في بيانٍ صحافي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أعلن الجهاز يوم الخميس الموافق 14 فبراير (شباط) عام 2019، أن معدل البطالة في الدولة المصرية قد انخفض إلى 8.9%، وذلك في الربع الأخير من عام 2018، بانخفاض قدره 2.4% عن العام السابق، وفي بيانٍ آخر أعلنت الإحصاء أن معدل البطالة بين الشباب قد وصل إلى 25.7% خلال عام 2018، في حين أن معدل البطالة بين الشباب الحاصلين على مؤهل جامعي فأعلى، قد وصل إلى 38.3%.

في الوقت ذاته عقب الخبير الاقتصادي رضا عيسى عبر برنامج «بتوقيت مصر»، والذي تقدمه الإعلامية سلمى الدالي، على البيانات التي أصدرها مركز التعبئة والإحصاء والخاصة بانخفاض معدل البطالة في مصر عبر عام 2018، قائلًا: «الأرقام متباينة، ونسبة البطالة في مصر كبيرة جدًا، وهناك عمالة حالية تعاني من أيام بطالة، وهم عمال اليومية».

جاء ذلك إلى جانب ما أشار إليه تقرير «الجزيرة» عن معدلات البطالة في مصر خلال عام 2018، من أن بيانات البطالة التي تعلنها الأجهزة الرسمية غير منطقية، وبعيدة كل البعد عن الواقع، ولذلك لا تجد قبولًا بين جموع الناس؛ لأنها تختلف عما يعايشونه، في حين يرى الخبراء أن معدلات البطالة الحقيقية قد تتجاوز 20% و30% من قوة العمل كحدٍّ أدنى، وهو ما يوازي حوالي 8 ملايين عاطل على أقل تقدير.

وفي الوقت ذاته جاءت تصريحات وزير القوى العاملة والهجرة محمد سعفان في يناير (كانون الثاني) 2019 صادمة؛ إذ أعلن جهود الدولة الموسعة والمستمرة لمواجهة البطالة وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب، مُضيفًا: «فرص العمل موجودة، إلا أن الشباب يرفض العمل رغم الجهود التي تبذلها الدولة»، وهي عبارة طالما رددتها أجهزة الإعلام من قبل سواء في الصحافة أو في البرامج التلفزيونية، فهل يأبى الشباب المصري قبول فرص العمل حقًّا، أم أن عبارة «الشباب مش عايز يشتغل» هي أسطورة صنعتها أجهزة إعلام الدولة المصرية؟

مصر نموذجًا.. تعرف إلى مصطلح «المعروض النقدي» وعلاقته بالتضخم

كيف يرى الإعلام المصري أزمة البطالة؟

لم تكن عبارة «الشباب مش عايز يشتغل» وليدة هذا العام، بل تم تداولها على مدار الأعوام السابقة في أكثر من مناسبة، وتداولتها وسائل الإعلام المصرية بكثرة، ففي أبريل (نيسان) 2017، على سبيل المثال، وصف الإعلامي المصري عمرو أديب الشباب المصري -عبر برنامجه «كل يوم» والذي كان يذاع على الفضائية المصرية «ONE»- بعبارة «تنابلة السلطان»، مُضيفًا أن الدولة المصرية تحتاج شبابًا لا ينتظر فرصة العمل، بل يسعى هو إلى خلق هذه الفرصة، وأن الشباب المصري يتصف بالكسل ولا يبحث عن شيء، وأنهى حديثه بعبارة: «إنت مش عايز حاجة، مش عايز تشتغل».

في الوقت ذاته تبنت العديد من البرامج التلفزيونية المصرية وجهة النظر هذه، ففي حوارٍ مع رئيس حزب «مصر الثورة» حسين أبو العطا، عُرض على الفضائية المصرية ببرنامج «الحدث اليوم» في أبريل 2018، أشار إلى أن الدولة المصرية لا تعاني من البطالة، بل على العكس من ذلك، تعاني من قلة الأيدي العاملة، مؤكدًا عدم رغبة الشباب المصري في العمل، إضافةً إلى افتقارهم للمهارات التي تحتاجها سوق العمل المصرية.

لم يتوقف الأمر على عبارة «الشباب مش عايز يشتغل»، بل تخطى ذلك بتصريحات عن عدم وجود بطالة في الدولة المصرية، جاء ذلك عقب المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون الشهر الفائت، وتحدث فيه عن وجود مليون طالب جامعي سنويًّا بلا عمل؛ إذ تردد عبر وسائل الإعلام المصرية تصريحات تفيد بأن البطالة في مصر هي عبارة عن «ادعاء»، كما وصفتها الإعلامية أسماء مصطفى في برنامج «هذا الصباح» على الفضائية المصرية «إكسترا نيوز»، مُضيفة أن الشباب هو العنصر الأساسي وراء هذا الادعاء؛ إذ يأبى أن يعمل، وهناك العديد من فرص العمل في مصانع بالعاشر من رمضان لا تجد من يعمل بها.

توافق هذا الرأي مع وجهة نظر الإعلامي تامر أمين في برنامجه التلفزيوني «آخر النهار»، المذاع على القناة الفضائية المصرية «النهار»؛ إذ قال في الحلقة المذاعة بتاريخ 8 يناير 2019: «نحن شعب ليس من أولوياته العمل»، مُضيفًا أن المصريين ليس لديهم ما يُعرف بـ«ثقافة العمل»، واصفًا الشعب المصري بالتهرب منه، مؤكدًا أن هناك العديد من الشركات والمصانع التي لديها الآلاف من فرص العمل المتاحة، وفي الوقت ذاته يرفض الشباب العمل بسبب إما ساعات العمل التي تصل إلى 10 ساعات، وإما لبعد المسافة بين مصانع العاشر من رمضان والسكن الخاص براغبي العمل، ويضيف: «الشباب عايز يشتغل سمسار، ويشيش على القهوة وهو بيعمل المصلحة»، وقد وافقه الإعلامي مفيد فوزي الرأي، مُشيرًا إلى أن الشباب المصري الآن يقع تحت سطوة «الكسب السريع»، ويتقاعس في المقابل عن العمل.

هل يأبى الشباب المصري حقًّا أن يعمل؟

خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد بقصر الاتحادية أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشهر الفائت، قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي: «في كل عام يتخرج أكثر من مليون شاب من الجامعات المصرية، أخبرني كيف أجد لهم عملًا، وما الذي عليَّ فعله؟»، كان هذا التصريح تناقضًا صارخًا لما تداولته وسائل الإعلام المصرية عن أزمة البطالة على مدار الثلاثة أعوام الفائتة، والتي واصلت التركيز على وجود فرص عمل كثيرة، وأن الشباب هو الذي يتقاعس ويرفض العمل.

في المقابل نشرت قناة «الحرة» الفضائية عام 2018، تقريرًا عن البطالة في مصر، أجرت خلاله مقابلة مع الشاب المصري علي عوض، خريج كلية الحقوق جامعة القاهرة، وعاطل عن العمل منذ ست سنوات، ولا يجد وظيفة تناسب مؤهله الدراسي، يقول عوض: «قمت بالتقديم على العديد من الوظائف الحكومية منذ اليوم الأول للتخرج، إلا أن جهات العمل كانت تفضل دائمًا الشباب ذوي الوساطة القائمة على العلاقات، أو هؤلاء ممن يدفعون مقابلًا ماديًّا للحصول على الوظيفة»، يؤكد عوض أنه قد قام بطرق جميع الأبواب من أجل الحصول على فرصة عمل، حتى أنه قد قام بالتقديم لدى إحدى شركات التوظيف بالخارج، إلا أن الأمر كان يحتاج نقودًا فوق مقدرته المالية ومقدرة أسرته.

وفي نهاية عام 2018، نشر الموقع الإخباري «مصر العربية»، تقريرًا بعنوان «3 أمنيات للمصريين في 2019.. هل يحققها السيسي؟»، حاور خلاله الموقع أفرادًا من الشارع المصري، تلخصت أمنياتهم في الحياة الكريمة وتوفير فرص عمل للشباب، ومراقبة ارتفاع الأسعار؛ فيقول علي عبد الله محاسب في القطاع الخاص، إن أمنياته تتلخص في توفير فرص عمل للشباب، والقضاء على أزمة البطالة، مُضيفًا: «الشباب مش لاقي شغل؛ إذ يضطر الشاب الذي قضى عمره كله في التعليم إلى العمل على عربة مأكولات وحلويات، أو سائق توكتوك، وحتى في هذه الحالة يتعرض لمضايقات من الحي»، ويوافقه الرأي العامل مصطفى متولي قائلًا: «البلد خالية من فرص العمل، وحتى القطاع الخاص يقوم بتسريح أعداد من العمالة والموظفين»، ويستكمل متولي حديثه: «كنت في السابق أعمل في شركة لصناعة الورق، وقد قامت الشركة بالاستغناء عن 50% من العمالة توفيرًا للنفقات، وبالرغم من أنني خريج كلية التجارة أعمل الآن في محل لبيع الملابس حتى أجد فرصة عمل أخرى».

على مدار السنوات الفائتة، أشار العديد من الشباب المصري إلى أنه حتى ومع توافر فرص العمل فإن الرواتب دائمًا لا تكون مجزية، وهو ما أشار إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ردًّا على أحد الشباب قائلًا: «عايز تقولي إن أنا مش عارف إن المرتبات بصفة عامة مش جيدة، طبعًا مش جيدة، عايز تقولي إننا المفروض نزود المرتبات، أيوة أنا عارف»، جاء هذا الحوار عام 2017، وفي العام الحالي، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار بشكلٍ مهول وبصفة دورية، إلا أن الإعلامي تامر أمين قد أشار من خلال برنامجه «آخر النهار» إلى أن الوظائف المتاحة ذات المرتبات المجزية التي أعلنها، كان مرتب الفرد يصل فيها إلى 1400 جنيه مصري، مُوضحًا أن هذا الرقم كبير ومجزٍ، ومع ذلك يأبى الشباب المصري قبول العمل في مصانع العاشر من رمضان، وهو حد أدنى للأجور تمت الإشارة إليه في جريدة «الوطن» المصرية على أنه لا يتناسب مع الظروف المعيشية الحالية، وجاء ذلك في ظل مطالبات اتحاد العمال في أغسطس (آب) 2018، برفع الحد الأدنى للأجور إلى 3500 جنيه مصري، حتى يتناسب مع الارتفاع الملحوظ في الأسعار، ويتمكن العامل المصري من المعيشة بشكلٍ آدمي ولائق.

هل ساهمت الدولة المصرية في تفاقم أزمة البطالة؟

يشير الدكتور أحمد عارف العساف، في دراسة بعنوان «سياسة الخصخصة وأثرها في البطالة والأمن الوظيفي للعاملين»، إلى أن ما تم بيعه في جمهورية مصر العربية منذ بداية سياسة الخصخصة عام 1991 وحتى عام 2002، قد بلغ 144 شركة بنسبة 42% من إجمالي شركات قطاع الأعمال العام، منها 44 شركة بيعت نهائيًّا، وبلغت حصيلة البيع 16 مليار جنيه، ذهب منها للخزينة العامة 7 مليارات جنيه، أما الباقي فقد تم تقديمه في صورة مكافآت نهاية الخدمة للعاملين، إضافةً إلى مكافآت المعاش المبكر، والتي بلغت قيمتها 3.6 مليار جنيه مصري.

وأشارت الدراسة أيضًا إلى أن عدد العاملين الذين تم تسريحهم من القطاع العام بين عامي 1991 و2002 قد بلغ حوالي 610 آلاف عامل وموظف، فيقول عن ذلك الباحث عارف العساف: «إن استخدام 19.3% من حصيلة الخصخصة في تمويل نظام المعاش المبكر يعتبر خطيئة اقتصادية حقيقية؛ إذ يعني أنه تم بيع خمس الأصول التي تمت خصخصتها من أجل دفع عدد من العاملين إلى صفوف العاطلين». وهو الأمر الذي يؤكده الدكتور عبد المجيد محمد راشد في كتابه «الكارثة والوهم»؛ إذ أشار إلى أن أزمة البطالة قد تفاقمت في مصر عام 2001 بشكلٍ أثار القلق، بوصفها نتيجة مباشرة لسياسات الخصخصة.

وفي تقرير للموقع الإخباري المصري المحطة نُشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، بعنوان: «إعادة إنتاج الماضي.. الخصخصة في مصر»، أشار التقرير إلى أن برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، والذي تبنته الحكومة المصرية بدءًا من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، كان أحد نتائجه هو حالة تخبط شهدها الاقتصاد المصري، إذ يعتبر برنامج الخصخصة من البرامج التي ينصح بها صندوق النقد الدولي البلدان التي تلجأ إليه لحل مشكلاتها، وبناءً على ذلك طرحت مصر أكثر من 23 شركة وبنكًا في سوق الأوراق المالية من أجل جمع حصيلة قدرها 80 مليار جنيه مصري، من بينها شركة «إنبي» الشركة الهندسية للصناعات البترولية والكيماوية، وقد جاء ذلك بعد توقف برنامج الخصخصة لأكثر من 10 سنوات، وهو الأمر الذي يتبعه برنامج لتسريح العمال، مما قد يؤثر بالسلب في معدلات البطالة، ويؤدي إلى تفاقم الأزمة.

ما وراء بيع القطاع العام في مصر: خروج مليوني موظف حكومي

لم يكن هذا هو السبب الوحيد لتفاقم أزمة البطالة؛ إذ شهد برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبنته الدولة المصرية منذ عدة سنوات تحولًا وتبنى سياسة الاقتصاد الحر، وهي سياسة تتيح للفرد القيام بأي نشاط اقتصادي يريده، إضافةً إلى حرية التعاقد بين الأفراد والمؤسسات دون تدخل من الدولة أو أجهزتها، وتعتمد سياسة الاقتصاد الحر على تحرير الاقتصاد، وجعل الأسعار مرتبطة بالعرض والطلب للسلع، بمعنى أن تترك الدولة السوق تضبط نفسها بنفسها دون تدخل من أجهزة الدولة في الأنشطة الاقتصادية، لكن تكمن عيوب هذا النظام في هيمنة بعض رجال الأعمال على بعض القطاعات واحتكارها والتحكم في الأسعار؛ هذا بالإضافة إلى التخبط الذي يشهده الاقتصاد نتيجة لذلك، إذ يشهد فترات من النشاط الاقتصادي مقابل فترات أخرى من الركود؛ مما يؤدي إلى بعض التأثيرات السلبية، مثل نمو معدلات البطالة.

المصادر

عرض التعليقات