لم تقف أحلام وطموحات نابليون بونابرت عند حكم فرنسا، بل كان يريد بناء إمبراطورية تدين لها أوروبا ثم العالم، وكان يثق تمامًا في خططه العسكرية التي ستؤهله إلى ذلك، لكنه كان يعلم أن هناك سلطة كبيرة يمكن أن تقف في وجهه، وتوحد صفوف الدول الأوروبية ضده، السلطة الدينية والمتمثلة في بابا الفاتيكان، بابا الكنيسة الكاثوليكية، والتي يتبعها أغلب شعوب الدول الأوروبية آنذاك، لذا قبل أن يحلم نابليون بالتوسع قرر تعطيل هذه السلطة، وكان الحل الذي توصل إليه هو خطف البابا.

فيليب الرابع يسنّ سنّة خطف البابا

بداية من العصور الوسطى كان هناك صراع دائم بين الكنيسة؛ والملوك الذين حكموا ممالكهم في أوروبا، كان البابوات دائمًا يحاولون فرض وصايتهم علي الملوك، لكن بعض الملوك كانوا يرفضون هذا التدخل، وكانوا يحاولون تقييد سلطات الكنيسة علي الأقل داخل ممالكهم، وهكذا كان يدور الصراع وفقًا لمعطيات كل قرن.

سعى الملك فيليب الرابع ملك فرنسا من عام 1285 إلى عام 1314؛ إلى زيادة السلطة المركزية للتاج، لذا لجأ إلى إخضاع النبلاء الفرنسيين ورجال الدين، وفي عام 1296 فرض فيليب ضرائب إضافية على رجال الدين الفرنسيين دون الحصول أولاً على إذن من البابا، لذا غضب بونيفاس الثامن، وكتب مرسومًا ينص على أن جميع الذين دفعوا الضريبة سيطردون من المنصب، وكان رد الملك القبض على أحد الأسقف دون محاكمة عادلة، واشتعل الصراع بين الملك والبابا.

في عام 1303 صنع الملك فيليب الرابع هو ومستشاروه قائمة طويلة من الادعاءات ضد البابا، وقرر بموجب هذه الادعاءات القبض علي البابا، على الجانب الآخر طرد البابا بونيفاس الثامن؛ الملك فيليب علانية من الكنيسة أي أقصاه دينيًا، أرسل الملك فيليب مجموعة من الفرسان مهمتهم خطف البابا، وتسليمه إلى فرنسا للمحاكمة على جرائمه المفترضة، ووصل الفرسان إلى روما، واقتحموا قصر البابا، وأسروه على مدار ثلاثة أيام، قبل أن يأتي فرسان من روما لتخليصه بعد وصول الخبر إليهم، وقد تدهورت صحة البابا بسبب أسره وتوفي بعدها بشهر في الفاتيكان. 

بيوس السادس يموت في أسر نابليون

بعد أكثر من أربع قرون ونصف على خطف الملك فيليب الفرنسي للبابا، أكمل نابليون المهمة، فعند اندلاع الثورة الفرنسية أنشأ الثوار ملكية دستورية أقصت جميع الشخصيات التقليدية للسلطة، وحين أصدروا إعلان حقوق الإنسان تجاهلوا فيه بشكل أساسي وجود الكنيسة الكاثوليكية، وصارت الكنيسة هدفًا للثوار، وبخاصة نابليون بسبب ارتباطها بالنظام الملكي، بالإضافة إلى ذلك كانت الكنيسة في فرنسا تمتلك الأراضي والممتلكات، وكان الثوار بحاجة إلى المال، لذا ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 1789، صادر الثوار الذين شكلوا الجمعية الوطنية الفرنسية جميع ممتلكات الكنيسة، وغضب البابا.

Embed from Getty Images

بيوس السادس

حين أعدم الثوار في فرنسا؛ الملك لويس السادس عشر، وأسقطوا الملكية، وصف البابا بيوس السادس؛ بابا الكنيسة الكاثوليكية آنذاك الملك الراحل بأنه «شهيد»، وكان البابا بيوس السادس يرى بأن التوجه الرئيسي للثورة الفرنسية كان ضد الدين الكاثوليكي، لذا لم يكن هناك مفر من المواجهة مع الثوار في فرنسا، وفي عام 1796؛ غزت قوات الجمهورية الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إيطاليا، وهزمت القوات البابوية.

حين وصل نابليون بقواته إلى روما، تفاوض مع البابا بيوس السادس، ولكن مطالب نابليون كانت قاسية على البابا، حيث أراده أن يتخلى عن سلطته، مع نقل الولايات البابوية إليه، وبالطبع رفض البابا، وفي أواخر عام 1798 اختطف نابليون البابا، واقتيد إلى السجن في فرنسا، وكان يبلغ من العمر 82 عامًا لذا لم يكن ليحتمل هذه الرحلة الشاقة، وتوفي بعد ستة أسابيع من وصوله إلى فرنسا، ولم يعترف أحد بوفاته رسميًا في فرنسا، بل إنه حتى لم يُدفن دفنًا مسيحيًا مناسبًا.

بيوس السابع.. البابا يقبل شروط نابليون

اجتمع المجلس الكنسي في أواخر عام 1799 لانتخاب بابا جديد بعد وفاة البابا بيوس السادس، وبعد 6 أشهر من فراغ المقعد البابوي، انتخب أخيرًا عام 1800 كيارامونتي ليكون البابا بيوس السابع، لكن حفل التتويج كان أقل من المعتاد، لأنه حين اختطف نابليون البابا السابق له، استولى نابليون على التاج البابوي، وبالتالي اضطرت الكنيسة لتتويج البابا الجديد بتيجان مصنوعة من الورق.

لم يكن أمام ييوس السابع حلولًا كثيرة للتعامل مع نابليون، لذا سعى إلى المفاوضات، وأبرم معاهدة معه وقعت في باريس عام 1801، وكانت المعاهدة في صالح نابليون إلى حد كبير، ومنحته سلطة أكبر من البابا مقارنةً بالأنظمة الفرنسية السابقة، كما اشترط نابليون أنه لن يتم إعادة أراضي الكنيسة التي أخذت منها أثناء الثورة الفرنسية، ومنح نابليون البابا بعض المطالب مثل إعادة رجال الدين الكاثوليك من المنفى، أو من الاختباء، مع أن يستأنفوا العمل في مناصبهم التقليدية، وفي كنائسهم.

في أواخر عام 1804، توج نابليون نفسه إمبراطورًا في كاتدرائية نوتردام في باريس، وكان البابا حاضرًا كما أراد نابليون، وكان من المفترض كما هو متبع أن يضع البابا التاج على رأس نابليون، لكن نابليون فاجأ الحضور والبابا بأنه وضع التاج بنفسه على رأسه، مما يدل على رفضه لسلطة البابا عليه.

بينهم ريتشارد «قلب الأسد».. هؤلاء الملوك أخفوا رغباتهم الجنسية المثلية

نابليون وبيوس السابع.. صراع لا ينتهي

في السنوات اللاحقة لتتويج نابليون إمبراطورًا بدأ الصدام مع البابا في مختلف المسائل السياسية والدينية، وتدهورت العلاقات بين الكنيسة ونابليون بعد أن بدأ الأخير في ضم الولايات البابوية إليه، وعلى إثر ذلك حكم البابا بيوس السابع على نابليون «الحرمان الكنسي»، ووجد نابليون فرصة جيدة لخطف البابا عام 1809، وأوصاهم بأن يحدث الخطف ليلًا.

ذهب الجنود الفرنسيون إلى قصر البابا ليلًا، وعبر رشوة خادم سابق للبابا عرفوا الممرات في قصر الفاتيكان، واقتحموا القصر ليلًا، وقيل إنه قد دارات مناوشات عنيفة بين جنود نابليون والحراس البابويين السويسريين، استمرت ساعة، وقيل إن الحرس السويسري تخلى عن الغرف البابوية، وأن الجنود نهبوا القصر، لكن المؤكد أن رجال نابليون اختطفوا البابا ليلًا، واقتادوه إلى سافونا؛ وهي مدينة في الجزء الشمالي الغربي من إيطاليا، وكانت جزءًا من إمبراطورية نابليون في أوروبا.

Embed from Getty Images

بيوس السابع

في المنفى حرم البابا من كل شيء تقريبًا، لم يكن مسموحًا لأحد بزيارته، حتى الموظفين التابعين له في الكنيسة، فقط سُمح له بتلقي زيارات الكرادلة المقيمين في باريس والموالين لنابليون فقط، بينما كان نابليون لا يذهب إليه، وعزل البابا تمامًا، ولم يخبر بأي أخبار سياسية مستجدة، وأجبر في النهاية على توقيع اتفاقية جديدة مع نابليون.

روت بعض المصادر أنه أثناء احتجاز نابليون لبيوس السابع، أعطى نابليون البابا جرعات من «المورفين» عبر طبيب البابا الموالي لنابليون، وتحت ستار المسكنات، لحث البابا على الرضوخ لمطالب الإمبراطور، وقيل إن الحراس المكلفين بمراقبة البابا؛ أبلغوا نابليون أن البابا في بعض الأحيان كان يدخل في نوبات جنون.

قيل إن البابا أيضًا كرس الكنيسة في المنفى؛ لتصبح قاعدته الروحية أثناء وجوده، لكن نابليون علم بنيته، لذا اختطفه مرة أخرى في جنح الليل، وكانت هذه الرحلة أشق عليه، إلى درجة أن البابا صرخ وهدد أنه سيرمي نفسه على الطريق، ويموت هناك إذا أُجبر على المضي قدمًا، ومع ذلك اضطر إلى الاستمرار.

على الرغم من أن نابليون يعتبر واحدًا من أعظم القادة العسكريين في التاريخ، وتدرس خططه العسكرية في العديد من الكليات العسكرية في جميع أنحاء العالم، إلا أن سنوات الحرب الطويلة التي خاضها، أنهكت قوته، وفي النهاية أُجبر من قادة وحكام الدول الأوروبية المتحالفة ضده على التنازل عن العرش، وتنازل لصالح ابنه، لكن رفض هذا التنازل، وأجبر على الإعلان عن تنازل غير مشروط عام 1814، ثم نفي بعدها، ورغم أنه هرب وعاد إلى فرنسا ليحكم فترة عرفت بـ«المئة يوم»، إلا أنه قبض عليه في نهاية المطاف وتنازل ثانية، ونفي للمرة الأخيرة عام 1815. 

بعد تنازل نابليون الأول عام 1814، عاد البابا بيوس السابع إلى روما بعد خمس سنوات من الخطف والاعتقال، واستقبل في روما بوصفه بطلًا ومدافعًا عن الإيمان، وأكمل حياته بابا حتى توفي عام 1823.

حفلة جنسية على شرف البابا.. كيف حول ألكسندر السادس الكنيسة إلى «بيت للمتعة»؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد