يقف شخص غريب تحت الشرفة، يصرخ ويبكي: «بمبى يا صلاح؟ بمبى ولسه البلد خربانة؟ بمبى ودم اخواتنا لسه مبردش فى سينا؟». قصة تداولها المثقفون والفنانون كانت أحد أسباب اكتئاب حاد أصاب الشاعر صلاح جاهين حتى وفاته. ثار هذا الغريب بعد عرض فيلم «أميرة حبي أنا»، عام 1974، الفيلم الذي كتبه صلاح جاهين بأوامر عليا، من أجل «فرفشة» شعب لم يخل فيه بيت من شهيد أو جريح. 

لم يكن هذا الغريب سوى نجيب سرور، الذي كان اعتراه الألم وعصف بوجدانه وهو يشاهد الفيلم، فأية «حياة وردية» يراها جاهين في حياة المصريين تحت حكم أنور السادات؟

نجيب سرور.. ابن الشقاء وربيب الفقر

«أهذا أبي؟

ونحن العيال لنا عادة

نقول إذا أعجزتنا الأمور «أبي يستطيع»

فيصعد للنخلة العالية

ويخدش بالظفر وجه السما

ويغلب بالكف عزم الأسد

ويصنع ما شاء من معجزات

أهذا أبي؟»

*من قصيدة «الحذاء» لنجيب سرور

ولد نجيب سرور عام 1932، في قرية إخطاب، وفي صغره، رأى عمدة القرية يضرب والده بالحذاء في استسلام ظل محفورًا في ذاكرته حتى خط قصيدة «الحذاء». ليكبر الطفل على كراهية الإقطاع، واستسلام الفلاحين المعدومين. كُره دفعه لدراسة الحقوق، التي لم يجد فيها ما يحمي الحقوق، فاتجه لدراسة الفنون المسرحية، وانضم سرًا إلى جماعة «حدتو» الشيوعية.

المصدر: وسائل التواصل الاجتماعي

وبمراجعة شريط حياته، نجد أن سرور لم يترك باب إبداع إلا وطرقه؛ من تأليف وترجمة وإخراج وصحافة ونقد وتمثيل سينمائي ومسرحي أيضًا. لم يكتب نجيب سرور في الشعر والمسرح لتشكيل مدرسة أدبية، ولم يحلم يومًا بالتأثير في كتّاب وشعراء آخرين؛ بل اختار ألا يكون جزءًا من مسرحية هزلية أبطالها رموز الوسط الثقافي، فلا هو شاعرهم الكبير ولا أباهم الذي علمهم إياه على منضدة المقهى الثقافي. 

تمتع سرور بحس نقد رفيع، فأنجز عددًا من الشروحات النقدية في الأدب والمسرح، مثل: «تحت عباءة أبي العلاء»، و«هكذا قال جحا»، و«حوار في المسرح»، و«هموم في الأدب والفن»، و«رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ»، بجانب عدد من المقالات النقدية في بعض الدوريات الأدبية، بعضها متاح في كتاب للدكتور حازم خيري بعنوان: دون كيخوته المصري (دراسة علمية وثائقية لحياة وفكر نجيب سرور).

شارك سرور أيضًا في تمثيل عدد من المسرحيات، وظهر في دور صغير في بطولة فيلم «الحلوة عزيزة» عام 1969 مع الفنانة هند رستم، وتوقف عرض آخر مسرحية قام بالتمثيل فيها، عام 1977، بعنوان «كازيون»، رغم تقديمها في عرض محدود بقصر ثقافة الغوري، لكن الرقابة وجدت فيها ما يستوجب منعها من الاستمرار.

عودة الابن الضال.. مأساة نجيب سرور في بودابست

سافر سرور إلى روسيا نهاية الخمسينيات، في بعثة لدراسة المسرح وفن الإخراج. لم تمر أشهر على وصوله حتى اندلعت أزمة بين مصر وروسيا، لتطالب مصر بعودة كل مبعوثيها إلى أرض الوطن. رفض سرور الاستجابة للقرار، وأكمل دراسته بمنحة مغربية، ودعم من بعض الصحف اللبنانية اليسارية التي كتب لها.

لم يكن تمرده على القرار وحده سببًا في سحب الجنسية المصرية منه بعد ذلك، فقد هاجم جمال عبد الناصر فى أحد المؤتمرات التضامنية مع الشعب الكوبي، ووصفه بالدكتاتور؛ يستدعي حشود الشعب متى يشاء، ويلغيها وقتما يشاء، ويطرد منه من يشاء وقتما يشاء؛ فطرده.

ساءت الأوضاع في روسيا أمام فنان ماركسي متزوج من امرأة روسية، ما اضطره للسفر إلى بودابست للعمل في إذاعة عربية. لكنه لم يتحمل -لأسباب غير معروفة- فكتب يناشد الناقد والصحفي رجاء النقاش التدخل لإعادته إلى مصر. كتب النقاش مناشدة لوزير الثقافة آنذاك، في مقالة بعنوان «مأساة فنان مصري في بودابست»، أثنى فيها على موهبة سرور، وحمّل شخصيته التي تشكو من عذاب داخلي لا حد له ذنب ما يمر به في غربته، لتكن مناشدة أب لأب للحنو على ابن يسيء الظن بالناس والحياة ويعاني أمراضًا روحية، رسالة تأديب للابن الضال الذي سافر وعصي الأوامر.

خمسة أعوام قضاها سرور يتخبط في بلاد الغربة، يعيش محنة لا يعرف أحد طبيعتها، لكن الفزع في قلبه كان باديًا في كلمات أرسلها إلى والده، ونقلها النقاش في مقالته، قال فيها: «أبي العزيز.. أكتب إليك راجيًا أن تتمالك أعصابك حتى تمر عاصفة أجتازها الآن، وإذا حدث لي فجأة شيء ما، أي شيء، فاعلم أنني مقتول لا منتحر، وأن وراء قتلي أصابع صهيونية بالمجر وأصابع من المعادين للاتحاد السوفيتي – بحكم أن زوجتي سوفيتية – ولذلك أرجو أن تصر على تشريح الجثة، وأن أُدفن في مصر. الأيام القادمة أيام حاسمة، سأتصل بك بعدها تليفونيًا فور مرور العاصفة بسلام، أما إذا لم تمر، فوداعًا يا أعزائي جميعًا.. وداعًا وإلى لقاء يا تراب مصر».

ناطق في كتيبة خرساء

وصل سرور وطنه ليودع في المعتقل، ويُعذب على يد صلاح نصر، قبضة ناصر الحديدية. فترة سجلها سرور في آخر نصوصه «فارس آخر زمن»، وهي سيرة ذاتية لم تر النور، إلا مقتطفات نشرتها صحيفة «الأخبار» اللبنانية، ضمن ملف «نجيب سرور.. هاملت المصري».

خرج سرور من المعتقل ليحاضر في معهد الفنون المسرحية، ويُخرج عددًا من المسرحيات كتبها آخرون مثل «بستان الكرز» لأنطوان تشيخوف، و«وابور الطحين» لنعمان عاشور. على مدار ثماني سنوات سبقت وتلت نكسة مصر في عام 1967 كتب سرور أجزاء ثلاثيته المسرحية «ياسين وبهية»، و«آه يا ليل يا قمر»، و«قولوا لعين الشمس»، والتي اتخذ فيها الريف المصري أرضًا لمعركة بين الأمل واليأس.

حققت الثلاثية تلاؤمًا بين التراث الشعبي وبين قضايا العصر، نهج «بريخت» الذي اتبعه سرور في التزام كاتب المسرح الملحمي بالتعبير عن قضايا مجتمعه وعصره في السياسة والاجتماع، وهدم مفهوم الحائط الرابع الذي يفصل الجمهور عن المسرح، وينصبه ناقدًا اجتماعيًا، مدركًا لأن أحداث المسرحية ليست حقيقية مجردة، وإنما توضيح لحالات بمدلولات سياسية يجب أن تغير في الحياة الحقيقية التي يعود إليها بعد خروجه من المسرح.

يموت ياسين على يد رجال الباشا الإقطاعي؛ لأنه قاد أهل القرية في ثورتهم ضد الإقطاع وأحرقوا قصر الباشا، بعد أن استولى على محصول الفلاحين المعدومين، وحاول سلب شرف بهية التي نسجت حلمها وانتظرت أن يأتيها الحبيب بالعدل في عالم مأساوي. يموت ياسين وتنهزم مصر في عام 1967، فيُصاب سرور بحزن عميق، ويُحمّل جمال عبد الناصر مسؤولية تلك النتيجة الأسيفة.

تشبث سرور بنجومية الستينات، فكتب مسرحيتين نثريتين هما «الكلمات المتقاطعة»، و«الحكم قبل المداولة»، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن؛ وقعت مذبحة «أيلول الأسود» بحق اللاجئين الفلسطينيين بالأردن، عام 1971، فكتب سرور مسرحيته الممنوعة «الذباب الأزرق»، وتحركت المخابرات الأردنية لمعاقبته، واستجابت لها السلطة المصرية، فطُرد من عمله، وأصبح عاطلًا حتى أُودع بأوامر عليا في مصحة عقلية.

قتامة الأحداث والمصائر

«وزير من الوزر مش صدفة ولا تلفيق.. هاتولي واحد نزيه وشريف ويبقى وزير» من قصيدة «أميات» لنجيب سرور

ضحكات قاتلة للجمهور في تسجيل نادر تتبع صوت نجيب سرور يلقي قصيدته الوحيدة باللغة العامية «أميات»، الاسم الذي كرره النقاد بعد حذف اللفظة الأولى من عنوان أشهر قصائد الهجاء للواقع السياسي المصري، والتي أثارت جدلًا واسعًا في الفترة بين عامي 1969 و1974 من القرن الماضي، هذه القصيدة التي أراد شهدي سرور نجل الشاعر نشرها على موقع والده على الإنترنت، بعد 20 عامًا من وفاته، فتداهم قوة من «شرطة الآداب» منزله، وتتهمه بحيازة «مواد إباحية» بهدف نشرها.

خرج سرور من المصحة العقلية يردد على مسامع الجميع أسماء من خانوا الصداقة؛ ثروت عكاشة، ويوسف السباعي، ونجيب محفوظ، بعدما منعته حراسة وزير الداخلية من دخول غرفة زوجته الفنانة المصرية، سميرة محسن، في فترة لم يخف فيها على أحد سر استغلال المخابرات المصرية الممثلات المشهورات، وتصويرهن لابتزازهن لاحقًا. هلع أصاب سرور ودفعه للاشتباك مع صديقه القديم نجيب محفوظ، واتهامه بخيانته مع زوجته، ليهدده محفوظ بإيداعه في السجن مرة أخرى.

تبع القصيدة اتهامات بالفسوق والجنون، لشاعر لقبه أصدقاؤه السابقون بـ«شاعر العقل»، فأودعته السلطة في مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية للمرة الثانية. قضى نجيب سرور أشهرا هناك، في قسم سري «عنبر الحالات الخطرة -قسم أول»، وهناك قابل طلابًا في الجامعة، وعمالًا في مصانح النسيج، وأساتذة في الجامعة، خص منهم بالذكر إمام محمد إمام أستاذ الذرة بجامعة الإسكندرية في الستينيات.

والذي نشأت بينهما علاقة صداقة أساسها جلسات الكهرباء والمهدئات القوية والتشخيص الطبي بالعدائية والجنون والضلالات المشاركة، حتى سعت إدارة المستشفى لفصلهما، بعد تقرير طبي أفاد بأن الحبيسين يتحدثان كثيرًا ويضحكان، ويرددان أشعار مسرحية «ياسين وبهية».

مؤامرات الصمت والتجاهل

«خرجت من مستشفى الأمراض العقلية بمعجزة حطامًا أو كالحطام! خرجت إلى الشارع.. إلى الجوع والعري والتشرد والبطالة والضياع وإلى الضرب في جميع أقسام البوليس المخلص في تنفيذ أغراض الأعداء والمحسوب علينا من المصريين أو نحن العرب!» *رسالة نجيب سرور إلى يوسف إدريس

خرج نجيب سرور من المصحة العقلية في السبعينيات، فكتب رسالة لصديقه القاص يوسف إدريس، نشرتها مجلة «أدب ونقد»، رسالة استعطاف ولوم على الأخير بعدما نشر مقالًا في مجلة «الدوحة» بعنوان «تعليق على حفلة تجريح»، في رد منه على محاولات تجريحه ممن وصفهم سرور بـ«الصعاليك المرتزقة جرذان الصحافة في مصر». لام سرور على صاحبه يأسه وتعبه وضيقه بوجوده كله بعد مؤامرة حاكها النظام السياسي بتجاهل يوسف إدريس وإبقائه بعيدًا وعمدًا من حفلات التكريم وجوائز الدولة التقديرية، بسبب معاركه مع الشيخ الشعراوي وأنور السادات.

طال غضب سرور في رسالته كل من يكتب ليكون كاتبًا عظيمًا، ووصفه بالنصاب العظيم. كان جليًا أنه يسقط هذا الوصف على الأديب نجيب محفوظ؛ فما هي غير سطور قليلة حتى أنكر نجيب سرور على محفوظ ثوريته، ووصفه بأنه كاتب الطبقة الوسطى المصرية المستعدة دائمًا لخدمة أية سلطة، وأديب منتم إلى أعمق أعماق الانتماء إلى السلطة الحاكمة مهما كانت سياستها ضد رفاقه من الوسط الثقافي.

غضبٌ من العالم صبه سرور على إدريس برسالته، حين لامه على حزنه لمقتل الأديب يوسف السباعي، عام 1978، على يد عدد من الفصائل المسلحة اعتراضًا على اتفاقية السلام مع إسرائيل. كتب سرور أن مقالة إدريس «إني أتهم وأريد أن أنتقم» كانت أسوأ ما كتب في حياته، فقد جعل من الخونة أبطالًا، ومن القتلة شهداء، وخلط بين الأعداء والأصدقاء، فلا يكفي أن يكون القتيل مصريًا، فهناك قتلة مصريون كثيرون.

جاءت استغاثة سرور على استحياء في نهاية رسالته، سأل صديقه زيارته والاطمئنان عليه، بعدما تحالفت على جسده الأمراض، وطلب منه مساعدته لنشر ثلاثية «ياسين وبهية» لتوفير بعض المال من أجل العلاج وتوفير سكن لأسرته، لكن الطلب ظلّ معلقًا.

هذي العظام حصاد أيامي

«هو لم يمت بطلًا ولكن مات كالفرسان بحثًا عن بطولة

لم يلق في طول الطريق سوى اللصوص

حتى الذين ينددون كما الضمائر باللصوص

فرسان هذا العصر هم بعض اللصوص».

*نجيب سرور في وصف حياته قبل الرحيل

نجا مثقفو الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من الموت مرات، اغتيال مادي ومعنوي، لكن سرور وحده من قرأ خبر وفاته في صحيفة «روزاليوسف» ثم في صحف لبنانية، بعد محاولة لاغتياله خنقًا. وفي يوم الأربعاء، 25 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1978، تصدر الصفحة الأخيرة من صحيفة «الأهرام» عنوان تقرير في خمسة أعمدة، «توفيق الحكيم يفقد ابنه الوحيد عازف الجيتار»، مع صورتين بالحجم الكبير.

كل من قرأ الصحيفة في ذلك اليوم من حادي البصر، وجدوا خبرًا في نهاية الصفحة، من 64 كلمة، كانوا نصيب خبر وفاة نجيب سرور عن عمر 46 عامًا. كلمات لم تسع للاعتراف بما كتب من دواوين شعرية ومسرحيات وكتب نقدية لا يزال بعضها مفقودًا أو منقوصًا. 

رحل سرور في أحد بيوت الدلتا كما وُلد، بعد أن قضى ثلث حياته في المصحات العقلية بين القاهرة والإسكندرية، تاركًا لولديه العناء والرفض إرثًا يلاحقهما، ووصية: «يا بني بحق التراب وبحق حق النيل، لو جُعت زيي ولو شنقوك ما تلعن مصر».

فنون

منذ 6 سنوات
في ذكرى وفاته: الشيخ إمام أول سجين بسبب الغناء في الثقافة العربية

المصادر

تحميل المزيد