حاز حزب نفتالي بينيت سبعة مقاعد من 120، لكنه سيصبح رئيس وزراء إسرائيل الجديد. من هو؟ وكيف نال المنصب؟

اشتعل جدلٌ بين نفتالي بينيت – وزير التعليم الإسرائيلي آنذاك – ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بعد انتقاد الأول للمهاجمين على الجندي الإسرائيلي الذي قتل فلسطينيًّا مُقاومًا أقعدته على الأرض إصابته قبلها بدقائق. وقال نتنياهو بحدة: «لن تعظني عن دعم جنود الجيش، لقد قدت جنودًا أكثر منك في المعارك».

ورغم نقاشهما المشتعل، يتشابه كلاهما أكثر مما يختلف، ولكن بينيت يصف نفسه بأنه «أكثر يمينية» من نتنياهو.

خدم نفتالي بينيت في الجيش في وحدتين، إحداها الوِحدة 269، وتسمى أيضًا وحدة ماتكال، وهي وحدة نخبةُ المغاوير (الكوماندوز) الإسرائيلية، والتي عملَ فيها نتنياهو سابقًا، ولكن نفتالي خدمَ لوقت أطول منه على عكس ادعائه.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 أسابيع
«هآرتس»: كيف خسر نتنياهو سياسيًّا وعسكريًّا في جولة القتال الأخيرة ضد حماس؟

وعمل بينيت مديرًا لموظفي نتنياهو في بداية عمله السياسي، وانتمى لحزب الليكود اليميني قبل أن ينشق وينضم لحزب البيت اليهودي في مايو (أيار) 2012، واستمر في دفاعه عن المستوطنات في الضفة الغربية ومهاجمة إقامة دولة فلسطينية، واستغل الأزمات السياسية جيدًا، وكان غالبية أنصاره من المستوطنين واليمينيين المتطرفين، مثلَ معلمه نتنياهو.

ولكن بعض هؤلاء الأنصار – ناخبين كانوا أو أحزاب – مالوا ناحية بينيت هذه المرة، وهو يتفاوض الآن لإزاحة أستاذه السابق وتولّي رئاسة حكومةٍ تضم أحزابًا بأهداف سياسية متعددة ومتباينة، رغم أن حزبه نال سبعة مقاعد فقط من أصل 120 مقعدًا.

في هذا التقرير نبحث في تاريخ بينيت، لنعرف المزيد عن كيفية وصوله إلى موقعه هذا، وكيف يفكر، والأثر الذي قد يحدثه توليه رئاسة وزراء إسرائيل.

«ولدت علمانيًّا وترعرت أرثوذكسيًّا» 

ولد نفتالي بينيت في حيفا عامَ 1972، وقبل نحو خمس سنوات من ذلك وصلَت عائلته اليهودية الأمريكية إلى الأراضي المحتلة من مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، تحديدًا بعد شهر من حرب 1967.

وبحكم عمل والده في العقارات، سافر بينيت مرتين أثناء طفولته، فقضى نحو خمس سنوات خارج الأراضي المحتلة، حتى استقر فيها وهو في العاشرة من عمره، وارتاد نفتالي مدرسة دينية في تعليمه الثانوي، وانضم لمنظمة بني عكيفا الصهيونية الدينية، وأصبح قائدًا شبابيًّا لمجموعته.

وحاز بينيت شهادة في القانون من الجامعة العبرية في القدس، قبل أن يسافر للولايات المتحدة عامَ 1999، وكان يحمل جنسيتها في ذلك الوقت ولكنه تنازل عنها لاحقًا ليصبح عضوًا في الكنيست.

Embed from Getty Images

نافتالي بينيت مع حاخام تل أبيب في مسيرة في بولندا، في حدثٍ سنوي للتعريف بالهولوكوست

يقول بينيت أنه ولد علمانيًّا، ولكن نشأته كانت أرثوذكسية، ويقود اليوم حزبًا يجمع بين العلمانيين والمتدينين، وينادي باتحاد الإسرائيليين على اختلاف توجهاتهم، والتزم بتعاليم اليهودية قبل أن يتحول للعلمانية عند انضمامه للجيش، ثم عاد وارتدى الكيباه بعد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين (1992-1995)، ويقول إنّه عاد للدين أكثر بعد تصاعد الاستياء من المتدينين اليهود لأن رابين اغتيل على يد يهودي أرثوذكسي.

«ماتكال» ثم «مجلان».. مسيرة عسكرية تفوق مسيرة نتنياهو

سبق وأن أشرنا إلى أن ما قاله نتنياهو لبينيت إنه «قاد جنودًا أكثر منه» غير صحيح؛ إذ خدم نتنياهو لنحو خمس سنوات فقط في جيش الاحتلال، وأعفي من خدمة الاحتياط، بينما خدمَ بينيت لقرابة ستة أعوام، بين 1990 و1996، وظلَّ مدرجًا في قوائم الاحتياط حتى اليوم، وعادَ بالفعل ليخدم في العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006.

انضم بينيت لوحدتين من وحدات النخبة في الجيش، الأولى هي «ماتكال»، التي انضم لها نتنياهو إبان خدمته، والثانية هي «مجلان»، التي اختصت بالعمل خلف خطوط العدو.

سياسة

منذ 3 سنوات
«هآرتس»: من ستدعم روسيا في حرب لبنان القادمة: إسرائيل أم حزب الله؟

وكان بينيت حاضرًا في مجزرة قانا عام 1996، ووفق شهادة بينيت، وقعت سريته في فخ نصبته مدفعية حزب الله، فاستنجد بالمدفعية الإسرائيلية التي ضربت مركز الإيواء التابع للأمم المتحدة لتقتل 106 شخصًا.

وعامَ 2018 أثير جدلٌ في الإعلام الإسرائيلي حول دور بينيت في المذبحة، بعد أن اتهمه الصحافي الإسرائيلي يجال ساما باتخاذه قرارات منفردة دون الرجوع لقادته، وقال صحافي آخر: إن صوت بينيت في أجهزة اللاسلكي كان مذعورًا ما شكل ضغطًا تسبب في خطأ المدفعية في توجيه الضربات.

ولعبت مسيرة بينيت العسكرية دورًا مهمًّا في حياته، وكان تأثيرها المفصلي عليه عام 2006، حين انضم نفتالي لقوات جيش الاحتلال في لبنان، وشهد حينها ما وصفه بأنه تحسن كبير في جاهزية حزب الله، وتراجع في أداء جيش الاحتلال وقادته، وهو ما جعله يرغب في الانتقال من ريادة الأعمال إلى حلبة السياسة.

المليونير الجديد يدخل عالم السياسة

قبل ستة شهور من اندلاع حرب تموز، أتم بينيت صفقة بيع شركة البرمجيات «كيوتا» لخدمات مكافحة الاحتيال، بـ145 مليون دولار ليصبح مليونيرًا، وباع لاحقًا – في 2009 – شركة «سولوتو» التي كان يقودها بصفقة قيمتها 130 مليون دولار، وحَلُمَ ببناء شركة إسرائيلية على غرار شركة «نوكيا» الفنلندية، واهتم بينيت بقطاع التقنية، ويروّج لبيئة القطاع في إسرائيل باعتبارها ثاني أنسب مكان لازدهارها بعد وادي السيليكون.

دخلَ بينيت عالم السياسة لتحقيق رؤيته العسكرية والاقتصادية، وللمفارقة كان ذلك عبر بنيامين نتنياهو، الذي عينه مديرًا لفريق موظفيه حين كان زعيم المعارضة بين عامي 2006 و2008، وكانت أيليت شكد رفيقة بيننيت التي استقطبته للعمل في مكتب نتنياهو، قبل أن ينشقّا سويًّا عن الحزب ليكملا مغامرتهما السياسية.

وفي 2010 عُيِّن بينيت مديرًا عامًا لمجلس «يشع» للمستوطنات، وهو هيئة تمثل المستوطنات في الضفة وغزة وتضغط على الحكومة لصالح سكانها. وفي سبيل ذلك تحدى المجلس خطط وقف بناء المستوطنات في ذلك العام وتوعد بمضاعفة مشاريع البناء داخل المستوطنات، وكان ذلك المنصب فرصةَ بينيت لإثبات انتمائه للصهيونية المتطرفة لآخر الخط.

في مايو 2012، أعلن نفتالي بينيت، وعمره 40 عامًا وقتها، انضمامه لحزب البيت اليهودي، ومعه رفيقته أيليت شكد، وبعد عدة أشهر نجح في انتخابات الحزب الداخلية بنسبة 67%، ثم حصد الحزب نحو 10% من المقاعد في انتخابات 2013 (12 مقعدًا)، وكان للعلمانيين دورٌ بارزٌ فيها، ليبدأ بينيت في إزعاج نتنياهو، رغم أنها أولى تجاربه السياسية الحقيقية.

وبعد الإنجاز الكبير للحزب، حظي بينيت بثلاثة مناصب في الحكومة الجديدة، وزير الاقتصاد، ووزير الشؤون الدينية، ووزير القدس، وهي وزارة معنية بالتنسيق بشكل خاص بين الحكومة الإسرائيلية وبلدية القدس، وكان بينيت أحد أعضاء المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية.

وفي انتخابات 2015 تراجعت حصّة الحزب ليحصد ثمانية مقاعد فقط، ولكن بينيت نجح في الحصول على منصب وزير التعليم، ووزير شؤون الشتات، وأخذت صديقته أيليت وزارة العدل.

وسعى نفتالي خلال توليه وزارةَ التعليم لكسب قاعدة علمانية أكبر، فأطلق خطة قومية لدعم دراسة العلوم والرياضيات، ورفع ميزانيات الحركات والمنظمات الشبابية وبرامج تدريب ما قبل الخدمة العسكرية.

وفي 2018 خرج بينيت من حزب البيت اليهودي مع مجموعة من أعضائه الآخرين، ليؤسس مع العلمانية أيليت شكد حزب «اليمين الجديد»، الذي يجمع بين الصهاينة العلمانيين والمتدينين، وشغلت شكد منصب وزيرة العدل في الفترة بين 2015 و2019.

Embed from Getty Images

السياسي اليميني نافتالي بينيت مع حليفه الحالي يائير لابيد، وسيشكّلان معًا حكومةً هدفها الأول التخلص من بنيامين نتنياهو

وخسر بينيت مقعده في الكنيست في انتخابات أبريل (نيسان) 2019، فيما بدا وكأنها نهايته السياسية، ولكنه شكل تحالف «اليمين المتحد»، الذي ضمّ أحزاب اليمين الجديد والبيت اليهودي وتاكوما، بقيادة أيليت شكد، ونال التحالف سبعة مقاعد، وتحول لاحقًا إلى تحالف «يمينا» الذي خاضَ بينيت الانتخابات الحالية تحت مظلّته.

وعُِّين بينيت وزيرًا مؤقتًا للدفاع في حكومة نتنياهو المشكّلة بعد انتخابات سبتمبر (أيلول) 2019، واستمر في منصبه قرابة ستة أشهر، حتى أبريل 2020.

وخاض التحالف الانتخابات المُتكررة والتالية تحت قيادة بينيت، ونالَ ستة مقاعد في انتخابات مارس (آذار) 2020، رغم انسحاب حزب الصهيونية الدينية من التحالف في بداية العام.

وأخيرًا، نال بينيت فرصته لقيادة حكومة وحدة بعد اتفاق أتمه مع زعيم حزب «يوجد مستقبل»، يائي لبيد، رغم حصول تحالف «يمينا» على 7 مقاعد من أصل 120 مقعدًا فقط.

ما يجب أن تفعله إسرائيل.. من وجهة نظر بينيت

يقول بينيت: «طالما حظيت بالقوة والسيطرة، لن أسلِّم سنتيمترًا واحدًا من أرض إسرائيل»، جاء حديثه هذا في مقابلة سابقة، ليؤكد على موقفه المعلن بأنه يرفض حل الدولتين، ويعتقد أن فيه هلاك إسرائيل، ويقترح أن يستحوذ الاحتلال بالكامل على «المنطقة ج» ويضمها بأكملها لمناطق دولته، فيما يعرف بـ«خطة الاستقرار»، ووفق اتفاق أوسلو، تُدير السلطة الفلسطينية في هذه المنطقة فقط الشؤون الخدمية.

بينيت يشرح خطته لضم أراضي الضفة وغزة لدولة الاحتلال.

أيليت شكد، شريكة بينيت في الحزب، توافق على نفس الخطة أيضًا، بحسب تصريحات سابقة لها. وليس هذا فقط، بل يعِدُ بينيت بأنه سيفعل كل ما بوسعه ليتأكد أن الفلسطينيين لن ينالوا دولة مستقلة.

وتعددت تصريحات بينيت العنصرية ضد الفلسطينيين والعرب. ففي عام 2013، تفاخر بينيت بأنه «قتل الكثير من العرب»، وفي حديث آخر قال: «نحن محاطون بأكثر الناس جنونًا في العالم»، وفي لقاء مع «نيويوركر» عام 2004، قال: «لا يمكنك أن تعلم القرد الكلام، ولا يمكنك أن تعلم عربيًا الديمقراطية».

وأحد الملفات المهمة التي قد تتصدر فترة حكم بينيت هي الاتفاق النووي مع إيران، الذي تتفاوض إدارة جو بايدن على إحيائه مجددًا بعدما انسحبَ منه إدارة دونالد ترامب، وهي محاولات تعترض إسرائيل عليها، وعارض بينيت الاتفاق النووي من البداية، وتحديدًا إتاحة تخصيب اليورانيوم لإيران، ووصفه بـ«الخطأ المريع».

وفي مقابلة حديثة أفاد بينيت بأنه لا يعارض وجود اتفاق، بل يعارض «الضوء الأخضر» الذي يمنحه الاتفاق لإيران لصنع سلاح نووي، ويقترح بينيت بدلًا عن ذلك أن توضع إيران تحت ضغوط متعددة حتى تقبل باتفاق يسمح بمراقبة تطوير الأسلحة الإيرانية، لا النووي فحسب.

أمًّا عن حزب الله فهو يرى أنه لا يمكن فصل حزب الله عن البنية التحتية والشعب في لبنان، بل إنه لا يمكن فصل لبنان عن إيران، وأن إسرائيل لا تفرق بينهما، في محاولة لشرعنة قتل المدنيين اللبنانيين، مثلما حصلَ في حرب تمّوز 2006، ولأي عدوان إسرائيلي مستقبليّ ضد لبنان.

بينيت بلا مواربة صاحبُ شهية مفتوحةٍ على الحرب، ويشرحُ تصوّره عنها في لقاء له مع مجلة «بوليتيكو» عام 2018، قال فيه: إنّ «لا يمكن أن نخسر أي حرب. علينا أن نحاول منع الحروب قدرَ استطاعتنا، ولكن علينا أن ننتصر»، مهما كانت الكلفة، فبينيت يُصوّر إسرائيل محاطةً من كل جانب بالأعداء وخسارةُ الحرب، أي حرب، تعني نهاية إسرائيل بالنسبة له.

لم يوافق بينيت سابقًا على تسليم جثث المقاومين الفلسطينيين لذويهم، لكنه قد يقبل بتسليم الأسرى الفلسطينيين في مقابل جثث الجنود الإسرائيليين التي وعد بإعادتها، وذلك وفق مقترح مصر في مساعيها الراهنة للوصول لاتفاق هدنة طويل الأمد بين جيش الاحتلال والمقاومة.

توحي آراء بينيت بأنه أكثر يمينية وتطرفًا من ننتياهو بالفعل، وهو قومي متطرف يحب الظهور التليفزيوني المتكرر، الذي كثيرًا ما يسبب له الإحراج، مثلما حدث في الفيديو الأخير عندما ادعى أن مشفى الشفاء الموجود في غزة يستعمل قاعدة لإطلاق الصواريخ، بينما ظهر في الصورة مشفى باكستاني يحمل الاسم نفسه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد