سبيلُ سعادةٍ ومراد عزٍ .. وإقبالٌ لمحسنة رئيسة

يسرك منظر وصنع بديع .. وتعجب من محاسنه الأنيسة

جرس سلساله عذب فرات … فكم أحيت بها مُهجًا بئيسة

نؤرّخه سبيل هدى وحسن … لوجه الله ما صنعت نفيسة

قبل أكثر من مائتي عام،  وعلى واجهة سبيلٍ حديث الإنشاء في حي الغورية بجوار باب زويلة، حيث شارع المعز لدين الله الفاطمي، نقشت تلك الأبيات على واجهة السبيل، تتغنى بفضائل تلك السيدة التي أمرت بإنشائه إلى جانب كتّاب لتحفيظ القرآن، والتي كانت تحظى حينئذ بحب واحترام العامة والأعيان على السواء.

بعد قرنين من الزمان، صحيح أن «سبيل نفيسة» قد خرج مبكرًا من الخدمة، وحل النظام التعليمي الجديد محل الكتاب، إلا أن عظم المبني ورمزيته، ومكانة صاحبته، قد جعل الحكومة المصرية ممثلة في «المجلس الأعلي للآثار»، تتعاون مع «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية»، للحفاظ على هذا الأثر التاريخي وترميمه بعد أن أصبح على وشك الانهيار – بدأ الترميم في 1995 وافتتح المشروع في 2005 في حفل صغير حضره مسؤولون مصريون وأجانب.

فمن هي السيدة نفيسة البيضاء التي تستحق كل هذا الاحترام والتبجيل، حتى ممن لم يروها أو يشهدوا عصرها؟

من هي «نفيسة البيضاء»؟

تدور  أحداث قصتنا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إذ تعود أصول «نفيسة البيضاء» إلي بلاد الكرج «جورجيا الحالية»، لا يُعرف نسبُها أو موطنها الأصلي علي وجه الدقة، لكنّها فصل آخر من حكاية كانت تتكرر كثيرًا في ذلك الوقت، يتعرض الأطفال للخطف من قرُي جورجيا وأصقاعها، ويُقتادون إلى إسطنبول للبيع في أسواق الرقيق، حيث ينقلهم التجار بعد ذلك إلى أسواق القاهرة، ليبتاعهم أحد البكوات، فيصيروا مماليك أو جواري، يجري إعطاء الجارية اسمًا عربيًا، تنفصل به بشكل كامل عن ماضيها، وتكتسب به هوية جديدة، ويتم تعليمها مبادئ الإسلام وتدريبها على واجبات الطاعة وقواعد السلوك في بيوت الأمراء، وفي حالتنا، فقد أعطيت الفتاة اسمًا، وهو «نفيسة بنت عبد الله»، وانتهى بها الحال لتدخل في حريم «علي بك الكبير».

كان «علي بك» مملوكًا من أصل جركسي كنفيسة، ، ثم اشتراه أحد أمراء المماليك في مصر، ولما امتاز به من قوة الشخصية والطموح، تدرج في المناصب القيادية حتى تولى منصب شيخ البلد سنة 1763، وهو المنصب الذي كان يلي منصب الوالي العثماني لمصر في الأهمية.

كانت نفيسة ذات جمالٍ أخّاذ – يُلاحظ اقتران اسمها في الوثائق بصفة «بيضاء» التي توضح لون بشرتها، وهو أمر شائع في ذلك العصر؛ حيث يوصف المملوك أو الجارية بصفة تصير جزءًا من تمييز هوية الفرد ومنشئه – فضلًا عما تمتعت به من جمال أخاذ وشخصية قوية، جعلها تتفوق على أترابها من حريم القصور المملوكية، فأسرت قلب سيدها، الذي هام بها حبًا، فاختصها بدار عظيمة تطل على بركة الأزبكية في درب عبد الحق، وكان ذلك هو الحي الذي ضم صفوة الطبقة الأرستقراطية في ذلك الوقت.

سيدة مصر الأولى؟

كانت تلك الفترة هي ذروة مجد علي بك الكبير، فقد سعى إلى طرد الوالي العثماني والانفراد بحكم البلاد، بل أرسل قائده محمد أبو الدهب لإخضاع الحجاز لسلطانه، فسيطر عليها وعلى الشام، وهكذا في أقل من عامين كان  سلطان علي بك يمتد ليشمل مصر والشام والحجاز، وتُسكّ العملة باسمه، وبالتأكيد فقد كانت تلك هي الفترة التي بدأت نفيسة تتعرف فيها – عن كثب – على شؤون السياسة ودسائسها، وعلى قوى المجتمع الأساسية، وأهل الحل والعقد من أمراء وأعيان وشيوخ.

غير أن علي بك قد تعرض لمؤامرة من أتباعه، إذ انقلب عليه قائده محمد أبو الدهب تحت إغراء العثمانيين، فعاد بالجيش أدراجه، والتقى الطرفان في «موقعة الصالحية» فكانت الهزيمة من نصيب علي بك الكبير، ثم أخذ أسيرًا ثم مات في 1773.

كانت العادة المملوكية تنص على أن يقوم أحد المماليك الأتباع بـ«فتح بيت» الأمير المتوفى، الأمر الذي يعني أن يقوم أبرز الأتباع بعقد قرانه على أرملة السيد المتوفى – أو المقتول – باعتبارها خطوة أساسية، ليس فقط للاستيلاء على جزء مهم من التزاماته وثروته العقارية، وضم بعض مماليكه تحت لوائه، بل كذلك كدلالة معنوية على انتقال القوة، وامتلاك التابع قوة السيد ومكانته، وقد كانت «نفسية البيضاء» من نصيب «مراد بك» الذي كان قد وقع في هواها قبل ذلك، بل إنه قد اشترط نظير موافقته على الاشتراك في خيانة علي بك الكبير، أن تكون نفيسة من نصيبه، وهو ما تم، على كلٍّ، فلم تمر شهور قليلة من تولي محمد أبو الدهب المشيخة حتى توفي، وقد آل حكم البلاد  بعد ذلك إلى إبراهيم بك ومراد بك.

مُنذ ذلك الحين، عاشت نفيسة مع مراد بك نحو رُبع قرن، فاحترمها وقدرها، وجعلها في مقدمة الحريم المملوكي،  حتى أنها قد اشتهرت في التاريخ باسمه هو «نفيسة المرادية»، لا باسم سيدها الأول «علي بك الكبير»، وكانت قد ورثت من زيجتها الأولى ثروة طائلة، وزادت عليها ثراء فوق ثراء بعد التحاقها بمراد بك، وقد كانت من أثرى نساء عصرها، نتيجة استثمار أموالها وتجارتها في الأسواق وإدارة وكالة خاصة بها.

وكما يورد د. ياسر ثابت في كتابه «قصة الثروة في مصر»، فقد كانت نفيسة تملك – إلى جانب القصور والبيوت والتجارة – جيشًا خاصًا، يتألف من نحو 400 مملوكٍ، وأسطول من السفن على النيل، و56 جارية واثنين من الخصيان في حاشيتها الخاصة.

وقد كانت تلك هي الفترة التي اتجهت فيها بأعمالها إلى الفضاء الاجتماعي، فعمدت في نهاية تسعينات القرن الثامن عشر إلى توظيف جزء كبير من ثروتها في عمل بعض المنشآت الحيوية التي تؤمن للناس بعض الخدمات الضرورية، فأنشأت حمّامين عموميين، يُستغل ريعهما لأعمال الخير، وسبيلًا وصهريجًا للمياه خلف باب زويلة، وأنشأت وكالة تجارية تشتمل على حوانيت، رُصد ريع إيجارها للإنفاق على السبيل والكتاب، وفوق الوكالة والحمَّامين كان هناك «ريع» لإسكان الفقراء بمبالغ زهيدة، وقد عُرفت تلك المجموعة المعمارية بـ«السكّرية».

كما أن مكانة السيدة نفيسة المتميزة، وشخصيتها الرائدة، قد جعلاها مقصدًا لأرباب السلطة وقوى المجتمع، فكانت هي لا ترد طلبًا لوساطة أو شفاعة، الأمر الذي جعلها تؤدي باستمرار دور الوسيط بين القوى المملوكية والمجتمع. كما أنه حين كثرت مظالم حكم إبراهيم بك ومراد بك في فرض الإتاوات و جمع الجبايات. حتى ضاق الناس بهذا الحال، كانت «نفيسة المرادية» تتدخل أحيانًا للحد من آثار المظالم التي يرتكبها زوجها في حق المصريين.

نفيسة تحظى باحترام الفرنسيين أيضًا!

جاءت الحملة  الفرنسية إلى مصر بقيادة «نابليون» عام 1798، وجعل مبرره الرسمي «تطهير البلاد من المماليك الغرباء الذين يستنزفون ثروة مصر ويظلمون أهلها»، وقد قاد مراد بك جيش المماليك لقتال الفرنسيين، فالتقى الفريقان بالقرب من شبراخيت في 13 يوليو (تموز)، وانهزم جيش المماليك، وفر مراد بك إلى الصعيد، فيما هرب إبراهيم بك والوالي العثماني من مصر.

ظلّت نفيسة في القاهرة، على بعد خطوات من بونابرت – الذي نزل بحي الأزبكية كذلك – وجيشه، ولم تلحق بزوجها في الصعيد، وقد اتخذت تلك المخاطرة اعتمادًا على عدة عوامل، فقد كان بونابرت – باستثناء بعض المواقف – حذرًا من المساس بحرمة النساء المسلمات بصفة عامة، والحريم المملوكي بصفة  خاصة، كي لا يثير حفيظة المجتمع، ولا تتسع دائرة العداء له ولجيشه، ومن ثم فقد كان المماليك مطمئنين على أن النساء سيظللن خارج دائرة الصراع العسكري، بعيدات عن استخدامهن كورقة ضغط في المساومات السياسية.

نابليون بونابرت

أضف إلى ذلك خصوصية علاقة نفيسة المسبقة ببعض الدوائر الفرنسية، فقد كانت على صلة وثيقة مع زوجة القنصل الفرنسي ماجللون كما أنها – وكما يذكر الجبرتي – كانت «تعارض زوجها مراد بك، وهو مطلق السلطان على مصر في مصادرة أموال التجار الأوروبيين وإرهاقهم بالضرائب والغرامات»، الأمر الذي يمكن أن يكون قد جعل لها دالة عند الفرنسيين بعد ذلك، منعها من بعض بطشهم، بل هيأ لها لعب دور الوساطة بين الفرنسيين وبين زوجها كما سنذكر لاحقًًا.

استغلت نفيسة بقاءها في القاهرة، فحمت نساء المماليك المنكوبين، وحافظت على أموال زوجها، وواست عددًا من الفقراء، ودفعت الغرامات عن غير القادرين، كما حافظت على «علاقات مجاملة» مع الفرنسيين، فسمحت بتمريض بعض جنودهم في قصرها، حتى إن كبير أطباء الحملة عندما ألف كتابًا باللغة العربية عن مرض الجدري، أهداها 50 نسخة منه، وقد استضافت نابليون على العشاء حيث أهداها ساعة مرصَّعة بالألماس.

ومع ذلك فلم تسلم «نفيسة» من بطش الفرنسيين تمامًا، بل عانت أحيانا كما عانى المصريون جميعا؛ فقَد فرض عليها أن تدفع ما يعادل مليون فرنك، مقابل حق الاحتفاظ بممتلكاتها، حتى إنها اضطرت إلى إدراج الساعة المرصعة بالألماس جزءًا من هذه الغرامة.

لم يمكث نابليون في مصر طويلًا، فما لبث أن غادر تاركًا أمر حملته إلى نائبه «كليبر»، وفي نفس الوقت كان مراد بك قد سئم القتال ضد الفرنسيين من الصعيد؛ إذ لم يكن معتادًا على هذا النوع من المعيشة، وسرعان ما بدأت الاتصالات والمفاوضات بين الطرفين، لعبت فيها نفيسة دور «الوسيط»، وتوجت بـ«معاهدة سلام» صار بمقتضاها مراد بك حاكمًا على الصعيد، وانسحبت القوات الفرنسية من قرى مصر العليا، كما تضمنت المعاهدة تسلم مراد بك  السلطة في القاهرة في حال جلائهم عن البلاد، لكن الأقدار قد سبقته، فأصابه الطاعون، ومات في أبريل (نيسان) 1801 ودفن في سوهاج.

وقد امتد احترام الفرنسيين لنفيسة حتى بعد وفاة زوجها، فأرسل لها القائد الفرنسي مينو برقية عزاء رسمية، وأمر بتخصيص معاش لها، بلغت قيمته 100 ألف نصف فضة شهريًا، وكان ذلك عملًا بوصية نابليون الذي أمر قبل خروجه من مصر بأن تُبذل كل الجهود لحمايتها ورعاية أمرها.

أُفول شمس أم المماليك

كانت التنافس بين الفرنسيين والإنجليز محتدمًا في كل بقاع الأرض، ومن بينها مصر، التي أرسل الإنجليز أسطولًا إليها، فتلقى الفرنسيون هزيمة قاسية، وزحفت القوات الإنجليزية إلى القاهرة، فلم تجد القوات الفرنسية بدًا من الاستسلام والخروج من مصر وفقًا لـ«معاهدة العريش»، ودخلت القوات الإنجليزية والعثمانية مصر، ومعها زعماء المماليك: إبراهيم بك، والبرديسي، والألفي، والسيد عمر مكرم. وقد استطاعت نفيسة بمهارة الحفاظ على حماية النظام الجديد مثلما فعلت من قبل، فصارت تُعرَف في تلك الفترة بـ«أم المماليك».

بدأ «مُنحنى الهبوط» في نفوذ ومكانة نفيسة في التسارع بعد أن تولى «خورشيد باشا» الولاية علي البلاد – وكان خامس من تولي حُكم مصر في غضون سنتين – أساء خورشيد باشا إلى السيدة إساءات بالغة، واستدعاها إلى قصره، ووجه إليها الاتهامات بتدبير ثورة في البلاد، فكان ردها عليه: «إن السلطان وعظماء الدولة رجالًا ونساء يعرفونني ويعرفون قدري، حتى الفرنسيين أعدائي وأعداؤك، لم أر منهم إلا التكريم والاحترام، أما أنت فلم يوافق فعلك فعل أهل دولتك أو غيرهم».

Embed from Getty Images

أفل نجم نفيسة مع أفول دولة المماليك

غضب خورشيد من السيدة غضبًا شديدًا، وأصدر أمرًا بإخراجها من قصرها في الأزبكية، وتحديد إقامتها في بيت الشيخ السحيمي بالقلعة، تحرسها بعض العساكر من العثمانلية، وهو ما أثار غضب قاضي القضاء العثماني وشيوخ الأزهر، فاضطر خورشيد إلى تخفيف حكمه، وخيرها أن تنزل ببيت أحدهم، فاختارت بيت الشيخ السادات، لكنها سرعان ما عادت إلى قصرها عقب انتهاء ولاية خورشيد باشا.

كان خروج خورشيد باشا من الحكم معزوًلا حدثًا مشهودًا في التاريخ المصري، فقد وقع الخلاف بين الوالي خورشيد باشا و«محمد علي» ، وقام جنود الوالي بأعمال سلب ونهب، فتوجَّه زعماء الشعب الغاضبين وعلى رأسهم عُمَر مكرم إلى محمد علي، وقرروا توليته حُكم البلاد، وغادر خورشيد باشا مصر في 1805.

عاشت «نفيسة» عقدها الأخير وهي تشهد تمدد سُلطان محمد علي، وانكماش نفوذ المماليك، نجح محمد علي في القضاء على القوة العسكرية للمماليك تمامًا، كما وأد أية إمكانية لعودتهم كقوة مؤثرة في مذبحة القلعة 2 مارس (أذار) 1811، وعندها صارت بيوت حريم المماليك مستباحة للعسكر و«أوباش العامة»، وأصبحت ممتلكاتهم عُرضة للنهب والسلب، كما أدت سياسة «الإحلال الطبقي» التي انتهجتها سلطة محمد علي وتصفيته لنظام الالتزام الذي كان يمثل مصدرًا مهما لدخل حريم المماليك، إلى انكماش ثروتها.

عاشت نفيسة الخاتون أيامها الأخيرة في فقرٍ وجهد، صارت حبيسة النسيان بعد أن كانت يومًا ملء السمع والبصر، ومع ذلك فقد بقيت على مروءتها حتَّى أيامها الأخيرة، فأبقت على عادتها في مساندة الفقراء، ولم تقطع المساعدات التي كانت قد نذرتها في أيام عزها لمساكين البلاد، ماتت نفيسة البيضاء عجوزًا فقيرة بعد أن كانت «سيدة مصر الأولى» على مصر، في يوم الخميس 19 أبريل عام 1816 في بيتها الذي بناه لها علي بك الكبير، ودفنت بجواره، وبعد موتها استولى محمد علي باشا علي هذا البيت وأسكن فيه بعض أكابر دولته. لقد ماتت «أم المماليك» في نفس الفترة التي كانت فيها طبقة المماليك نفسها تستقبل أيامها الأخيرة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد