إعلان النتيجة الرسمية للفرز، أعلن بعدها بأيامٍ فوزه بالأغلبية التي تضمن له تشكيل الحكومة، لكنّ منظممات حقوقية بارزة في البلاد مثل «Fortify Rights» اتهمت الانتخابات بأنها غير نزيهة وغير عادلة، نظرًا لاستبعاد الملايين منها مثل قطاع واسع من أقلية مسلمي الروهينجا إلى جانب أقليات وإثنيات أخرى، كما ألغت الانتخابات في بعض المناطق، ولم تعدها كما وعدت.

ووفقًا لإحصاءات أممية، فرَّ أكثر من 750 ألف لاجئ من الروهينجا، معظمهم من النساء والأطفال، إلى بنجلاديش المجاورة بعد أن شنت قوات ميانمار حملة قمع وحشية ضد الأقلية المسلمة في إقليم أراكان في أغسطس (آب) عام 2017، وتعتبرهم الحكومة مهاجرين غير نظاميين جاءوا من بنجلاديش، فيما تصنفهم الأمم المتحدة بـ«الأقلية الأكثر اضطهادًا في العالم».

وخلال الانتخابات الأخيرة اعترض الجيش على النتائج، وقدّم شكاوى لدى المحكمة العليا ضدّ كلّ من الرئيس ورئيس اللجنة الانتخابية، كما هدد بالتحرك ضدّ عملية التزوير، لكن اللجنة الانتخابية رفضت اتهامات الجيش، وأقرت بصحة الانتخابات.

عداء الجيش لتلك الانتخابات ينبع تحديدًا من الأغلبية الساحقة التي حققها غريمه السياسي المتمثل في حزب «الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية» الحاكم الذي ترأسه أونج سان سو كي، المعروفة في ميانمار باسم «السيدة»، التي أسس والدها الجنرال «أونج سان» الجيش الحديث لميانمار، كما قاد التفاوض لإنهاء الاحتلال البريطاني عام 1947، وأصبح أول رئيس وزراء. لكنه أغتيل في العام نفسه قبل أشهر من منح بريطانيا ميانمار استقلالها رسميًا على يد منافسيه على الحكم.

ومنذ عقود قاد الجيش حملات تشوية ضد «أونج سان سو كي» التي يسمونها «مقبض فأس الغرب» لمنعها من الوصول لمنصبٍ رسميٍ في البلاد، خاصة مع حصولها على جائزة نوبل للسلام عام 1991، لكنها وصلت في السبعين من عمرها بترأسها مستشارة الدولة – رئيسة الوزراء – وخلال الانتخابات الأخيرة كان الجيش يأمل في وصول قوى سياسية أخرى، لكنّ اتهامات التزوير التي لاحقت الحزب الحاكم كانت دافعًا قويًا لتحركات الجيش الأخيرة للتخلص من «السيدة» التي فشلت في توحيد الإثنيات العرقية، وإنهاء الحروب الأهلية، كما أشرفت على تشديد القيود على الصحافة.

2- ما وراء عداء «الجنرالات» لـ«السيدة»؟

يبدأ المشوار السياسي لأونغ سان سو كي من العام 1988، حين شاركت في الانتفاضة الثورية التي قادها الطلاب احتجاجًا على القادة العسكريين الذي حكموا البلاد عقب وفاة والدها، وهي الاحتجاجات التي قاومها الجيش بعنفٍ، لكنّ سوكي نجحت في المشاركة في تأسيس الرابطة الوطنية للديمقراطية، التي أصبحت فيما بعد أكبر الأحزاب المعارضة للحكم العسكري، متبنية بذلك التوجه القومي الوطني في بلدٍ غارقٍ في الأيديولوجيات العرقية لتوحيد المعارضة حول هدفٍ وحيدٍ متمثل في: «نزع الحكم من العسكريين إلى رئيس مدني منتخب».

Embed from Getty Images

وفي عام 1990 أجريت انتخابات فاز فيها حزب الرابطة الوطنية للديمقراطية المعارض أغلبية المقاعد، لكنّ الحكومة العسكرية رفضت انتقال السلطة، واشترطت وضع دستور جديد يضمن مصالح النخبة الحاكمة، كما فرضت على أونج سان سو كي الإقامة الجبرية، بعدما كان من المفترض أن تكون رئيسة الوزراء.

وبعد 18 عامًا تم تمرير الدستور الحالي 2008، الذي حدد أن يحظى الجيش بنسبة ثابتة تمثل 25% من المقاعد والحقائب الوزارية، بالأخص الوزارات السيادية، مثل الدفاع والداخلية، بالإضافة إلى تمتعه بـ«حق النقض (الفيتو)» في المسائل الدستورية، باعتباره حارسًا للوطنية والقيم الدستورية، لكنّ زعيمة المعارضة كانت تدعو لفرض عقوباتٍ دولية على بلادها، من أجل إجبار العسكر عن التخلي عن الحكم

وافق الجيش أخيرًا عام 2010 على حل المجلس العسكري، كما أٌفرج عن أونج سان سو كي من الإقامة الجبرية التي لم تمنعها من مواصلة العمل السياسي، لتتشكل بعدها حكومة شبه مدنية، لكنها مدعومة من الجيش، أعقبها إجراء أول انتخابات مفتوحة بعد نصف قرن من الحكم العسكري، لتدخل بعدها زعيمة المعارضة البرلمان عام 2012، وبعد ثلاثة أعوامٍ فاز حزبها في الانتخابات العامة، لتتقلد بعدها عام 2016 منصب مستشارة الدولة.

لم تستطع أونج سان سو كي التي تعهدت بإخراج الجيش من الحياة السياسية تعديل دستور 2008 لتتمكن من مباشرة الحكم المدني بحرية مطلقة دون القيود التي فرضها العسكر، وفي عام 2017 شن الجيش هجومًا على قرى الروهينجا المسلمين بدعوى «مكافحة الإرهاب»، وهي العملية التي قادت سو كي للمثول أمام المحكمة الدولية في لاهاي بتهمة الإبادة الجماعية عام 2019، لكنها رفضت إدانة الجيش.

3- استفاد من تجربة حفتر.. ماذا نعرف عن الحاكم العسكري الجديد؟

قائد جيش ميانمار الذي بات بين ليلة وضحاها الحاكم العسكري ليس معروفًا لدى وسائل الإعلام في بلدٍ لا يعرف إلا القليل عن جيشه الذي يتعمد إخفاء أعماله الداخلية، لكنّ السجل العسكري لأونج هلاينج يكشف قيادته للجيش منذ عام 2011، وهو عام انتقال السلطة فعليًا من المجلس العسكري، والمفارقة الثانية التاريخية للجنرال الانقلابي تكمن قبل عقودٍ، فبينما انضم زملاؤه للانتفاضة والتظاهرات ضد العسكري في أواخر السبعينات، كان هيلانج يتقدم بأوراق تقدمه للالتحاق بالمؤسسة العسكرية.

Embed from Getty Images

وفقًا لزميلٍ لقائد الجيش تحدث لـ«رويترز»، فقائد الجيش تمت ترقيته بانتظام وببطء، وبعد منصبه الأخير، تحول من شخص قليل الكلام، إلى فاعلٍ نشط في الوسط السياسي، بينما يضيف دبلوماسيون ومراقبون بأنه درس التحولات السياسية التي شهدتها ليبيا بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، وما أعقبها من الحملة العسكرية التي قادها الجنرال الليبي خليفة حفتر لتنصيب نفسه حاكمًا عسكريًا في ليبيا.

الدور الأبرز في مسيرة أوينج هيلانج العسكرية هي حملة القمع في ميانمار عام 2017 ضد أكثر من 730 ألفًا من مسلمي الروهينجا التي تسببت في وضعه على قوائم العقوبات الأمريكية إلى جانب ثلاثة من القادة العسكريين عام 2019، بعد اتهامات بأعمال إبادة وحشية، وقتل جماعي، واغتصاب.

وفي أحدث تصريحٍ للحاكم العسكري أعلن عبر بيانٍ تركه السلطة بعد إجراء انتخاباتٍ بديلةٍ عن الأخيرة التي شهدت 10 مليون حالة تزوير، بحسب وصفه، لكنه من جانب آخر لم يحدد موعدًا للانتخابات، ومن المقرر أن تكون بعد انتهاء حالة الطوارئ المقرر لها عامًا واحدًا.

4- على خلاف فنزويلا.. كيف تعامل الغرب مع انقلاب ميانمار؟

الانقلاب المفاجئ الذي وقع في ميانمار المحاذية للحدود الجنوبية الغربية للصين شهد ردود أفعالٍ متباينة، فبينما اعتبرته الدول المجاروة مثل تايلاند، وكامبوديا، والفلبين «شأنًا داخليًا»، اكتفت الصين بالتعليق والدعوة لحل المسائل دستوريًا، وهو ما قد يضمن الخروج الآمن لقادة الجيش في حال فشل الانقلاب الذي توعدته الولايات المتحدة.

قبل عامين شهدت فنزويلا محاولة خلع الرئيس «نيكولاس مادورو» من السُلطة، وتنصيب زعيم المعارضة الذي لم يعترف بنتائج الانتخابات الرئاسية، وسارعت الولايات المتحدة للاعتراف برئيس البرلمان رئيسًا شرعيًّا للبلاد، وتبنّى الاتحاد الأوروبي الموقف نفسه وهي الدول التي ترى في الرئيس الفنزويلي عدوًا لها، وعلى الجانب الآخر على جانبٍ آخر سارعت الأنظمة اليسارية في الدول اللاتينية ممثلة في المكسيك وبوليفيا، وإعلان رفضها الانقلاب والتمسك بشرعية الرئيس مادورو، لتخرج بعدها روسيا، زعيمة المعسكر اليساري في العالم سابقًا، والحليف القديم لفنزويلا، منتقدة الموقف الأمريكي الذي تمادى إلى تصريح الرئيس الأمريكي السابق ترامب نفسه بأن «كل شيء مطروح على الطاولة» في إشارة لاحتمالية التدخل العسكري.

خلال الانقلاب الحالي، وربما تجدر الإشارة هنا إلى أن الاختلاف الذي قد تستند إليه أمريكا في دفاعها عن موقفها أن النظام في ميانمار جاء ضد نظام انتخب ديمقراطيًا، توعدت واشنطن القادة العسكريين، وقالت عبر بيانٍ نشره البيت الأبيض: «إنّ الولايات المتحدة تعارض أية محاولة لتغيير نتائج الانتخابات الأخيرة، أو إعاقة التحول الديمقراطي في ميانمار، وستتخذ إجراءات لمواجهة المسؤولين إن لم يتراجعوا عن هذه الخطوات»، لكنّ الواقع على الأرض يشير إلى أنّ واشنطن لن يمكنها الاقتراب من ميانمار في ظل جدار الحماية الذي صنعته الدول المجاروة لها، وعلى رأسها الصين.

ومع اقتراب نجاح مرور أول 24 ساعة على الانقلاب في ظل تعطل وسائل الإنترنت، وتعطل خدمات البنوك، ووقوف سكان العاصمة في عشرات الطوابير أمام ماكينات الصراف الآلي في ظل حصار الجيش لمبنى البرلمان، ومنع خروج أعضائه. لا تشي الصورة القاتمة إلا بانتصار القادة العسكريين في الجولة الأولى، طالما أنّ الخارج لم يتدخل، والداخل لم يتحرك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد