«خرجت من المنزل للعب كرة القدم في الشارع مع الأصدقاء عام 1999، كنتُ آنذاك في التاسعة من عمري. توجهت للساحة التي اعتدنا لعب كرة القدم فيها، وجدت الجميع منشغلين، يقفون في الزاوية دون حراك، يتناقشون في أمرٍ جادٍّ وتتعالى الصيحات. حين اقتربت منهم انهالت عليَّ الأسئلة، هل تملك والدتك ماكينة خياطة قديمة؟ هل تملكون تلفازًا ألمانيًّا قديمًا؟ هل تريدون بيع تلك الأشياء بثروة طائلة؟ فهي تحتوي على الزئبق الأحمر الثمين! ألا تعرفه؟!» *مصطفى حسن – شاب مصري من الأقصر، تواصل «ساسة بوست» معه.

يكفي أن تجلس في أي تجمعٍ عربي، وتذكر فقط الاسم السحري «الزئبق الأحمر»، بعدها ستقع على مسامعك عشرات التعريفات، والقصص عن مادة الزئبق الأحمر. استخداماتها، وأماكن وجودها، وحتى أنواعها وأسعارها في السوق، وجميعها قصص، وأحداث لا تمُت للواقع أو للعلم بأي صلة!

قصص جيدة للسمر وإضاعة الوقت، وأساطير تناقلتها الأجيال وأضاف لها كل جيل روحَ عصره ونكهته، ولا تختلف قصة الزئبق الأحمر كثيرًا في الجانب العلمي، فمن اتهامات بالكذب والتضليل، واعترافات علمية وعسكرية صريحة بعدم وجود تلك المادة من الأساس، إلى الصوت المروِّج لوجودها والتجارة بها، واستخدامها في المجال العسكري لتصنيع أسلحة الدمار الشامل!

حالة من الضبابية والتشتت في حقيقة وجود تلك المادة من عدمه، شائعات وقصص عن أسطورة الزئبق الأحمر نتعرف إليها معًا في التقرير التالي.

الزئبق الأحمر: المادة الخارقة صنعها الاتحاد السوفيتي

ظهر مصطلح الزئبق الأحمر للمرة الأولى في أوروبا، وتحديدًا في الاتحاد السوفيتي، ومنه إلى شتى بقاع العالم، في فترة ما بعد الحرب العالمية تقريبًا؛ والمقصود بالزئبق الأحمر هنا، هو المادة المصنعة في المعمل، والتي ارتبط اسمها بالعلم السوفيتي الأحمر، وهي مادة غير موجودة في الطبيعة أو حتى التاريخ العلمي. 

يروج الكثيرون لوجود هذه المادة، مطلقين عليها صفات تجعل منها مادةً خارقة ذات خصائص خطيرة، الأمر الذي ساعد في خلق مزيدٍ من القصص والأساطير التي ربطت بينها وبين المجال العسكري وتصنيع القنابل الفتاكة شديدة الخطورة. 

عنصر الزئبق السائل (Hg)

على جانبٍ آخر يوجد عنصر «الزئبق» السائل، والذي يرمز له بـ(Hg)، وينتمي إلى عناصر المجموعة الثانية عشرة في الجدول الدوري؛ في الطبيعة سواءً في الماء أم الهواء أم الأرض، لكنه ليس أحمر أو ذا خصائص «خارقة»، وبين الواقع وتبني نظرية المؤامرة، لا أحد يستطيع الجزم بوجود مادة الزئبق الأحمر، من عدمه.

«إكسير الحياة ومُسخِّر الجان»: أساطير التراث الشعبي المصري

يوجد العديد من القصص التي لا حصر لها عن مادة الزئبق الأحمر في مصر، وترتبط أغلبها بالحضارة الفرعونية، فمن المتعارف عليه في مصر أن الزئبق الأحمر يوجد بداخل المومياوات، ويسعى الكثيرون ممن يعملون في مجال تهريب الآثار للعثور عليه وبيعه، ويدَّعي كثيرون حصولهم على تلك المادة من المقابر الملكية وتحديدًا من داخل أجساد الملوك المحنطة!

على جانبٍ آخر، وبسبب التصديق في هذه الخرافات التي قد تتيح فرصة نادرة للثراء السريع، زُهقت العديد من الأرواح وأُنفقت الأموال في محاولة الحصول على تلك المادة السحرية التي يعتقد المصريون أن لها خصائص كبيرة وخطيرة، منها استخدامها في عملية تحضير الجن وتسخيره، واستخدامه أيضًا للبحث والكشف عن الآثار والكنوز، بينما يرى آخرون أنه «إكسير الحياة» الذي يمنح الشباب والصحة والفحولة الجنسية الدائمة.

Embed from Getty Images

مومياء رمسيس الثالث 

لكن كل هذه الأقاويل، لم تثبت صحتها، بل انتشرت على نطاق واسع إلى كل دول الشرق الأوسط والعالم، ما زاد من الطلب على المادة في الأسواق العربية تحديدًا، وقد نفى علماء ومتخصصو الآثار حول العالم فكرة وجود مادة تسمى الزئبق الأحمر داخل المومياوات المصرية، مؤكدين أنها مجرد خرافة، تناقلتها الأجيال دون دليل حقيقي على وجودها.

الاتحاد السوفيتي مرة أخرى.. «القنبلة القذرة» وبداية الأسطورة

سعت جميع القوى الكبرى في العالم منذ الحرب العالمية الثانية لامتلاك أسلحة رادعة فتاكة، وكان السباق محمومًا بين الدول الكبرى. في أثناء الحرب الباردة برزت شائعات تتحدث عن مادة خطيرة لها إمكانيات غير محدودة أنتجها الاتحاد السوفيتي بكميات كبيرة ويروجها عبر العالم، كما نجح في إنتاج «قنبلة قذرة» تردع أي قوى أخرى في العالم، مما جعل السعي وراء هذه المادة أمرًا حتميًّا بين الدول العظمى.

عادت الشائعات مرة أخرى إلى الواجهة منذ بداية السبعينيات، وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي في التسعينيات، وأكدت تلك الشائعات وجود المادة واستخدامها في المجال الذري العسكري وأن روسيا صنَّعت منها قنبلة جديدة معقدة وخطيرة!

 وأفادت تقارير بأن الدول السابقة في الاتحاد السوفيتي هي مصدر بيع تلك المادة في السوق السوداء في ذلك الوقت لتوافرها بالمخازن السوفيتية دون استخدام، وسُجلت محاولات شراء وتهريب عديدة في دول شرق أوروبا دون دليل ملموس على ذلك.

علوم

منذ سنة واحدة
قنبلة القيصر.. ماذا نعرف عن أكبر تفجير نووي في تاريخ البشرية؟

نُسجت الأساطير والحكايات في أوروبا وأمريكا حول مادة الزئبق الأحمر، وكانت القصة الأكثر رواجًا ومنطقية بسبب تفسيرها العلمي؛ هي التي تحدثت عن طريقة استخدام الزئبق الأحمر في صنع القنابل الانشطارية الصغيرة والأشد فتكًا.

فقيل إن مادة الزئبق الأحمر تسمح بتقليص حجم القنابل الذرية لدرجة تساوي حجم كرة القدم الأمريكية وهو أمر خطير في المجال العسكري وإن صح حدوثه سيشكل هذا الاكتشاف خطرًا كبيرًا على العالم، لأنه حينها ستكون أي دولة أو مؤسسة أو حتى مجموعة أفراد قادرة على صنع قنابل فتاكة يمكنها محو أي أثر للحياة في محيط 600 متر على الأقل من الانفجار، كما أفادت المعلومات الشائعة آنذاك.

ساعدت القصص على انتشار الأسطورة بشكلٍ أكبر وظهرت قصص أخرى من روسيا تقول إن الزئبق الأحمر ما هو إلا كلمة سر، (شفرة أو كود) لعنصر (ليثيوم 6) الذي يُستخدم بالفعل في تصنيع القنابل النووية، ولاقت تلك الفكرة رواجًا كبيرًا أيضًا. ورغم ذلك لم يظهر دليل واحد مادي على وجود تلك المادة من الأساس في أوروبا أو غيرها، أو أعلن أحدهم عن امتلاك أي عينة منها للدراسة والتحليل.

حلم الثراء السريع: حمى ماكينات الخياطة وأجهزة التلفاز!

كانت الحكايات غير المنطقية عن الزئبق الأحمر منتشرةً بشدة في كل مكان، وزعم البعض أن الزئبق الأحمر يوجد في أعشاش الخفافيش – بالرغم من أنها في الأصل لا تبني أعشاشًا – وأن تلك المادة تعطي مالكها قوةً خارقةً وحياةً أبديةً، ويقدر ثمنها بملايين الجنيهات في السوق السوداء، ووصل الأمر إلى حد القول بأن مَن يحصل عليها يستطيع أن يحكم العالم!

في التسعينيات انتشرت معلومات مغلوطة وخيالية أكثر، عن أثرها، راح الجميع يبحث عن الزئبق الأحمر في منزله، فيما عرف بحمى ماكينات الخياطة وأجهزة التلفاز، بعد انتشار أقاويل تفيد بوجود مادة الزئبق الأحمر في أجهزة التلفاز الألمانية، وماكينات الخياطة القديمة، ما تسبب في حالة هوس وهلع بين العامة لشراء تلك الأشياء وبيعها مقابل أموال طائلة، حتى إن بعض الحكومات فتحت تحقيقات واسعة في الأمر لمنع انتشار الظاهرة كما حدث في السعودية.

الزئبق الأحمر: فخ الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط

انتشرت سمعة المادة الخارقة بين العرب، وتشير التقارير إلى محاولة  دول وحكام عرب الحصول عليها وتأمين شحنة منها بأي ثمن، منهم صدام حسين والعقيد معمر القذافي، وتبعهم في ذلك المليشيات والجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وهناك قصة شهيرة عن فشل محاولة أسامة بن لادن في الحصول على تلك المادة، فيما يذهب البعض إلى أنها كانت خطة من المخابرات الغربية لاصطياد المليشيات الراغبين في شراء تلك المادة أو بيعها دون عناء البحث عنهم، أو وضع ميزانيات كبيرة لتقفي أثرهم.

عملية احتيال وسرقة أموال طائلة

تؤكد العديد من التقارير حول العالم أن تلك المادة ما هي إلا طريقة للاحتيال وسرقة الأموال، وأن نسبة كبيرة من عمليات النصب تقع بسبب تجارة تلك المادة المزعوم وجودها، وتؤكد التقارير أيضًا أن حالات القبض على مروجي مادة الزئبق الأحمر كشفت عن لا شيء، وأوضحت بأن المواد المضبوطة هي مواد معروفة لدينا ولا تملك أي خصائص خارقة، وأنها عملية غش تجاري واحتيال لا أكثر، عن طريق اختراع كذبة عن وجود مادة غامضة ذات إمكانيات كبيرة في شتى المجالات الطبية والعسكرية، ما يسهِّل ترويج الوهم وجني الأموال، حتى إنها ما زالت إعلانات بيعها على صفحات الإنترنت قائمة إلى وقتنا الحالي، ويدَّعي كثيرون إمكانية علاجها لفيروس كوفيد-19 نوعًا من أنواع مواكبة روح العصر.  

الزئبق الأحمر: ما لا يمكن نفيه أو إثباته

«لا أريد أن أبدو ميلودراميًّا، لكن الزئبق الأحمر حقيقي وهو مرعب، وأعتقد أنه جزء من سلاح يهدد بنهاية المجتمع المنظم» * الفيزيائي الشهير وأبو القنبلة النيوترونية،(صامويل كوهين)

وقعت مجموعة من الاغتيالات أو عمليات القتل في أوائل التسعينيات بجنوب أفريقيا لعدة أشخاص تشتبه الحكومة في تورطهم بتجارة مادة الزئبق الأحمر، واتهمت الحكومة آنذاك عناصر إسرائيلية تابعة للموساد بالتورط في عمليات القتل. وبررت ذلك بسعي إسرائيل للسيطرة على سوق تجارة الزئبق الأحمر في العالم، والذي قيل إن تجارته مقسمة بين روسيا وجنوب أفريقيا وبريطانيا وألمانيا وأمريكا، ونشرت الصحف العالمية عشرات التحقيقات عن سوق تجارة المادة الخطرة دون دلائل واضحة تؤكد وجود المادة أو عدم وجودها.

الزئبق الأحمر

صورة يتداولها بائعو «الزئبق الأحمر» على وسائل التواصل الاجتماعي

على الجانب الآخر لم تعترف أي مؤسسة علمية أو عسكرية بوجود المادة على أرض الواقع أو استخدامها من الأساس، ومع ذلك يعتقد بعض العلماء المشهود لهم بالكفاءة في وجود المادة، وأنها شيء خطير للغاية ويهدد الحياة البشرية في حال استخدامها في صنع أسلحة الدمار الشامل.

من أشد المدافعين عن وجود مادة الزئبق الأحمر العالم الفيزيائي الشهير «صامويل كوهين» الذي ساعد أمريكا في صنع القنبلة الذرية في الأربعينيات، والذي اخترع لاحقًا القنبلة النيوترونية ويعرف بـ«أبو القنبلة النيوترونية»؛ إذ يؤمن كوهين بشدة في وجود تلك المادة وخطرها ويقول: «لا أريد أن أبدو ميلودراميًّا، لكن الزئبق الأحمر حقيقي، وهو مرعب، وأعتقد أنه جزء من سلاح يهدد بنهاية المجتمع المنظم».

من المؤمنين أيضًا بوجود الزئبق الأحمر لكن على استحياء، العالم «فرانك برنابي» المدير السابق لمعهد «ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام»، والذي يؤكد وجود المادة بشكل حاسم وارتباطها بجرائم قتل وحشية خاصة في جنوب أفريقيا، لكنه يؤكد أيضًا أن كل تحقيقاته التي جابت العالم عن المادة الغامضة لم ينتج منها أي شيء، ولم يتحصل حتى على عينة صغيرة منها.

لم يهدأ العالم عقب جرائم القتل التي وقعت في جنوب أفريقيا وأشرنا إليها، وأُجريت عشرات التحقيقات الدولية، لكن لم تصل لأي نتائج واقعية عن وجود المادة المزعومة واستخداماتها.

وما بين القصص والأساطير المنتشرة عن الزئبق الأحمر والتأكيد من بعض العلماء على وجودها وخطورتها لا نملك أي حقيقة مطلقة، ولا نعرف هل هي موجودة فعلًا، وتحاول الحكومات وأصحاب مصانع وشركات السلاح إخفاء وجودها عمدًا، مما يعزز نظرية المؤامرة؟ أم أنها محض خيال للاحتيال وجني الأموال، أو وسيلة للإيقاع بالجماعة المسلحة، والحمقى؟

وأخيرًا ما رأيك أنت عزيزي القارئ، هل تصدق في وجود الزئبق الأحمر وقوته الخارقة؟   

منطقة الشرق

منذ 10 شهور
سوق السلاح في الشرق الأوسط عام 2020.. أرقامٌ لن يريدك الحكام أن تعرفها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد