في 30 أغسطس من العام 2006 توفي نجيب محفوظ أثر قرحة نازفة، حجز بسببها عشرين يومًا قبل وفاته في مستشفى الشرطة، في الذكرى الثامنة لوفاته؛ هذه رحلة قصيرة في عوالم الرجل المتعددة.

من حي الحسين إلى العباسية إلى نوبل!

لا يخطئ قارئ لنجيب محفوظ تأثره بحيّ الحسين الذي تربَّى فيه، فجميع رواياته تقريبًا وحتَّى مجموعاته القصصية تدور هناك في حيّ الحسين والجمالية والأزهر ومصر القديمة. وعندما انتقل نجيب محفوظ إلى العباسية كتبَ عنها، بل كتبَ أيضًا عن الفتى الصغير الذي انتقل للعباسية وصار يحنّ لحي الحسين ويزوره من حين لآخر (وهو في كل هذا يقصد نفسه).

بتتبع أعمال محفوظ وجدنا أنه: في البداية كتب عدة روايات تاريخية، ثمَّ كتب روايات عبَّرت عن أزمات وجودية وفكرية لدى أبطالها، ويتضح هذا في العديد من رواياته في الخمسينيات، وفي الثلاثية هناك أكثر من شخصية تتشكك في وجود الخالق، وتبحث أكثر وأكثر، ولكنها لا تصل لشيء في النهاية.

من واقعية إلى واقعية أخرى

إذا كانت روايات محفوظ في بداياته اتخذت منحى الواقعية الاجتماعية، وكانت كلها تدور في حي الحسين بشخصيات واقعية، حتى اعتبره معظم النقاد المعبر الأبرز للمجتمع المصري وللواقع المصري – السياسي وغيره-، فإنها أخذت طريقها إلى منحى آخر يسمى بالواقعية السحرية، نجد هذا في العديد من رواياته التي تدور في مكانٍ ما، لكنها بلا زمان وشخصياتها شخصيات رمزية، تمزج الواقع بالخيال. وبهذا فإن محفوظ أدخل على فن الرواية العربية أداة جديدة من الأدوات الروائية لم تحظَ بها من قبل.

 

Naguib Mahfouz

عام 1988

النُّقَّادْ لا يأبهون بمحفوظ، وسيد قطب يقدمه!!

بدأ محفوظ نشر أعماله في الجرائد والمجلات في نهاية الثلاثينيات، لكنَّ أحدًا من النقاد لم يأبه به، وحسب ما هو متوفر من المعلومات فإنَّ أول من كتب عن محفوظ هو الأديب ـ المفكر الإسلامي لاحقًاـ سيد قطب، حيث كتب عنه في مجلة الرسالة عام 1944، لكنَّ أحدًا لم يهتم بمحفوظ بشدة إلا في بداية الخمسينيات.

عام 1962 مع أم كلثوم والصحفي الكبير محمد حسنين هيكل

وقد تحولت العديد من روايات وأعمال نجيب محفوظ إلى أعمال سينمائية، صادف بعضها نجاحًا كبيرًا، وصادف الآخر فشلاً إلى حدٍ ما، بالجملة يرى بعض النقاد أن تحويل أعمال محفوظ للسنيما ساهم في تشويه صورته، حيث لم يبرز من أعماله إلا جانبًا واحدًا.

نقد قادة الثورة أم نقد الذات الإلهية؟!

بعد ثورة يوليو 1952، ظل محفوظ لا يكتب لعدة سنوات، بعدها بدأ نشر فصول روايته الجديدة “أولاد حارتنا”، والتي قابلها نقد شديد ومنع من الأزهر، وهجوم من مفكرين إسلاميين آخرين، كانت هذه الرواية سببًا في محاولة اغتياله الفاشلة عام 1995، حيث قام أحد الشباب بطعنه بسكين في رقبته، مما تسبب في توقف محفوظ عن الكتابة بعد شفائه.

 “إنَّ في أعماق قلبي وروحي إيمانًا بالله لم تنتزعه مني دراستي للفلسفة ولا تفكيري المتصل في مشاكل الإنسان والمجتمع والكون”.    *من حوار رجاء النقاش معه.

حسب رأي بعض النقاد فإن محفوظ كان يقصد بهذه الرواية نقدًا لقادة ثورة يوليو، بالجملة فإن محفوظ تحفظ بشدة على نشر روايته إذا لم يوافق الأزهر الشريف على نشرها، وتوقف نشرها بالفعل. وقد ظل محفوظ يؤكد طوال حياته أنَّه شخص مؤمن بالله، وأنَّ الحس الصوفي منتشر دومًا في روايته، وبالفعل يظهر ذلك الحس الصوفي عند بعض شخصيات رواياته، وكذلك هناك روايات كاملة تتمحور حول التصوف الإسلامي، مثل الجزء الكامل في روايته “أصداء السيرة الذاتية” الذي جعله للشيخ “عبد ربه التائه”.

“كلمات لنجيب محفوظ بعد محاولة اغتياله الفاشلة.”

محفوظ يتجرأ وينتقد في رواياته فقط!!

إذا كان قد عرف عن محفوظ بأنه لم يكن معارضًا سياسيًّا في أيٍ من عهود الحكم التي مرّ بها في مصر، فإنَّ العديد من رواياته تعبر عن بعض أفكاره، بل وبعض “تنبؤاته”. في روايته “يوم قتل الزعيم” يحكي محفوظ قصة حبيبين مخطوبين منذ سنوات، ولا يستطيعان الزواج بسبب الانفتاح الاقتصادي الحادث في عهد السادات، وفي نقاش بين العاشقين يقول أحدهما للآخر: هل ينفعنا قتل مليون؟ فيقول الآخر: قد ينفعنا قتل واحد فقط. وهذا ما حدث بالفعل، فقد قتل السادات! يمكن تطبيق هذا الموقف الرمزي على العديد من روايات محفوظ.

“سألت الشيخ عبدربه التائه: متى ينصلح حال البلد؟، فأجاب: عندما يؤمن أهلها بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة”.

تمثال بمصر لمحفوظ

وأيًّا كان موقف النقاد أو حتَّى القراء من رواية نجيب محفوظ التي كانت سببًا ـ إلى جانب أربع روايات أخرىـ في فوزه بجائزة نوبل 1988، فإنَّ الحس الإيماني والروحي في أعمال محفوظ لا يخفى على أحد. وإذا كانت حياة بعض أبطاله تدور حول المجون، وبعضها حول الشك، فإن الكثير من أبطاله تدور حياتهم حول الإيمان بالله. وأيًّا كان فإنَّه من الصعب الحكم على إيمان شخص من خلال أعماله الأدبية، وقد ترك محفوظ سجلاً كاملاً من الحكم والمواعظ، هذه كانت إحداها: “في الكونِ تسبحُ المشيئة، وفي المشيئة يسبحُ الكون”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد