صوت شعب ميانمار بالأمس 8 نوفمبر 2015 في أول انتخابات عامة وطنية منذ بدأت البلاد الانتقال من الحكم العسكري إلى حكم شبه مدني عام 2011، بعد حرمان 25 عامًا من انتخابات تنافسية، حيث وقف حزب “الاتحاد والتضامن والتنمية” الحاكم المدعوم من الجيش أمام “الرابطة القومية من أجل الديمقراطية” جبهة المعارضة بقيادة أون سان سو تشي مع 89 حزبًا يتنافسون على 498 مقعدًا في البرلمان، سوى عدد 166 من ممثلي الجيش المعينين، ينوبون عن أغلب دوائر الدولة، وسيكون جل تركيز هذا البرلمان اختيار الرئيس القادم مع حلول 2016.

ليس من المنتظر أن تعلن النتائج النهائية للانتخابات قبل يومين، ولكن مؤشرات أولية على التليفزيون الرسمي أظهرت تقدم حزب الرابطة القومية من أجل الديمقراطية برئاسة المعارضة وحائزة نوبل للسلام “أون سان سو تشي” بفارق كبير في دوائر انتخابية معينة، بينما كان الفارق بين الحزبين لا يذكر في دوائر أخرى.

“لقد خسرنا” خرج الأمين العام لحزب التضامن والتنمية وأقر بها أمام وكالة رويترز رغم عدم الإعلان رسميًّا عن أي نتائج، وخرج أنصار سو تشي المعارضة يحتفلون بشكل حذر حتى انتهاء فرز الأصوات.

ويحظر على سو تشي بموجب الدستور الترشح للرئاسة لأن ابنيها يحملان جوازي سفر بريطانيين ولا يمتلكان جواز سفر ميانمار، بينما يرجع البعض السبب إلى الرغبة في إقصائها لنضالها من أجل التغيير السلمي.

وكان عدد المسجلين بقوائم الانتخابات نحو 30 مليون شخص – قبل حذف مليون من مسلمي الروهينجا- توجه منهم نسبة 80% للتصويت ليختاروا ممثلي ثلاثة أرباع برلمان ميانمار، فما يزال الجيش يتمتع بـ 25% من مقاعد البرلمان ما يضمن له بشكل كافٍ رفض أي تعديل على الدستور، والتحكم في اختيار الرئيس الذي لا يجري انتخابه بالتصويت الشعبي لكن عن طريق المجلسين التشريعين والجيش.

هل يفلت الجيش خيوط الحكم من يده ويمنحها المعارضة بسهولة؟

أنصار حزب الرابطة القومية من أجل الديمقراطية

يبدو أن الجيش بميانمار يمسك جيدًا بدفة التحول التدريجي نحو “ديمقراطية نوعية” مع الحفاظ على نسبة عالية من النفوذ العسكري في النظام السياسي الجديد أيًّا كانت نتيجة الانتخابات، فالبرلمان الجديد سيمثل نهاية خمس سنوات من التجهيز تبعت حكم استبدادي تم خلالها رفع الرقابة عن الإعلام، والإفراج عن مئات السجناء السياسيين، وتقنين النقابات العمالية، ورفع الحظر عن الرابطة الوطنية، ورغم هذا ما زال الجيش يحتضن الديمقراطية بشكل حذر.

يعتبر الجيش الديمقراطية تهورًا نتيجة لطبيعة بلد تسوده انقسامات ترعاها جماعات مسلحة عرقية قوية؛ ما دفع الجيش منذ توليه الحكم عام 1962 نحو السيطرة على المناطق الحدودية الغنية بالموارد، ثم الانفراد بالقوى السياسية المعارضة داخليًّا وإضعاف دورها. ويرى مراقبون أن الجيش يستخدم الآن حزب “الاتحاد والتضامن والتنمية” كأداة لمواصلة الجيش هيمنته على الحكومة.

أون سان سو تشي: «منصبي أعلى من الرئيس»

ظهر حزب “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية” عام 1988 كقوة سياسية معارضة وسط موجة من الاحتجاجات المناهضة لسياسات الحكومة دفعت المجلس العسكري لإجراء انتخابات مبكرة قادتها “أون سان سو تشي”، وفازت وحزبها بنسبة 80% من مقاعد البرلمان، لكن المجلس العسكري ألغى النتيجة وشكل حكومة عسكرية جديدة وحظر الحزب وقبض على أعضائه، ووضع “أون سان” تحت الإقامة الجبرية، والآن وإن أصبحت قادرة على خوض الانتخابات بحزبها فهي محرومة من أي منصب قيادي، وهو ما يضعها أمام تحدٍ ثانٍ.

التحدي الثاني هو أن فوز حزب “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية” الذي يرغب في الإصلاح يأتي في مواجهة انتشار أحزاب الأقليات العرقية وقوى سياسية متناحرة، ما لن يضمن توزيعًا متكافئًا لثمار أي ازدهار اقتصادي على نواحي الدولة، وسيستمر مع الوضع الشعور بعدم الثقة في الجيش ما لا يبشر ببيئة سياسية مترابطة فتظل الرابطة تساوم الجيش للتغلب على مزاياه الدستورية، وعقدة التشريع ومواجهة نسبة 25% من الأعضاء العسكريين المعينين. بالنظر إلى أن أي تغيير دستوري يتطلب أغلبية ثلاثة أرباع البرلمان زائد واحد، بمعنى أن الجيش يمتلك ربعًا معطلًا. ناهيك عن احتياج أي حزب لتحقيق نسبة 67% من المقاعد المخصصة للمنتخبين لتأمين أغلبية 50% داخل المجلس، سوى الدستور الذي يكفل للجيش جميع المناصب الوزارية المتعلقة بالأمن.

10 مليون مسلم محروم من الانتخاب وعادوا لخانة «بدون هوية»

استيقظ المسلمون صباح الانتخابات على قرار حذف أسماء مليون مسلم من كشوف الناخبين، وبقي نحو 150 مسلمًا فقط لهم الحق في التصويت من سكان 20 مخيمًا حول سيتوي عاصمة ولاية راخين.
وقالت منظمات حقوق الإنسان إن مئات الآلاف من المسلمين توجهوا إلى مراكز الاقتراع لكن الأمن منعهم من التصويت لأن النظام الحاكم في ميانمار سحب قرار اعتبارهم مواطنين بعد ساعات فقط من المظاهرات الاحتجاجية التي انطلقت في يانغون؛ حيث رفض محتجون بوذيون متطرفون ما رأوا أنه قانون يسمح بدمج غير المواطنين في البلاد.

التطرف الذي يشكل خطرًا على الآمال الهشة للديمقراطية استطاعت يده دفع رئيس وزراء بورما ثين سين لسحب حق مسلمي الروهينجا من التصويت المؤقت، والتراجع عن اعتبارهم مواطنين يتمتعون بكامل الحقوق، وإلغاء الانتخابات في بعض مناطق الصراع الداخلي.

وكان المجلس العسكري الذي حكم البلاد في وقت سابق قدم للروهينجا والأقليات الأخرى ما يعرف بالورقة البيضاء عام 2012 لتسمح لهم بالتصويت في الانتخابات العامة.

غير ذلك لم تتقدم الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بأي مرشح مسلم خشية حدوث ترويع بعد اعترافها بالوقوع تحت تهديد إحدى جماعات الرهبان البوذيين، بينما لم تدفع الأحزاب سوى بعدد قليل جدًّا من المرشحين المسلمين، وبهذا لم يضم أكبر حزبين في البلاد مرشحين مسلمين.

«الديمقراطية لن تكون حلًّا سحريًّا لمشاكل هذا البلد»

الرهبان البوذيون في احتجاجاتهم ضد مشاركة المسلمين في الانتخابات

وكانت أحداث عنف بين البوذيين والمسلمين، في عام 2012 تسببت في وفاة أكثر من 200 شخص، وتشير أرقام جمعتها الأمم المتحدة إلى أن نحو ألفين من مسلمي الكامان كان مآلهم مخيمات اللاجئين في راخين عقب حملة العنف عليهم، وعلى الرغم من مظاهر الهدوء التي تسود حياة المسلمين إلا أنه هدوء هش؛ فما يزال سكان ولاية راخين محرومين من الذهاب إلى العمل، والوصول إلى الأسواق، والحصول على الإمدادات الغذائية والخدمات الصحية والتعليم، فضلًا عن عمليات التهجير القسري لأكثر من 125 ألف مسلم بأيدي الأمن.

140 طائفة حائل قوى أمام الاستقرار

الرهبان البوذيون أكبر الطوائف وأقواها نفوذًا

فجرت الديمقراطية توترًا وتعصبًا دينيًّا دفع لسن قوانين لحماية الأغلبية البوذية على حساب الأقليات الدينية؛ ما منح البوذيين الحق في بسط نفوذهم عنوة وضد المسلمين بشكل خاص، ورغم أن مبدأ رفض العنف يمثل عنصرًا أساسيًّا في الديانة البوذية لكن الرهبان البوذيين اتهموا باستخدام خطاب الكراهية ضد المسلمين، والانضمام إلى الغوغاء الذين قتلوا العشرات.

تتعدد العناصر المكونة لشعب ميانمار بينهم “البورمان” البوذيون، وهم الطائفة الحاكمة والأكثر شراسة، وقد تسببت البورمان في أعمال عنف استمرت حتى صباح الانتخابات الجارية لمنع المسلمين من التصويت، وهناك جماعة “أراكان” وتعيش على المرتفعات مع “الكاشين”، ومعهم من حيث الأهمية “الماغ” و”شين” و”كايا”.

بين نحو 140 عرقًا يعيش المسلمون تحت طائفة “الروهينجا”، وهي الأكثر عددًا بعد البورمان، فيشكلون 10 ملايين فرد بنسبة 20% من السكان، ويعيشون بإقليم “أراكان” ويعدون أفقر الطوائف وأكثرها جهلًا.

وأخيرًا، تظل جميع الطوائف في انتظار نتائج الانتخابات، ومنهم من لا يهتم ففي النهاية يمثل الحزبان الرئيسيان بالدولة أقليات بعينها دون الأخرى؛ مما يحرم 100 طائفة على الأقل من التمثيل والمناداة بحقوقهم دون أن يستخدم البوذيون ضدهم العنف.

 

المصادر

تحميل المزيد