على ضوء شهادات مثقفين وأدباء مقربين؛ تمكن المخرج الفلسطيني فايق جرادة من تفصيل أطوار فيلمه الوثائقي “ناجي العلي في حضن حنظلة” ليستحق بجدارة التتويج بالجائزة الكبرى للمهرجان الدولي “أوروبا الشرق للفيلم الوثائقي” من مدينة أصيلة بالمغرب.

ناجي العلي

هذا الفيلم – الخاص بناجي العلي الفنان الفلسطيني الذي يتمتع بجمالية واسعة على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي – اعتبر صرخة في وجه كل من يريد أن يجعل القضية الفلسطينية طاحونة هواء تدور في الفراغ كما يقول مخرجه. فقد جاءت الفكرة ومن ثم اسم الفيلم ليعبرا عن وعي وثقافة المجتمع العربي والإحساس والشعور بالقومية تجاه كل ما يجري.

ويتحدث الفيلم الفلسطيني – الذي سبق وحاز جوائز دولية مهمة منها جائزة “أفضل فيلم” في مهرجان الإسكندرية -عن جوانب من حياة فنان الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، الذي سخّر إبداعاته للإسهام في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن القضايا العادلة للأمة العربية. وهو فيلم يستعيد معركة المواقف المبدئية التي خاضها ناجي العلي من أجل الحفاظ على وهج ريشته واستقلاليتها، التي اعتبرها مقربون منه “بندقية كان موصبة دائما تجاه العدو الصهيوني“.

فكرة الفيلم وتحدياته

المخرج جرادة أثناء العمل

انبثقت فكرة الفيلم من المغرب وتحديدًا من الباحث والناقد السينمائي د. الحبيب ناصري. وعندما تبلورت الفكرة وأصبحت أكثر نضجًا بدأ التنفيذ في مدينة غزة. يقول المخرج فايق جرادة أن الفيلم وثائقي بامتياز. اعتمد على الواقع فنيًا وأخلاقيًا.

الفيلم لم يؤثر بجوهر الواقع خلال المعالجة الفنية. وهو بالتالي لا يقل أهمية عن الفيلم الروائي لأسباب كثيرة يذكر منها جرادة “إننا نعيش بواقعية مفرطة تجعلنا نبتعد عن الخيال في ظل المتغيرات المحيطة بنا. لذا من الضروري التوثيق والتسجيل لكل الأشياء؛ المكان والزمان والبشر والأحداث والشخصيات”.

وفيما يتعلق بالهدف من الفيلم قال جرادة أنه يهدف إلى استرجاع جزء مهم من رمزية سلطة الفن داخل الصراع العربي الإسرائيلي ككل. وهو نوع من الوفاء لمن سخر حياته الفنية من أجل أن يعطي لفن الكاريكاتير وظيفة ورؤية وصدى
أقوى مما نقوله كعرب في خطاباتنا المتعددة والمتنوعة.

ويتطرق جرادة إلى أهم الصعوبات والتحديات التي واجهتهم أثناء العمل فيقول أن العمل الوثائقي كالعمل الروائي له بعض الصعوبات. حيث لم تتوفر لديهم إمكانية إجراء المقابلات فيما يخص حياة ناجي العلي باستثناء المقابلة الخاصة بالشاعر الكبير سميح القاسم الذي قدم بعض المعلومات.

دلالات حنظلة

اختار جرادة عنوان (ناجي العلي في حضن حنظلة) لتقديم نوع من الوفاء والاحترام والتقدير لمن أعطى حياته ثمنًا لمواقفه عبر لغة فن الكاريكاتير. والفيلم لم يكتفِ بالتوثيق التقليدي لفصول حياة ناجي العلي بعد وفاته قبل سبعة وعشرين عاما، ولم يقتصر على استعادة تفاصيل اغتياله وموته في المنافي بعيدًا عن أرضه؛ بل ذهب إلى حد تفكيك دلالات رسومات الفنان الفلسطيني في بعدها الجمالي الفني ومضامينها الرمزية ومنطوقها اللفظي وغير اللفظي.

ويعيد الفيلم التذكير بأيقونة “حنظلة” التي استطاعت أن تكشف الشخصية العربية، وبالأخص شخصية اللاجئ الفلسطيني الذي يطل على وطنه من وراء أسلاك الفصل وجدرانه، وهو يناضل من أجل استقلاله، وعلى المُهجرين وهم يعانون لوعة الغياب عن الوطن ويمنون النفس بعودة قريبة، وعلى مشاهد الشعوب العربية وهي ترزح تحت الفقر والتهميش وضياع الهوية.

حنظلة والربيع العربي

المخرج أثناء التكريم

مما لا شك فيه أن ناجي العلي كان يرى فلسطين من خلال الأمة العربية. وهذا ما تدلل عليه رسوماته التي أظهرت بصريح العبارة وقوفه بجانب الشعوب العربية. العلي كان يؤمن بالتحرك العربي (الشعوب) ويؤمن بحتمية هذه اللحظة التاريخية. إذ كان يبشر وباستمرار بحتمية النصر لهذه الشعوب ضد الاستبداد والقهر والاضطهاد والتعصب.
ويرصد الفيلم رسومات العلي من خلال ارتباطها بثلاث لحظات زمنية أساسية؛ أولها: تلك اللحظة التي ربطت رسوماته بالقضية الفلسطينية باعتبارها مركز اهتمامه الأول ومصدر إلهامه الأساسي. ثانيها تلك التي وصلته بالأمة العربية بكل آمالها وآلامها وانكساراتها، فصار حنظلة عربيًا بعد أن كان فلسطينيا. أما اللحظة الأخيرة فكانت إنسانية بامتياز.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد