حركة مجتمع السلم تعيش مرحلة انتقالية من المشاركة إلى المعارضة في مشاركتها بالانتخابات أو مقاطعتها، وفي ذكرى رحيل المؤسس محفوظ نحناح، يعود الحديث مرة أخرى إلى مشاركة الحركة الحكومة في تسيير شؤون الدولة، فهل كانت هذه المشاركة نافعة للحركة والوطن؟ وما هي نظرة الحمسيين للتمييز الوظيفي للحركة الإسلامية؟ كل هذا عبر تقرير سريع حول مسار حمس بالحكم وملف التمييز الوظيفي، وما هو المنتظر من قرار تجاه تشريعيات 2017؟

مرّ أسبوع على احتفال السلطات الجزائرية بذكرى 19 يونيو/ جوان، الذكرى الواحدة والخمسين للتصحيح الثوري، يعتبره مؤرخون وسياسيون معارضون للنظام السياسي بأنه أول انقلاب عسكري في تاريخ الجزائر المستقلة، انقلاب وزير الدفاع آنذاك «هواري بومدين» على الرئيس «أحمد بن بلة»، في حين يحتفل به تيار واسع من الإسلاميين في صورة أربعة أحزاب أو أكثر على أساس hنه يوم لرحيل المؤسس والزعيم الإسلامي المعتدل «محفوظ نحناح»، رحل عن هذه الحياة عام 2003.

«محفوظ نحناح» أو الداعية السياسي كما تسميه بعض وسائل الإعلام، و«المتطرف» الذي حاول الاستيلاء على السلطة بسياسة المشاركة كما تصفه -لحد الآن- جهات عدائية للإسلام السياسي، ورجل الوسطية والاعتدال كما ترغب في مناداته الأوساط الإسلامية المناصرة لخطه السياسي، تفرقت حركته إلى ثلاث أو أربع حركات وأحزاب أخرى بعد وفاته، في حين تداول على منصبه في رئاسة الحركة الأم «حركة مجتمع السلم» قياديون في صورة «أبو جرة سلطاني»، والحالي «عبد الرزاق مقري».

وفي شهر يونيو/ جوان 2016 غادر آخر اسم محسوب على الإسلاميين الحكومة الجزائرية، بعدما قضى أكثر من 16 سنة وهو وزير متنقل بين عدة قطاعات حكومية، الوزير «عمر غول» الذي ينسب نفسه لحد الآن إلى إستراتيجية الشيخ الراحل «نحناح»، بالرغم من انشقاقه وتأسيسه لحزب «تجمع امل الجزائر– تاج» غادر الحكومة في التعديل الحكومي، وهو الذي أنشا حزبه «تاج» على أساس المشاركة في الحكومة، وتطبيق برنامج رئيس البلاد «عبد العزيز بوتفليقة».

ما هو نهج الشيخ محفوظ نحناح؟

حتى الآن ما زالت الأحزاب المنبثقة والمنشقة عن حركة مجتمع السلم «حمس»* لم تتفق على ماهية النهج والمشاركة التي تبناها الراحل «محفوظ نحناح»، وهل تعتبر إستراتيجية دائمة وصالحة لكل زمان ومكان، ومعروف أن الإسلامي وقف مع النظام السياسي بمشاركته في رئاسيات 1995، حين كانت تنادي أحزاب عديدة بمقاطعة الاستحقاقات الانتخابية بعد الانقلاب الدموي الذي شهدته الجزائر بداية عام 1992، وتوقيف المسار الانتخابي الذي فازت بأغلبيته الساحقة الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

سياسة المشاركة التي رسمها «نحناح» لمسار حركته جعله يشارك بالحكومة في فترة متقدمة من الأزمة، وسمح لإطارات حزبه الإسلامي بالاستفادة من تجربة العمل الحكومي في صورة أبي جرة سلطاني وعبد المجيد مناصرة وآخرين، وفي هذا الصدد يذكر الخليفة الثاني للراحل على رأس الحركة «عبد الرزاق مقري» رفضه المشاركة في الحكومة لمعارضته سياسة الموالاة التي انتهجتها الجماعة في ذلك الوقت، أي منذ عام 1996.

ومع أي حدث سياسي واستحقاق انتخابي في البلد، تعود إلى «حركة مجتمع السلم» نقاشات ساخنة وصراعات حول سياسة المشاركة في صورة أنصار الموالاة، وضرورة العودة إلى الحكومة «والتي تعتبر أقلية في الحزب» ويتصدر هذا الجناح الرئيس السابق «أبو جرة سلطاني»، والجناح المتمثل في إبقاء الحركة في سياسة المعارضة، وضرورة تجسيد مطلب الحريات والانتقال الديمقراطي، وعدم المشاركة في الحكومة إلا بتوفير جو ديمقراطي نزيه في الانتخابات، الجناح مدعوم بقرارات المؤتمر الأخير للحركة الذي يقوده الرئيس الحالي، والذي تصفه وسائل الإعلام المحلية بالسياسي الراديكالي تجاه النظام السياسي لـ«عبد الرزاق مقري».

وترى أحزاب مثل «حركة البناء الوطني» التي تمثل تيار الإخوان بحسب مصادر من الجماعة في مصر، و«جبهة التغيير الوطني» أن سياسة المشاركة في الحكومة ومسك العصا من الوسط هو الحل الذي يحفظ «المشروع الإسلامي» في الجزائر، ولا يمكن أن يحدث تغيير في البلد من دون وجود علاقات قوية مع صناع القرار في السلطة، وهي الخلافات الحادة التي نخرت قيادة وقاعدة الحركة الأم في أوقات سابقة، خاصةً بعد وفاة المؤسس الراحل الشيخ «نحناح» مباشرة.

ماذا كسبت «حمس» من سياسة المشاركة بالحكومة؟

لا يمكن لأي تيار موالٍ أو معارض للسلطة أن يجيب عن هذا السؤال بدقة، الإسلاميون وسلوكهم السياسي يعتبر علامة استفهام كبيرة في المعادلة السياسية، والراهن السياسي المعاش حاليًا، خاصةً مع مشاركة جزء من الحركة الإسلامية بالسلطة، وارتباطها لقرابة عقدين من الزمن، ففي وقت عانت فئة واسعة من الإسلاميين من اضطهاد واستبداد النظام السياسي في صورة أنصار «الجبهة الإسلامية للإنقاذ– الفيس» كان حزب الراحل «محفوظ نحناح» يتمتع بكافة الصلاحيات والسلطات كباقي أحزاب السلطة لفترة طويلة قاربت 16 سنة كاملة.

وبالرغم من مخالفة جماعة «حمس» لجماعة «الفيس» بخصوص المغالبة، إلا أن المتابعين للشأن السياسي، يرون أن ترشح «محفوظ نحناح» عام 1995 لسباق الرئاسيات، وحصوله على أكثر من «ثلاثة ملايين» صوت، يعتبر قياسًا للوعاء الانتخابي، وتخوفًا من تطبيق نهج المغالبة عن طريق الصندوق والمشاركة، وقدرة كبيرة على تعبئة الجماهير، جعل من السلطة تعمل على كسر جناح «الإخوان المسلمين» داخل البلاد، بدايةً من منع ترشح «نحناح» لرئاسيات 2009، والانخراط في دعم مرشح السلطة عبد العزيز بوتفليقة، وممارسة التزوير خلال جميع الاستحقاقات الانتخابية المتوالية.

كما تعتبر مشاركة أبناء «حمس» في دوائر حكومية ووزارية، إنهاكًا للموارد البشرية الدعوية للحركة، ونقلها من ميدان الدعوة والقدوة إلى ميدان السياسة والتجارة، خاصةً مع فقدان الكفاءة السياسية والإدارية في التسيير، بالإضافة إلى تورط عدد من المسؤولين في قضايا فساد في صورة أبناء الوزراء، وكذلك الطريق السيار «شرق- غرب» في عهد الوزير الحمسي سابقًا «عمر غول».

وساهمت الحقائب الوزارية التي استفادت منها «حمس» في تشويه الصورة لدى الرأي العام، كما لعبت وسائل الإعلام المحلية دورًا كبيرًا في الضغط على الحركة الإسلامية في الدفع بها إلى الخروج من الحكم عام 2012، وهي الحادثة التي ساهمت في انشقاق حزب تجمع أمل الجزائر «تاج» عن الحركة الأم، وتأسيس الحزب من قبل الوزير آنذاك «عمر غول» بقاعدة المشاركة السياسية في الحكومة، ومواصلة نهج الشيخ الراحل «محفوظ نحناح» حسب قيادات الحزب المنشقة.

وأقرّ الراحل «نحناح» قبل وفاته بعام تقريبًا بخصوص النسبة الضئيلة في تشريعيات عام 2002، بالتراجع في مقاعد البرلمان بحوالي 50%، وأرجع سبب ذلك إلى جملة من المبررات من بينها «الخطاب الهادئ» للحركة الذي لا يتلاءم مع الاحتقان الشعبي الذي يميز المجتمع تجاه السلطة. وأثناء تصريحه إلى «الجزيرة نت» أوضح الزعيم الإسلامي أن دور المعارضة مهم في البلد، متأسفًا لعملية التزوير التي شملت الانتخابات، ومؤكدًا أن ذلك حسم في نهاية النتائج لصالح أطراف أخرى.

التمييز الوظيفي بالحركة الإسلامية «شأن داخلي» في حمس

وصنعت حركة النهضة التونسية مؤخرًا الجدل والسبق الإعلامي في تمدين أحزاب الحركة الإسلامية، والانتقال بها من الشمولية إلى التخصص السياسي، عبر فصل العمل الدعوي عن السياسي، مثلما جاء في كلمة قادة الحركة في صورة الشيخ «راشد الغنوشي»، ونائبه «عبد الفتاح مورو» في المؤتمر العاشر للحركة.

في حين يرى أبناء الحركة الإسلامية بالمغرب ممثلة في «العدالة والتنمية» أنها الأسبق في تطبيق نموذج الفصل بين الدعوي والسياسي، بفعل عدم تدخل حركة «التوحيد والإصلاح» في شؤون الحزب السياسي الحاكم بالبلاد «العدالة والتنمية»، وتخصص كل كيان بوظيفته في المجتمع المغربي.

ويشير مراقبون أن الرأي الخارجي دفع بحركة «النهضة» التونسية إلى التحول والانتقال من حزب إسلامي شمولي، إلى حزب مدني سياسي، وبخلاف الإسلام السياسي في تونس، يرى الإسلاميون في الجزائر أن التحدي في تفكيك منظومة وظائف الحركة الإسلامية هو تحدٍ داخلي للجماعات الإسلامية، وليس خارجيًّا تفرضه أطراف أخرى.

فلا يوجد على مستوى النخب الفكرية ووسائل الإعلام، أو حتى على مستوى قادة الحركة الإسلامية بمختلف أحزابهم -حوالي 8 أحزاب إسلامية معتمدة- نقاش حول ضرورة «الفصل الوظيفي بين الدعوي والسياسي»، باستثناء إقدام قيادة حركة مجتمع السلم «حمس» على فتح النقاش في المؤتمر الخامس، والقرار بتأجيل الفصل في الموضوع إلى المؤتمر المقبل بحلول عام 2018.

القائمون على شؤون «حمس» يعتقدون أن التحدي الداخلي، يتمثل أساسًا في تخوفهم من رفض القاعدة النضالية للحركة للتخلي عن الانتساب لفكر الإخوان المسلمين، على أساس ما حدث عام 2008 في المؤتمر الرابع للحركة من انشقاق، بحجة الخروج عن منهج المؤسس الشيخ «محفوظ نحناح»، والتخلي عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وبقراءة سريعة لكتاب «مسارات التجديد الوظيفي للحركة الإسلامية» الذي ألفه «عبد الرزاق مقري»، يمكن الاطلاع بوضوح على مشروع التمييز الوظيفي الذي ينادي به منذ عقد من الزمن، وكيف يمكن التحضير له عمليًّا؟ فالكتاب يطرح مجموعة من المشاريع والأفكار والمؤسسات التي يمكنها تفعيل فكر الفصل بين مختلف وظائف الحركة الإسلامية الفكرية، والدعوية، والسياسية، والاجتماعية، والخيرية.

«حمس» المعارضة في أول امتحان مع تشريعيات 2017

تقود حركة مجتمع السلم كيان المعارضة، وتعتبر قاطرةً لها، منذ خروجها من التحالف الحاكم بالبلاد في يناير/ جانفي 2012، وبعدها مباشرة من الحكومة بأشهر قليلة، «حمس» التي كانت طرفًا في الحكومة لمدة 16 سنة تقريبًا عرفت صعودًا ونزولًا في حصتها البرلمانية، فمنذ أول مشاركتها في التشريعيات عام 1997 التي تصفها بالانتخابات الأكثر تزويرًا في تاريخ الجزائر، حصلت على حوالي ثمانين مقعدًا خلف حزب السلطة «الأرندي» الذي لم يمر على إنشائه سوى ثلاثة أشهر فقط، في حين تراجعت عام 2002 إلى المرتبة الرابعة بحوالي أربعين مقعدًا فقط.

الحركة التي هي ضمن تكتل «تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي»، وتكتل المعارضة بهيئة التشاور والمتابعة، لم تحسم بعد أمرها في المشاركة بتشريعيات 2017 التي أصبح يفصلنا عنها أقل من عام. ويذكر أن حزب «جيل جديد» انسحب من التنسيقية بسبب تضارب في قرار المشاركة بالتشريعيات من عدمه، ورغبة كل طرف في استباق الأمور قبل الموعد.

ويشير متابعون أن تكتل «المعارضة» سيعرف زلزالًا سياسيًّا بخصوص مشاركة بعض الأحزاب ومقاطعة آخرين للتشريعيات، ففي آخر تصريح لرئيس العدالة والتنمية «عبد الله جاب الله» دعا فيها الأحزاب إلى حرق أوراق اعتمادها من الحكومة، بعد قانون الانتخابات الجديد الذي يمهد الطريق إلى فوز كبير لأحزاب السلطة أمام المعارضة.

وبالعودة للمطلب الرئيسي والأساسي لأحزاب المعارضة منذ تجمعها الأول في ندوة «مزفران» الأولى- أي منذ عامين، وإصرار المعارضة على تشكيل هيئة انتخابية مستقلة تكون بديلًا لوزارة الداخلية في إدارة شؤون الانتخابات، وهو المطلب الذي رفضته السلطات، خاصةً مع المصادقة على الدستور الأخير للبلاد.

ومع التضييق السياسي والإعلامي على عدد من البرامج ووسائل الإعلام المرئية والمكتوبة، في إشارة إلى تراجع حرية التعبير كمطلب أساسي كذلك للمعارضة، يطرح سؤال كبير على قادة المعارضة في البلاد، هل ستقاطع تشريعيات 2017؟ وتحدث قطيعة نهائية مع السلطة بعد مقاطعة جزئية منها لرئاسيات 2014؟

——————————-

(*) حمس هي اختصار لتسمية حزب حركة مجتمع السلم، تأسست عام 1990، وكانت تسمى سابقًا بحركة المجتمع الإسلامي «حماس» إلى غاية التعديل الدستوري عام 1996 الذي يمنع استخدام الدين والعرق واللغة والجهة في تسمية أحزاب وهيئات المجتمع المدني، فتحولت إلى حركة مجتمع السلم اختصارًا «حمس» حمس مثلما هي حاليًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد