كشفت النتائج الأوّلية للدور الأوّل من الانتخابات الرئاسيّة التونسيّة، عن مفاجأة من العيار الثقيل، بعد فوز كلّ من أستاذ القانون، قيس سعيد بالمرتبة الأولى بنسبة تبلغ 19% – حسب التقديرات الأوّلية- واحتلال نبيل القروي، رجل الأعمال الموجود في السجن بتهم تتعلّق بغسيل أموال، المرتبة الثانية، بنسبة قدّرت بـ15%، فيما شهدت الانتخابات هزيمة كبيرة للقوى والأحزاب السياسيّة التقليدية، مثل «النهضة»، و«نداء تونس»، اللذين حلّ مرشّحاهما مورو والزبيدي في المرتبتيْن الثالثة والرابعة على التوالي، في مقابل وصول شخصيّتيْن من خارج منظومة الحكم إلى الدور الثاني.

وتأتي هذه الانتخابات الرئاسيّة التونسيّة في توقيت مُسبق؛ بسبب وفاة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في 25 يوليو (تمّوز) الماضي. في الأسطر التالية نتعرّف إلى كلّ من قيس سعيد، أستاذ القانون الفصيح، الذي نجح في تصدّر الانتخابات، رغم ميزانية حملته الانتخابيّة شبه المعدومة، ونبيل القروي، الذي حلّ ثانيًا رغم وجوده في زنزانة السجن. 

قيس سعيد.. «الرجل الآلي» يُنافس على قصر قرطاج

استطاع أستاذ القانون قيس سعيد الفوز بالمرتبة الأولى في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية التونسية، حسب التقديرات الأوّلية، ليصنع مفاجأة مذهلة للكثيرين؛ كونه لا ينتمي إلى أي حزب سياسي، ولم تشهد حملته الانتخابيّة تمويلًا كبيرًا مثل باقي المرشّحين. وقد اشتهر قيس سعيد من خلال مداخلاته الإعلاميّة للإدلاء بآرائه القانونيّة في القضايا الدستورية التي شهدتها البلاد منذ 2011، من منطلق خبرته الأكاديميّة الطويلة في القانون الدولي والدستور.

عُرف سعيد أيضًا بأسلوبه الخطابيّ المميّز، الذي يستعمل فيه اللغة العربيّة الفصحى حصرًا، ممّا أكسبه لقب «الرجل الآلي» توصيفًا لأسلوبه «الغريب» في الكلام، غير المألوف بالنسبة لباقي الطبقة السياسيّة، التي تتعمّد الحديث بأسلوب أقلّ رسميّة من أجل الوصول إلى الفئات الشعبيّة المختلفة، لكن – وحسب نتائج الدور الأول من الانتخابات- فإنّ هذا الأسلوب شديد الرسميّة في الخطاب، لم يؤثّر في حظوظه في الفوز، إن لم يكن أحد أسباب شعبيّته وفوزه بالفعل.

Embed from Getty Images

فوز سعيد وُصف بـ«الزلزال الانتخابيّ»؛ لأن الأستاذ الجامعي لا يملك غطاءً حزبيًّا يعتمد عليه، بالإضافة إلى أنّ حملته الانتخابيّة لم تعرف إنفاقًا كبيرًا عكس باقي المترشّحين، مع إصراره التام على رفض أي تمويل، سواءً كان من جهات خاصّة، أم حتّى عموميّة؛ حفاظًا على استقلاليّته الكاملة، وبالتالي فإن نجاح قيس سعيد في تحقيق الانتصار الانتخابيّ غير المتوقّع بإمكانيّة شبه معدومة، وبالاعتماد على شبكة من المتطوّعين الشباب المؤمنين بمشروعه الانتخابي، كان أمرًا مزلزلًا. 

عمل قيس سعيد أستاذًا للقانون بكليّة «الحقوق والعلوم الاقتصادية» في سوسة، ثم كلية «العلوم القانونية» بالعاصمة تونس سنة 1999، بالإضافة إلى عمله في لجان دولية قانونية، مثل «جامعة الدول العربية»، و«محكمة العدل العربية» و«المعهد العربي لحقوق الإنسان». ومن عالم القانون انتقل قيس سعيد إلى السياسة، ولكن ليس من بوّابة الأحزاب التي يرى أنّ عهدها «قد أفلس وولّى»، حسب قوله، ولكن عبر بناء شعبيّته من خلال مداخلاته في الإعلام، وأطروحاته المتعلّقة أساسًا بالجوانب القانونية والدستورية، بالإضافة إلى تحليلاته للأوضاع السياسية عبر القنوات الفضائية.

شاهد: فرحة حملة قيس سعيد الانتخابيّة بعد ظهور النتائج الأوّلية

ولعلّ ما جذب الناخب التونسي لاختيار قيس سعيد عوضًا عن باقي المترشّحين، يكمن في كونه مرشّحًا من خارج المنظومة السياسيّة والحزبية، والتي شهدت في السنوات الأخيرة الماضية العديد من الانقسامات والصراعات الفكرية والأيديولوجيّة، بالإضافة إلى الفضائح المالية وشبهات الفساد التي طالت العديد من وجوه السياسة، وهو ما جعل قطاعًا معتبرًا من التونسيّين ينفر من الحياة السياسيّة ككلّ، ممّا قد يفسّر أيضًا انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات التي لم تتجاوز 45%.

وعن سبب تصويته للمرشّح قيس سعيد، يتحدّث حسام الدين، الطالب الجامعي التونسي لـ«ساسة بوست» بقوله: «بالنسبة لي كطالب، أنا انتخبت قيس سعيد أوّلاً لأنّه خبير قانوني ودستوري، وليس حوله أي شبهات الفساد، مثل تبييض الأموال والتهرّب الضريبي، ولقد زاد اقتناعي به بعد مشاركته بالمناظرة الوطنية بين المترشحين، إذ بدا مهيمنًا على الساحة أمام منافسيه، وذلك من خلال حججه التي تدعم الشباب، وتعطي أهمية لهذه الفئة المهمشة في تونس».

أما فيما يخصّ التوجّهات السياسيّة والفكرية لسعيد، فيبدو من خلال الحوارات الصحافيّة حول القضايا المختلفة أنّه ينتمي إلى التيّار المحافظ المتديّن، ويبدو ذلك من خلال تأكيده رفض قانون المساواة في الإرث الذي طرحه الرئيس التونسي الأسبق الباجي قايد السبسي، وتأكيده وجوب «عدم تأويل النص القرآني»، بالإضافة إلى تأييده لعقوبة الإعدام.

وبالنسبة لبرنامجه الانتخابيّ، فإن الخلفية الأكاديميّة للمرشّح الرئاسي ألقت بظلّها على تصوّره للحلول التي تحتاجها تونس، إذ يرى سعيد وجوب «تأسيس جديد» للدولة التونسيّة من خلال حزمة من التعديلات الدستوريّة، لكنّ هذه المقترحات التي يعرضها برنامجًا انتخابيًّا لم تخلُ من أفكار قد تُلصق به تُهم الشعبويّة، خصوصًا مع عدم امتلاكه برنامجًا مفصّلُا بالنسبة للاقتصاد أو السياسة الخارجيّة وغيرها من الملفّات، بالإضافة إلى مقترحه المثير للجدل المتعلّق بإلغاء الانتخابات التشريعيّة، وإنشاء مؤسسات محليّة جديدة، تُفرز ممثّلين عن الشعب في رؤيته القائمة على «الانتقال من المحلّي إلى المركز كما حدث في الثورة التونسية سنة 2011».

«ديمقراطية عرجاء».. هل يُفشل مليارديرات تونس عملية الانتقال الديمقراطي؟

نبيل القروي.. هل يصبح أول رئيس مسجون مدني منتخب؟

الفائز الثاني في الدور الأول من الانتخابات الرئاسيّة، صنع بدوره مفاجأة صادمة لا تقلّ أهميّة عن تلك التي صنعها قيس سعيد، فرغم كونه موجودًا في السجن على ذمّة قضايا متعلّقة بتبييض أموال، استطاع نبيل قروي، رجل الأعمال التونسي وصاحب قناة «نسمة» الفضائيّة الفوز بالمرتبة الثانية، حسب التنائج الأوّلية، وقد حاز نسبة تقدّر بحوالي 15% من أصوات الناخبين التونسيين.

Embed from Getty Images

نبيل القروي، رجل الأعمال الشهير الذي كان الذراع اليمنى للرئيس السابق الباجي قايد السبسي، أثناء حملته الانتخابيّة سنة 2014، بالإضافة إلى كونه من مؤسّسي حزب «نداء تونس» رفقة الرئيس السابق، سرعان ما وجد نفسه معزولًا عن دوائر الحكم ومغضوبًا عليه من طرف السلطة، لدرجة أنّ البرلمان التونسي استصدر قانونًا يرى الكثيرون أنّه مفصّل على مقاس القروي؛ من أجل ثنيِه عن المشاركة في الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة، والمعروف باسم «قانون الإشهار السياسي»، وهو القانون الذي احتجّ عليه القروي بشدّة ورأى أنّه يستهدفه شخصيًّا من أجل منعه من الترشّح، ليستمرّ ترشّحه عمليًّا بعد أن رفض الرئيس السبسي التوقيع على القانون.

القروي الذي درس التجارة في فرنسا ليعود إلى تونس ويؤسّس شركة «المجموعة الدولية للإعلام والإشهار» في 2002، ويطلق بعدها في سنة 2007 قناة «نسمة» التي حازت في وقت قياسي انتشارًا كبيرًا في المغرب العربي؛ دخل المجال السياسيّ في البداية من خلال الدور الكبير الذي لعبه في الحملة الانتخابية للرئيس السابق السبسي سنة 2014، ليغيّر استراتيجيّته السياسيّة ويستعمل ورقة العمل الخيري، من خلال برنامج «خليل تونس» التلفزيوني على قناة «نسمة»، والذي كان بطله نبيل القروي يزور المناطق الفقيرة والمهمّشة؛ ليساعد العائلات المعوزّة هناك، وهو ما عده البعض دعاية انتخابيّة مسبقة آنذاك.

Embed from Getty Images

وقفة تضامنية تطالب بإطلاق سراح نبيل القروي

وقد أسّس القروي حزب «قلب تونس»، وأعلن ترشّحه للانتخابات في الثاني من أغسطس (آب) الماضي، ليجري إيقافه بعدها بأقلّ من شهر بتُهم تتعلّق بتبييض أموال والتهرّب الجبائي. ورغم وجوده في السجن، فقد تواصل ترشّحه للانتخابات الرئاسيّة التونسيّة، ليحجز لنفسه مقعدًا في الدور الثاني من زنزانته، في سابقة هي الأولى من نوعها في تونس، وهو ما يطرح إشكاليّة كبيرة في حال فوزه برئاسة تونس في الدور الثاني أمام قيس سعيد.

ومع هذه الحالة الاستثنائيّة، والمفاجأة والأولى من نوعها، التي تشهدها الساحة التونسيّة في ظلّ وجود مرشّح رئاسيّ في السجن وفوزه في الدور الأوّل من الانتخابات رغُم ذلك، يبرز السؤال الأهمّ: ماذا لو فاز نبيل القروي بالانتخابات الرئاسيّة؟ هل سيطلق سراحه؟ في ردّه على هذا السؤال، أجاب مساعد الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف إبراهيم بوصلاح في تصريحه لوكالة «فرانس برس» بالقول: إن القضاء «سيجد نفسه أمام حالة فراغ ومأزق قانوني، وهو ما يفتح الباب أمام الضغوطات والفرضيّات المختلفة»، وبالتالي فإنّ الأنظار كلّها في تونس ستتّجه صوب انتخابات الدور الثاني، التي يتوقّع إجراؤها منتصف شهر أكتوبر (تشرين الأوّل) القادم. 

«المونيتور»: السبسي يرحل تاركًا لتونس إرثًا محل خلاف ومستقبلًا غامضًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد