يزداد اليوم عدد العائلات التي تكتفي بإنجاب طفل وحيد؛ ففي الولايات المتحدة تترواح النسبة بين 20 إلى 30% من العائلات. لكن الطفل الوحيد لأبويه دائمًا ما يحظى بسمعة سيئة. فما إن تسمع أن هذا الطفل وحيد، حتى يتبادر إلى ذهنك صفات معلبة، مثل أنه أناني، ومدلل لأنه وحيد والديه، لا يتنافس على اهتمامهم، وخجول، ولا يختلط بالآخرين، ومن المخاوف التي تنتاب الأمهات والآباء أن يربوا طفلًا وحيدًا، وأنهم ربما يصابون بأمراض نفسية، فهل متلازمة الطفل الوحيد فعلًا حقيقية؟

صاغ مصطلح الطفل الوحيد خبير علم نفس الطفل في القرن التاسع عشر جرانفيل ستانلي هول، وصُنف الأطفال الوحيدون بصفات نمطية سخيفة، مثل أنهم غير اجتماعيين، وأنانيين، ويفتقرون للمرونة. وقال هول حينها إن «كونك طفلًا وحيدًا لهو مرض في حد ذاته». ومن ذلك الحين تنتقل المخاوف من نشأة الطفل بلا أشقاء من جيل لجيل.

لكن أحدًا لم يراع في بحث هول أنه جرى في وقت كان يعيش فيه كثير من الناس في المناطق الريفية، وكان الأطفال الوحيدون أكثر انعزالًا، ومن المحتمل أن هذه العزلة ساهمت في جعلهم أنانيين، وغير اجتماعيين آنذاك.

كان ينبغي لهذه الأسطورة أن تنتهي في أواخر الثمانينات، بعدما قام عالما النفس الاجتماعي توني فالبو، ودينيس بوليت، بعمل أبحاث لمقارنة الأطفال الوحيدين، بأولئك الذين يمتلكون أشقاء، ووجدوا أن الأطفال الوحيدين يسجلون درجات عالية في دافع الإنجاز والتحصيل الشخصي، وكانت نتائجهم كفيلة بأن تهدم هذه الأسطورة، لكنها ظلت لسبب غير معلوم.

أما عالمة النفس بجامعة تكساس في أوستن توني فالبو، فلا ترى أنه من الضروري أن يكون للمرء أشقاء ليكون طبيعيًا، فقد أجرت فحصًا استقصائيًا عام 1986، فحصت فيه أكثر من 200 دراسة تتناول هذا الموضوع، ولم تجد أي اختلاف بين الأطفال الوحيدين، وهؤلاء الذين لديهم أشقاء، إلا أن الوحيدين تربطهم بآبائهم روابط أكثر متانة.

ومن جانبه يقول دكتور فادي صفوت الأخصائي النفسي لـ«ساسة بوست»: إن «الطفل الوحيد إحصائيًا مثل الطفل الذي لديه أشقاء، فالأمر يعتمد على التربية، وعلى الطفل نفسه».

ويضيف أن «قلق الأهل على الطفل الوحيد يأتي من تجارب شخصية يحاولون تعميمها، فالصين مثلًا فيها إستراتيجية الطفل الواحد المفروضة على الأسر»، مؤكدًا أن هناك أبحاثًا أُجريت على ألف طفل لم تجد أية زيادة في أعراض الأنانية، والصفات النمطية عن الطفل الوحيد، وفي النهاية ينصح صفوت الأهالي الذين ينجبون طفلًا وحيدًا أن يتركوه يتعامل مع الأطفال في سنه، ولا يخشون عليه.

«متلازمة الطفل الوحيد».. أسطورة أم حقيقية؟

تقول جينيفر كليج، أستاذ علم النفس المساعد في جامعة ولاية تكساس الأمريكية، إن «حتمية» إصابة الطفل الوحيد بعيوب اجتماعية وعاطفية هو محض أسطورة. وتضيف «أن الأبحاث بيّنت أن الأطفال الأكبر في الأسرة يبدون مثل الطفل الوحيد، ولا تجد أحدًا ينمطهم بأنهم أنانيون، أو غير اجتماعيين».

أما الأبحاث التي أُجريت في المائة عام الماضية على الأطفال لبحث ما إذا كانت الصورة النمطية للأطفال الوحيدة صحيحة، فقد جاءت نتائجها مختلطة. لكن منذ سبعينات القرن الماضي، فغالبية دراسات الأطفال دحضت زيف وجود متلازمة للطفل الوحيد.

«التدليل مشكلة أبوية»

أجرت البروفيسورة سوزان نيومان رسالة دكتوراة عن حالة الطفل الوحيد، وذكرت فيها أن قاعدة واسعة من الأبحاث بيّنت أن الوحيدين ليسوا مدللون أكثر من عموم الناس. وأضافت «أن عالم اليوم شديد المادية، فيفسد الكثير من الآباء أبناءهم، ويدللونهم بغض النظر عن عددهم».

وتشير في نتائج رسالتها البحثية إلى أن التدليل مشكلة أبوية لا يمكن حلها بإنجاب طفلين بدلًا عن طفلٍ واحد. وهناك أطفال ليسوا وحيدون، لكنهم مدللون. ويعترف الأطفال الذين ليس لهم أشقاء أيضًا بأنهم ليسوا منعزلين، فعدم وجود أشقاء دفعهم إلى التركيز على الصداقة، والحفاظ على أصدقاء مقربين كبدائل.

لكن.. هل يجب أن يخاف الآباء على طفلهم الوحيد من العزلة؟

لا أحد سيلوم على الطفل الوحيد أن يكون منعزلًا، لكن لا توجد حتمية هنا أيضًا؛ فأطفال اليوم يتمتعون بوعي كبير، ولديهم فرصة قوية للاختلاط، في المدرسة، والمتنزهات، والملاعب، ويمتلكون الإنترنت الذي يفتح لهم آفاقًا واسعة.

ويتفق علماء النفس أيضًا على أن هناك العديد من العوامل المختلفة التي تساعد في تشكيل شخصية الطفل، فالأطفال يتأثرون ببيئتهم المنزلية والمدرسية أكثر من كون لديهم أشقاء أم لا، كما أن بعض الأطفال بطبيعتهم خجولون ومنطوون ويفضلون التقوقع على أنفسهم؛ ما سيجعلهم على هذا النحو بغض النظر عما إذا كان لديهم أشقاء أم لا.

عدد أطفالك لا يهم.. التربية الجيدة هي العامل الوحيد

إنجاب طفل واحد أصبح شائعًا في جميع أنحاء العالم، وعلى عكس الشائع تشير الأبحاث إلى أن شخصيات الأطفال الوحيدة تختلف عن الأطفال الآخرين، لكن بصورة إيجابية!

فقد حصل الأطفال الوحيدون على نتائج جيدة في اختبارات الاستقلال، بالإضافة إلى أن النتائج بينت أنهم أكثر ثقة في أنفسهم، فإذا كنت تخاف على طفلك الوحيد من أن يحظي بسمات معينة، ففي الغالب لن يكون الحل في إنجاب طفل آخر، لكن التربية السليمة، ووضعه على الطريق الصحيح، هو ما سيضمن له مستقبلًا صحيًا وطبيعيًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد