عندما تزور قصر الباب العالي (توبي كابي) اليوم، ثم تغادره إلى قصر دولمة باشا، الذي بُني في ما بعد كباتاش على مشارف البسفور؛ ستكتشف مدى الفرق العمراني في تصميم القصرين، وخاصةً في الأثاث والمحتويات. ستجد الطراز الفرنسي جليًّا في دولمة باشا تحديدًا في الثُّريَّات الزجاجية، وصالات الموسيقى، والصاجيات الخشبية، والطاولات الكبيرة، والأرائك الواسعة. وتشعر وكأنك في قصر باريسي، وقد حضرت باريس بالفعل في ظل التحديثات الفرنسية، التي أدخلتها السلطانة نقشديل.

تلك الفتاة التي تنتسب إلى عائلة فرنسية أرستقراطية، لكنها اختطفت وبيعت في سوق العبيد، ثم أُهديت إلى السلطان العثماني عبد الحميد الأول، لتأخذها الأقدار من الغرب إلى الشرق، وتنتشلها من سوق العبيد وتضعها على أعتاب الباب العالي، وتزج بها إلى داخل غرف الحرملك. 

استطاعت الفتاة القادمة من البلد الثائر حديثًا، بعد اندلاع الثورة الفرنسية، استغلال وضعها الجديد لتلعب دورًا محوريًّا في التقارب بين البلدين. وكانت خلف تحديث الحياة السلطانية العثمانية، وإدخال الفرنسية لغةً وسلوكًا وثقافةً داخل قصور آل عثمان. وتجاوزت ذلك من خلف ستار الحرملك، عبر نفوذها على السلاطين العثمانيين، لتُغير التعديلات الإدارية بالسلطنة على الطراز الفرنسي. وساهمت بتقارب تاريخي بين السلطنة العثمانية، وفرنسا على مستويات العلاقات الدولية والعسكرية.

فما قصة السلطانة نقشديل؟ وكيف أدارت البلاد من داخل غرف الحرملك؟

النبوءة تتحقق.. فتاة تحكم الشرق وأخرى تحكم الغرب

ما من سلطانة أكثر إثارة للجدل لدى الباحثين، والمهتمين بتاريخ السلطنة العثمانية من نقشديل. فحياتها يكتنفها الغموض، وخاصةً قدرتها على الوصول إلى حكم السلطنة بالكامل، وحياكة مؤامرات الحرملك بالغة الدموية، التي مكَّنتها من فرض نفوذها كسلطانة أم في عمر مبكر جدًّا.

في الواقع، السلطانة نقشديل الفاتنة زرقاء العينين، القادمة من المارتينيك، هي إيمي دي ريفيري، المولودة عام 1763 لأسرة فرنسية نبيلة، ابنة عم جوزفين تاشيه دولاباجيري، زوجة نابليون بونابرت. ويذكر كتاب «أسياد العبودية – حقائق بين التلفيق والتوثيق»، ما روته جوزفين بعد زواجها من نابليون وإعلانها إمبراطورة، أنها ذهبت يومًا برفقة ابنة عمها إيمي (التي ستصبح لاحقًا السلطانة نقشديل)، إلى أحد قُراء الكف في اليوان رويال، وقد تنبأ لهن بأنهن سيصبحن ملكات، واحدة تحكم الشرق، والأخرى تحكم الغرب.

في عام 1784، ولدى عودة إيمي من مدرسة الراهبات في نانت إلى المارتينيك، اختطفها قراصنة جزائريون. وبيعت جارية وهي في الواحد والعشرين من عمرها إلى حاكم الجزائر، الذي قدمها إلى السلطان العثماني عبد الحميد الأول هدية لكسب وده؛ إذ كانت إيمي الشقراء فضلًا عن جمالها؛ تتمتع بالرزانة، والذكاء، والثقافة، وقد اكتسبت هذه الصفات من خلفية أسرتها النبيلة في فرنسا.

ورغم عنادها في البداية، فإنها رضخت لإرادة السلطان في النهاية، ودخلت فراشه جارية، لكنها لم تغادره إلا سلطانة. وقد هام بها السلطان العجوز، وأطلق عليها اسم نقشديل، الذي يعني المطرزة القلب، وجعل منها محظيته المفضلة. وبعد أن أنجبت له ابنًا، ارتفعت إلى مكانة الزوجة الرابعة، أي واحدة من أربع نساء أنجبن للسلطان صبيانًا؛ لتجد نفسها داخل نيران الحرملك السياسية بين الزوجة الأولى والثانية، اللتين كانتا في حالة صراع تحاول كل منهما فيه وضع ابنها على العرش بعد موت السلطان العجوز؛ لتنال لقب السلطانة الأم.

الصعود إلى العرش

راقبت نقشديل ما تدبره النساء من حولها وتحيكه من مؤامرات، وتعلمت فن مؤامرات الحرملك على أصوله، كما يقول محمد إبراهيم إبداح في كتابه «أسياد العبودية – حقائق بين التلفيق والتوثيق»، لكن حب السلطان لها أدخلها حلبة الصراع مرغمة، حين استيقظت صباح أحد الأيام لتجد ابنها الرضيع صريعًا في فراشه الصغير؛ إذ لم ترغب الزوجات الأخريات أن يصبح للمحظية الحسناء طفل قد ينافس أبناءهن الأمراء مستقبلًا؛ فأمرن خدمهن بخنقه وهو نائم، بحسب ما ذكر إبداح في كتابه.

بعد خسارة نقشديل ولدها الصغير، قدَّم لها السلطان عبد الحميد ابنه الصغير، الأمير محمود، لتُربيه. كان هذا الأمير ذو السنوات الست حينها ابن السلطان من زوجته الثالثة، والتي كانت قد قُتلت في إحدى مؤامرات الحرملك، فأرسله أبوه السلطان إلى أحد القصور البعيدة، كي لا يُقتل كأمه. وحين فقدت نقشديل ابنها، منحها السلطان الأمير محمود لتكن له أمًّا بالتبني، وسرَّها سرًّا بأنه يُفضلها ويُفضل هذا الابن على من سواهما، وسيحميهما من مؤامرات الحرملك.  

عبد الحميد الأول Abdul Hamid I

السلطان عبد الحميد الأول

لكن الحياة لم تطُل بالسلطان العجوز، الذي توفي عام 1789. وبعد تصفيات دموية داخل القصر بين أمهات الأمراء الصغار وأبنائهن، قفز إلى العرش ابن أخ السلطان الراحل سليم، الذي بات يُعرف بالسلطان سليم الثالث. جلس السلطان سليم على العرش في وقت كانت تموج فيه الأوضاع السياسية وتضطرب، والحروب تندلع. ورأى نفسه في حاجة ماسة لتعزيز الجيش العثماني، وتوفير عدته وعتاده، خاصةً بعد تحالف روسيا مع النمسا ضد الدولة العثمانية. وترتب على ذلك استيلاء الروس والنمساويين على بلاد الصرب وبلجراد، وكان ذلك خطرًا يوشك أن يداهم الدولة العثمانية، ويفضي بها إلى وخيم العاقبة.

تذكر كتب التاريخ، أن نقشديل أوقعت السلطان الشاب في حبها، لينالها محظية، مع مخالفة ذلك للعرف السلطاني؛ فهي تعد من جواري عمه الراحل. لكن السلطان الشاب كان قد فُتن بالفرنسية الحسناء، خاصةً وأن فرنسا بعد ثورتها الكبرى عام 1789، كانت محط إعجاب جميع مثقفي ذلك الزمان.

وبالتالي، نجح هذا العشق في إبقاء نقشديل وربيبها محمود في حرملك القصر. ومن هناك، مارست نقشديل أول تأثيراتها السياسية بإقناع السلطان الشاب بأن يرسل، وللمرة الأولى، سفيرًا دائمًا للسلطنة في باريس. بالإضافة إلى ذلك، نجحت في إقناع السلطان سليم الثالث بإطلاق صحيفة ناطقة باللغة الفرنسية، وسمح لنقشديل بتأثيث القصر السلطاني وزخرفته بطراز الروكوكو الفرنسي، بحسب ما يذكر حسين مجيب المصري، في كتابه، «معجم الدولة العثمانية».

سياسة

منذ سنتين
مزاج الملوك.. لماذا ينقلبون على المقربين منهم؟

الإصلاحات التي كلَّفت السلطان حياته

بدافع من نقشديل – بحسب ما يذكر مجيب المصري في كتابه – أطلق السلطان سليم الثالث حملة إصلاحات فرنسية الطابع لسلطنته، دون أن يدري بأن هذه الإصلاحات ستُكلفه حياته. كانت البلاد بحاجة لإصلاحات في كافة المجالات، لاسيما الحربية. وبعد هدوء القتال على الجبهات، انصرف السلطان للإصلاحات الداخلية، فعيَّن كوشك حسين باشا الذي أجرى عدة إصلاحات في بنية الجيش. كذلك، أقام السلطان سفارات دائمة لدى دول أوروبا الكبرى، واستغل انشغال الأوروبيين بمحاربة حكومة الثورة الفرنسية، في تحديث دولته وجيشه. واستقدم العديد من الخبراء والضباط الفرنسيين؛ لتدريب العساكر العثمانية وتحسينها. 

لكن هذه التحديثات كانت تلقى ردود فعل سلبية جدًّا من الإنكشارية، الذين سخطوا على السلطان، ونفروا من الإصلاحات التي أدخلها على الجيش، بعدما رأوا فيها ما يهدد كيانهم، وينالهم بالإهانة بعد أن حققوا في سالف الدهر من المجد للدولة ما حققوا. كان الإنكشارية أشهر فصيل مسلح في تاريخ الإمبراطورية، واشتهروا بحروبهم، وتمردهم، ومؤامراتهم، وتلاعبهم بالسلاطين. وقد حاول القبطان حسين باشا تدارك الأمر؛ فأمر بفصل المدفعية عن الإنكشارية، وتنظيمها على الطراز الأوروبي، وتطبيق النظم الأوروبية على البحرية العثمانية، كما يذكر كتاب «معجم الدولة العثمانية».

وفيما كانت رحى الحرب دائرة بين العثمانيين والروس؛ مات المفتي الذي كان مؤيدًا لسليم الثالث في نزعته الإصلاحية، وخلفه قاضي عسكر الروملي الذي كان على النقيض منه، مخالفًا كارهًا لما أدخل السلطان من نظام جديد، يراه بدعة ورقة دين. واتفق مع جماعة من العلماء والعوام والمنتفعين من رجال الدولة، على ضرورة إلغاء ما أدخل السلطان من إصلاحات، بل عزله أيضًا.

راح هؤلاء يحرضون من انخرط من شبان الإنكشارية في السلك العسكري الجديد، متحججين بأن الملابس النظامية الجديدة أزياء خاصة بـ«النصارى»، مخالفة للقرآن الكريم والسنة الشريفة. ولقت دعواهم رواجًا عند العوام والمنتفعين، واشتعلت عدة فتن في قلاع الدولة، لم يدر سليم الثالث عنها إلا متأخرًا. اجتمع الجنود الإنكشارية مع إخوانهم غير المنتظمين بتدبير من المفتي الجديد الروملي، ومن عاضده في منطقة خارج الأستانة، حتى إذا استعدوا دخلوا الأستانة، وقتلوا كل الوزراء والأعيان المؤيدين للإصلاح العسكري والنظام الجديد. 

Embed from Getty Images

سارع السلطان بعزل وزرائه، وتعيين من قد يحاذي رأي الثائرين لإسكاتهم، لكنه لم يسلم من شرهم، إذ كانوا يخشون أن يعود لتنفيذ مشروعاته العسكرية الإصلاحية، فأفتى مفتي الدولة العثمانية آنذاك، أن أي خليفة يُدخل أنظمة الغرب وطرقهم في الدولة، ويجبر رعاياه على اتباعها غير صالح للولاية، فعزلوه وأسروه، وولي من بعده السلطان مصطفى الرابع، ابن السلطان الراحل عبد الحميد الأول.

لكن الجنود ثاروا على هذا السلطان، وسار مصطفى باشا البيرقدار على رأس 16 ألف عسكري إلى الأستانة؛ لإعادة السلطان سليم الثالث لحكم البلاد. وعندما رأى السلطان مصطفى الرابع أن هذه الثورة قد تتمكن من إعادة السلطان المعزول إلى الحكم، أمر  رجاله بقتل سليم الثالث؛ ظنًّا منه أن ذلك قد يخمد الثورة، وبحث عن أخيه محمود لكي يعدمه؛ وبالتالي يبقى الوصي الشرعي الوحيد للعرش، لكنه لم يجده. اشتعل الثائرون غضبًا بعد مقتل سليم الثالث، وعزلوا السلطان مصطفى الرابع وقتلوه مثلما فعل بالسلطان سليم الثالث. فمن يخلفه من بعده؟ وأين اختفى الأمير محمود؟

نقشديل.. السلطانة الأم تحكم من خلف الستار

بحسب ما يذكر محمد فريد في كتابه «تاريخ الدولة العلية العثمانية»، فقد قُتل السلطان سليم الثالث عام 1807، على أيدي من رفضوا ليبراليته، بعد أن تآمروا مع إحدى الزوجات الباقيات للسلطان عبد الحميد، مقابل أن يمنح ابنها – مصطفى الرابع – العرش بعد قتل السلطان سليم، والأمير الصغير محمود، وأمه نقشديل.

وبالفعل، نجحت المؤامرة في البداية بقتل السلطان سليم، وقد حاول القتلة أيضًا اغتيال الأمير محمود، لكن الروايات التاريخية تذكر أن نقشديل خبَّأت ابنها داخل أحد الأفران، فأنقذته من القتل.

ولما قُتلت الزوجة المنافسة، وابنها السلطان الذي لم يلبث في ملكه سوى 13 شهرًا، لم يتبق أي أمير يحمل الدم العثماني سوى الأمير محمود؛ فأخرجته نقشديل من مخبئه، معلنةً إياه السلطان محمود الثاني. ومنذ تلك اللحظة، أصبحت نقشديل السلطانة الأم كاملة النفوذ، والحاكم الفعلي للسلطنة، وبقيت على سلطانها حتى وفاتها. 

Embed from Getty Images

دفعت نقشديل ابنها السلطان إلى تحقيق إصلاحات لها دلالتها بالإمبراطورية، كانت أبرز هذه الأفعال التي ضمنت بقاءه على العرش؛ القضاء على الإنكشارية بدافع من والدته، في مذبحة كبيرة. فقد رأى السلطان الجديد أن اشتداد نفوذ الإنكشارية قد حطم جهود كل من حاول الإصلاح من السلاطين السابقين، وأن سرَّ نجاح محمد علي باشا في حركته الإصلاحية، بدأت بإزالته عقبة مشابهة هي «المماليك»، الذين تخلص منهم في الحادثة المعروفة باسم «مذبحة القلعة»، والتي على غرارها تخلص السلطان محمود الثاني من الإنكشارية تمامًا في عام 1826، ليحل محلهم نظام العسكرة الحديث كما الجيوش الأوروبية.

وقد أدخلت السلطانة الأم نقشديل كثيرًا من فنون العمارة، والزخرفة، وأساليب الحياة الفرنسية إلى السلطنة. وحاول السلطان بإيعاز منها كما تذكر الروايات التاريخية؛ إصلاح أجهزة الدولة المركزية بالطريقة الأوروبية، وعمل حتى على إصلاح الملابس، فاستحدث لباسًا يشبه اللباس الأوروبي، واستبدل بالعمامة الطربوش، الذي كان يرتديه الرعايا العثمانيون، وأجبر موظفي الحكومة المدنيين والعسكريين على ارتداء اللباس الجديد في أماكن عملهم، وسعى لتحديث إمبراطوريته، لتجاري الدول الكبرى من جديد.

وجاء عام 1817، ليسطر آخر فصول حياة السلطانة الأم، التي رغم قبولها الإسلام جزءًا من آداب الحرملك، فإنها بقيت على الدوام محتفظة بمسيحيتها في أعماقها. وتذكر الروايات التاريخية أنه عند اقتراب وفاتها، بكى ابنها السلطان محمود بجوارها وسألها عن رغبتها الأخيرة؛ فأرادت أن يصلي عليها أحد القساوسة. ولم ينكر عليها ابنها السلطان رغبتها تلك، وللمرة الأولى في تاريخ السلطنة، عبر قس كاثوليكي بوابات الحرملك، وصلى على جسد السلطانة نقشديل قبل أن تفارق الحياة، بحسب ما يذكر محمد إبراهيم إبداح في كتابه «أسياد العبودية». وبوفاة نقشديل، رحلت آخر أشهر السلطانات اللاتي حكمن وتحكَّمن بالإمبراطورية العثمانية من داخل الحرملك. 

تاريخ وفلسفة

منذ 11 شهر
«حريم السلاطين».. قصص نساء حكمن «بالحب والدم» من غرف قصورهن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد