لم يتخيل الباريسيون في أسوأ كوابيسهم، أنهم سيشهدون مثل هذا اليوم البائس بعد ستة أعوام من اندلاع الثورة الفرنسية الجامحة عام 1789، وأكثر من عامين على إطاحة المقصلة الثورية التي لا ترحم برأس الملك لويس السادس عشر، الذي قامت الثورة ضد مظالم عصره ونخبَتِه الاقتصادية والسياسية.

ففي الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1795 أُخذت شوارع باريس على حين غرة، عندما اقتحمها المئات من أنصار الملكية الظامئين للانتقام الدموي من ثورةٍ لم تدخر سلاحًا في إفنائهم، بدايةً من السجون والاعتقالات والعزل من كل منصبٍ أو جاه، مرورًا بالمقاصل الشهيرة التي أصبحت رمزًا لثورة الحرية والإخاء والمساواة – شعار الثورة الشهير – وانتهاءً بما يشبه الإبادةَ الجماعية لبعض الأقاليم ذات الميول الملكية، مثل إقليم الفانديه الذي خسر خُمس سكانه في عمليات التطهير الثوري.

على مقربة من القصر الملكي حدث ما لم يكن يتوقعه أنصار الملكية. انهالتْ قذائفُ المدفعية كالمطر، وبدِقةٍ عجيبة تبدو غيرَ بشرية، لتحصدَ أرواحَهم حصدًا. لم يصمدْ المهاجمون أمام هذا الدفاع الفعّال لأكثر من يومٍ وليلة. في صباح الخامس من أكتوبر طلب من نجا من الملكيين الاستسلامَ بشكلٍ رسمي، فقبله قائد قوات الدفاع نابليون بونابرت.

في حينه، لم يكن بمقدور أحدٍ أن يتوقع أن هذا الشاب ذي الستة وعشرون ربيعًا، الذي كان في طفولته صموتًا خجولًا، سيصبح عما قليل ملء سمع وبصر التاريخ، وسيخلب أبصارَ محبيه وأعدائه على حدٍّ سواء، وأنه سيصبح الرقم الأصعب في فرنسا – بل وأوروبا – لأكثر من 20 عامًا.

ولكن كيف آلت مسارات الثورة الفرنسية الجذرية إلى تلك الحالة المُزرية التي أوشكت أن تصبح فيها نهبًا لخصومها بين ليلةٍ وضحاها؟

نفيسة البيضاء.. «أم المماليك» التي حظيت بحب الشعب واحترام نابليون بونابرت

1789-1795 .. الثورة التي سحقت أعداءها ونفسها

كانت الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يرزح تحتها معظم الشعب الفرنسي، بالتزامن مع البذخ الإمبراطوري الذي يتنعّم في وارف ظلاله الملك الفرنسي لويس السادس عشر، وحاشيته وبطانته، وكبار الإقطاعيين، هي الوقود الرئيس الذي أشعل واحدة من كبريات الثورات الشعبية في التاريخ الإنساني، ومن أكثرها تأثيرًا في تاريخ العالم، وهي ثورة فرنسا عام 1789 والتي عجز عن احتوائها بعد الإصلاحات الشكلية في السنوات التي سبقتها، مثل وضع ممثلين لطبقة عامة الناس في مجلس الطبقات، إلى جانب ممثلي البلاط والكنيسة، ثم اعتراف الملك صوريًا بالمجلس الوطني الذي شكله نواب العامة.

مقطع مبسط عن الثورة الفرنسية 

ففي شهر يوليو (تموز) من ذلك العام، اندلعت انتفاضة شعبية عارمة في باريس، واقتحم الثائرون سجن الباستيل الحصين، الذي كان رمز الطغيان والحكم الفردي. اهتزّت سلطة الملك بشدة، وصدر إعلان حقوق الإنسان والمواطنين، والذي أحدث ضجة هائلة لما فيه من تجاوز هائل للعقد الاجتماعي الطبقي السائد في أوروبا والعالم آنذاك؛ إذ ألغى العديد من الامتيازات الطبقية، والصلاحيات المطلقة للملك، وتحول النظام السياسي إلى ما يشبه الملكية الدستورية، وانتزع المجلس الوطني جانبًا هامًا من كعكة السلطة.

شهدت السنوات التالية أحداثًا سياسية وحربية جسيمة، وتغييرات جذرية في بنية السياسة والمجتمع بفرنسا. بدأت سلطات الملك تذبل شيئًا فشيئًا، وبدأت الأصوات الراديكالية الثورية تكتسب زخمًا، في مقابل خفوت الأصوات الإصلاحية الداعية إلى الملكية الدستورية. تحت راية النظام الجديد قُضيَ على الإقطاع، وانتزعت معظم أملاك الكنيسة، وأصدر المجلس الوطني قوانين لإصلاح الكنيسة، جوبهت بغضبٍ عارمٍ من روما والأوساط المحافظة، وعموم المتدينين. 

خارجيًا بدأت القوى الأوروبية الملكية التقليدية تتوجَّس من المد الثوري الفرنسي، وهواجس تصدير الثورة، خصوصًا مع إعلان الثوريين الراديكاليين في فرنسا دعمهم لأية ثورة ضد الملكية في أوروبا. وقد أسهم آلاف اللاجئين من أنصار الكنيسة والعرش والنبلاء في إذكاء النقمة على الثورة بما قصُّوه من فظائع التنكيل الثوري بالخصوم. وقد شكَّل هؤلاء اللاجئون مجموعاتٍ مسلحة قرب الحدود مع فرنسا، بدعمٍ من النمسا وغيرها من القوى الأوروبية المضادة للثورة.

كان عام 1792 عاصفًا على كافة المستويات؛ فقد استجاب الملك لضغط الثوريين، وأعلن الحرب على قوى الثورة المضادة، وأولها النمسا في شهر أبريل (نيسان) على أمل أن ينهزم الجيش الفرنسي الثوري المهلهل أمام القوى الأوروبية المنظمَّة، والتي بعد انتصارها ستقضي على الثورة، وتعيد إليه كامل سلطانه.

بالفعل تعرضت فرنسا لهزائم متتابعة في الشهور الأولى، خاصة مع انضمام دولة بروسيا للنمسا، وبدأت جيوشهما المشتركة تتوغل داخل الأراضي الفرنسية صوب باريس. أدت تلك الفواجع الحربية إلى اندلاع موجةٍ ثورية عاصفة في باريس، في شهر أغسطس (آب) عام 1792، واتهم الثوارُ الملكَ بالتواطؤ مع الغزاة، خاصةً وأن زوجته الملكة ماري أنطوانيت كانت نمساوية الأصل، وكان أخوها هو ملك النمسا.

اقتحم الثوار القصر الملكي، ووضعوا الملك والملكة تحت الإقامة الجبرية في مكانٍ آخر. تطورّت الأحداث إلى مجازر مروّعة بحق مئات المساجين من النبلاء وأنصار الكنيسة القابعين في سجون الثورة تحت ذريعة أنهم من أنصار الثورة المضادة. 

انضمّ الآلاف من المتطوعين إلى الجيش الفرنسي لصد الغزاة، وبالفعل تمكَّن الجيش الثوري الفرنسي من هزيمة التحالف النمساوي-البروسي في موقعة فالمي، في يوم 20 سبتمبر (أيلول) 1792. في اليوم التالي أصدر المؤتمر الوطني الثوري قراره بإلغاء الملكية، وإعلان قيام الجمهورية الفرنسية. وفي الشهور التالية انتقلت فرنسا إلى الهجوم، واستولتْ على بلجيكا، وبعد المقاطعات الأخرى الخاضعة للنمساويين والبروسيين. لكن لم تهدئ تلك الانتصارات الخارجية من حالة الفوران والاحتقان الثوري بالداخل.

انقسمت قوى الثورة الكبرى إلى اليعاقبة الأكثر راديكالية، والداعمين لهيمنة البروليتاريا الشعبية، والجرونديين الأميل لهيمنة الطبقة البرجوازية. دفع اليعاقبة الأمور للتصاعد إلى حد إصدار حكم بالإعدام على الملك لويس السادس عشر، ونفذ الحكم في يناير (كانون ثاني) 1793. ثارت ثائرة القوى الأوروبية، وتشكّل تحالف بين إنجلترا والنمسا وبروسيا لكبح جماح الثورة الفرنسية، وبالفعل ابتداء من ربيع عام 1793 خسرت فرنسا كل مكتسباتها الخارجية. 

رفعت تلك الهزائم من أسهم اليعاقبة وثوار الطبقات الدنيا المعروفين بوصف غير المُسَرْوَلين، أو «السون كيلوت»، فقضوا على خصومهم الجيرونديين، وصعد المحامي الثوري المتطرف ماكسيمليان روبسبيير إلى قمة هرم الحكومة الثورية الفرنسية في سبتمبر 1793، ليدشِّن باسم حماية الثورة ما عُرِف بعصر الإرهاب الثوري. بالتزامن مع قرارات أكثر راديكالية ضد الكنيسة، وضد ما بقى من الإقطاعيين، وإطلاق يد القوات الثورية لتسحق التمردات في الأقاليم الفرنسية بأقصى درجات القمع. كذلك جهَّز روبسبيير الجيش بأكثر من مليون جندي؛ مما مكَّن فرنسا من استعادة زمام المبادرة على الجبهة، واستعادة بلجيكا.

على مدار تسعة أشهر اعتُقِل أكثر من 300 ألف فرنسي بتهمة التآمر ضد الثورة، أطاحت المقصلة برأس أكثر من 17 ألف منهم، وقضى آلافُ آخرون في الظروف غير الآدمية في المعتقلات. من بين هؤلاء الضحايا آلاف مؤلفة ممن شاركوا في الثورة، لكنهم لم يسلكوا المسارات الأكثر راديكالية. زادت مساحة النقمة ضد روبيسبيير، فحوَّله المجلس الوطني للمحاكمة بتهمة خيانة الثورة! وأطاحت مقصلة عصر الإرهاب برأس من دشَّنه. أعقب هذا الانقلاب الداخلي الثوري  تشكيل حكومة انتقالية ضعيفة، من قبل المجلس الوطني، حاولت تخفيف الراديكالية الثورية، وفتح المجال أمام أنصار الملكية الدستورية للتواجد، لتوسيع مساحة التوافق الوطني مع الوضع الجديد الذي فرضته الثورة.

منتصف عام 1795 اعتُمِد بالتصويت الشعبي دستورٌ جديد، يجعل السلطة التنفيذية في مجلسٍ مكون من خمسة أفراد، بينما التشريعية في يد مجلسيْن منتخبيْن. لم تساعد الإجراءات الجديدة كثيرًا في إعادة الاستقرار إلى فرنسا المضطربة، وبدأ البعض يحنون إلى جحيم الماضي الملكي المطلق، بدلًا عن جنة الثورة المضطرمة.

في تلك الأثناء برز في أقاليم فرنسية عديدة، خاصة في الغرب والجنوب الشرقي، خطرٌ جديد، عُرفت بالرعب الأبيض، إذ كان هذا اللون هو شعار أنصار الملكية في فرنسا في مقابل اللون الأحمر الثوري. وهنا سيفتح مسرح التاريخ الفرنسي أبوابه على مصراعيْه أمام أشهر قائد عسكري في تاريخ فرنسا، ولا نبالغ إذا قلنا في التاريخ الحديث عمومًا.

الكورسيكي الصغير الذي عرجت به الثورة إلى فوق الخيال

ولد نابليون بونابرت في جزيرة كورسيكا في قلب البحر الأبيض المتوسط،  لأسرة جيدة الحال – من أصولٍ أرستوقراطية، لكنها ليست على درجةٍ عالية من الثراء – في منتصف أغسطس عام 1769. كان والده يعمل بالمحاماة، بينما كانت أمه ربة منزل على عادة نساء عصرها، لكنها كانت تتمتع بقوة شخصيةٍ استثنائية طبعت آثارها في ابنها الفريد.

كان نابليون بونابرت على موعد مع القدر قبل ميلاده بعام واحد، فقد ضمت فرنسا تلك الجزيرة الهامة، منتزعةً إياها من سيطرة جمهورية جنوة الإيطالية. الله وحده يعلم كيف كان سيختلف تاريخ فرنسا وأوروبا، بل العالم، دون تلك التفصيلة الصغيرة في ما قبل حياة نابليون. وللمفارقة فقد كان والد نابليون من المعارضين للغزو الفرنسي، لكنه ما لبث أن اعتبره أمرًا واقعًا، وقرّر أن يتقارب مع حكام الجزيرة الجدد، ويحقق أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب الشخصية والأسرية.

وثائقي عن حياة نابليون بونابرت

التحق الفتى الصغير المولع بالألعاب الحربية، وقصص المعارك والوقائع، بإحدى المدارس العسكرية في فرنسا، بينما كان في سن العاشرة من عمره، إذ كان يتعرض لسيل من السخرية اللاذعة التي رافقته بسبب قصر قامته، ولكنته الإيطالية، وقد ترك ذلك التنمر أثرًا لا يخفى في شخصية نابليون ومزاجه في المراحل اللاحقة من عمره. في سن الخامسة عشر، التحق نابليون بأرقى المعاهد العسكرية في فرنسا، وهي المدرسة العسكرية الملكية في باريس، وتخرج منها في العام التالي 1785، وللمفارقة، كان ترتيبه رقم 42 بين 58 طالبًا. 

كان نابليون بونابرت أيضًا قارئًا نهما خارج العلوم العسكرية، فاطّلع على كتابات أشهر الفلاسفة الذي اعتُبرت كتاباتهم من جذور الثورة الفرنسية، مثل فولتير وروسو. كذلك دفعه الإحباط من حقيقة أنه لن  يترقى كثيرًا في رتب العسكرية الفرنسية؛ لأنه ليس من أسر كبار النبلاء، إلى أن يحاول الاتجاه إلى التأليف، كالتاريخ المختصر لكورسيكا الذي عكف عليه شهورًا. لكن كانت الأقدار سخيّة معه بشكلٍ لم يخطر بباله أبدًا. 

عندما اندلعت الثورة الشعبية في فرنسا عام 1789، كان نابليون بونابرت يعمل برتبة ملازم ثانٍ في سلاح المدفعية الفرنسي، والتي أظهر فيه نابليون نبوغًا كبيرًا.  لكنه ما لبث أن عاد – فيما يشبه الإجازة المفتوحة – بعد وقتٍ قليل إلى مسقط رأسه في كورسيكا، مع تفاقم الاضطرابات داخل فرنسا، وهناك – في كورسيكا – توطّدت علاقة نابليون بأحد التيارات الثورية الكبرى، وهم اليعاقبة.

عام 1793، عاد نابليون إلى فرنسا، فارًا بعائلته من مسقط رأسه كورسيكا بعدما حدث خلافٌ كبير بينه وبين حاكم كورسيكا القومي المتعصب، ينتهي بصدام عسكري محدود، وبحكم غيابيٍ من المجلس المحلي لكورسيكا يقي بإعدام نابليون.

في فرنسا يعود الرجل إلى الخدمة العسكرية، مُحمّلا بغضبٍ عارم، وكرامة جريحة من جراء ما حدث في مسقط رأسه، وما يلبث أن تكلّف القوة التي ينتسب لها، من قبل الحكومة الثورية بالاستيلاء على ميناء طولون على ساحل البحر المتوسط، والذي تمرّد على الحكم المركزي، وسُمح للأسطول الإنجليزي المعادي بالرسو في المرفأ. 

تمكّنت الحكومة الفرنسية من إعادة طولون إلى حظيرتها بفضل خطة نابليون الموفّقة، عندما اقترح أولًا الاستيلاء على المرتفعات المحيطة بالميناء، والحصن المتمركز هناك، ثم استغلّ ميزة الارتفاع في تركيز ضربات المدفعية المُتقنة على الأسطول الإنجليزي. بالفعل أصيبت 10 سفن حربية إنجليزية، واضطر باقي الأسطول للانسحاب، وأصبحت المدينة ثمرةٍ ناضجة تنتظر يد القاطفين. ودوَّى اسم نابليون في كافة أرجاء فرنسا الثورية باعتباره بطلًا عسكريًا، وفجأة انفتحت أمامه أبواب الصعود، ومخاوف السقوط كذلك.

 

تتوثَّق علاقات نابليون بأوجستين روبسبيير، أخي اليعقوبي الشهير ماكسيميليان روبسبيير، الذي قاد الثورة الفرنسية بين عامي 1793-1794، ودشّن عصر الإرهاب -كما ذكرنا آنفًا- بناءً على مهاراته التي تجلّت في ذلك الوقت الصعب من تاريخ فرنسا، وأيضًا تلك العلاقة الخاصة مع آل روبسبيير، بالتزامن مع حالة الخلخلة السياسية والحربية، ترقى نابليون سريعًا في الرُّتب العسكرية بما لا يتناسب مع سنه، حتى وصل إلى رتبة عميد وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

عندما حدث انقلاب 1794 وقُتِل الأخوان روبسبير، وُضع نابليون تحت الإقامة الجبرية لفترة. ثم ما لبثت الحكومة الثورية الجديدة – وكانت في حالةٍ يُرثى لها من الضعف – أن أفرجت عنه بعد أشهر، وعرضت عليه قيادة المدفعية الفرنسية المشاركة في قمع الثورة المضادة في الأقاليم الغربية، لكنه رفض، وآثر أن يبقى عاطلًا في باريس قرب مركز السلطة، حتى يجد الفرصة المناسبة التي تلبي طموحاتِه التي لا يحدُّها أفق.

في الرابع من أكتوبر 1795، واستغلالًا لحالة انعدام الوزن التي أصبحت الثورة تعاني منها بعد ست سنواتٍ من دوامات الانتفاضات، والانقلابات، والاعتقالات، والإعدامات، يشن الملكيون ثورةً مضادة في باريس، كادت تستأصل شأفة الثورة الفرنسية، وتغير تاريخ البشرية بشكلٍ جذري، لكن خلال 24 ساعة، كانت فرنسا على موعد مع طورٍ جديدٍ من تاريخها، وتاريخ ثورتِها.

5 أكتوبر .. ليلة ظهور مهدي الثورة المنتظر

فوجئ الباريسيون المنهكون بأكثر من 25 ألف مسلح موالين للملكية يحتلون الشوارع التي طالما اهتزت بأناشيد وصيحات الثوار، وتدحرجت على ترابها رؤوس الآلاف من خصوم الثورة الفعليين أو المحتملين. أوشك المهاجمون على فرض حصار مطبق على مبنى المؤتمر الوطني، أهم مؤسسات الثورة السيادية، قبل أن تسقط السماء فوق رؤوسهم، أو هكذا ظنوا.

كان ما فجَّر غضب الملكيين تجاه المؤتمر الوطني، ذلك المرسوم الذي أصدره المؤتمر قبل يوميْن، ليجدد لنفسه فترةً جديدة رغم أن موعد حلِّه قد آن. وكان المؤتمر معارضًا بشدة في معظمة للملكيين، وكان تجديده لنفسه فترةً جديدة خوفًا من عودة الملكيين من شباك الانتخابات مستغلين التبرُّم العام من حالة عدم الاستقرار الثوري. وهكذا دبَّر الملكيون وأنصارُهم هذا الانقلاب المسلح، والذي هدف إلى القضاء على المؤتمر الوطني، وإلغاء الجمهورية.

Embed from Getty Images

نابليون بونابرت

خلال 45 دقيقة، أصبحت أحلام الملكية في مهب الريح، عندما انهالت الآلاف من قذائف المدفعية المتقنة على رؤوس المسلحين الملكيين، من مواقع أعدت بإتقان لتغطي نيرانيًا، وبكفاءة منقطعة النظير، كافة الطرق المؤدية إلى المبنى الحيوي. سقط أكثر من 300 قتيل على الأقل من الملكيين، واعتقل المئات، بينما استسلمَ أو فرَّ الباقون. كان وراء هذا التدبير الدفاعي المحكم، أسطورة المدفعية الفرنسية آنذاك، الجنرال الشاب نابليون بونابرت الذي سبق وأنقذ شرف فرنسا الثورية أمام إنجلترا قبل عاميْن فحسب.

وجدت جماهير الثورة المتعطشة لقائدٍ متميز، ضالتَها في الجنرال الذي أنقذ الثورة من الإفناء في أصعب تحدٍّ يواجهها منذ اندلاعها. زاد من بريق الإنجاز أن قوات الدفاع التي كانت تحت إمرة نابليون في ذلك اليوم، لم تكن تتجاوز 5 آلاف جندي، أي أقل من خُمس القوات المهاجمة، وأنه تولَّى منصبه كقائدٍ ثانٍ لقوات الدفاع داخل العاصمة – بناءً على تزكية من بول باراس، أهم أعضاء المجلس التنفيذي – قبل يوم واحد فقط من محاولة الانقلاب الملكي.

مكافأةً على دوره الحاسم في إجهاض الانقلاب الملكي المضاد، عُيِّن نابليون من قبل المجلس التنفيذي قائدًا لجيش الداخل. ثم في مارس (آذار) 1796، تم تعيينه قائدًا للجيش الفرنسي المواجه لإيطاليا، وأصبح بمقدور نابليون أن ينفذ مخططاتِه الطموحة لفرنسا، ولنفسه بفرنسا.

تصدير الاحتقان الثوري والصعود النابليوني

«يا معشر الجنود، أنتم الآن ضعفاء، وسيئوا التغذية. لكن عما قليل ستكون كل تلك المقاطعات الثرية، والمدن العظمى، طوعَ بنانكم، وستجدون هناك الثروة والمجد والشرف» *نابليون، مخاطبًا جنود جيشه أثناء غزوة إيطاليا عام 1796.

كان الحل الوحيد بنظر نابليون والنخبة الثورية الحاكمة، لأزمات فرنسا المستحكمة، وحالة الغليان الثوري السرمدية، هو تقريغ هذا الاحتقان خارجيًا. لم يتأخَّرْ نابليون في تنفيذ هذا بعد أن تولى قيادة جيش فرنسا القابع على حدود المدن الإيطالية شديدة الثراء.

نجح نابليون في إعادة تنظيم وتسليح 30 ألف جندي، كانوا هم قوام الجيش الذي كان مفكَّكا مهلهلًا، ونجح في أشهر قليلة في هزيمة العديد من الجيوش النمساوية التي كانت تدافع عن ممتلكات النمسا هناك، وكذلك بعض المقاومات المحلية، وتمكَّن من الاستيلاء على العديد من المقاطعات الإيطالية الهامة وفي مقدمتها ميلان، وأنشأ العديد من الجمهوريات الصغيرة الموالية لفرنسا، وأجبر البابا في روما على طلب الصلح معه. وانهالت غنائم الحرب على خزائن باريس الخاوية، وبدأ الشعب يتناقل أخبار انتصارات نابليون بنهمٍ وتعطش.

تجدد الصدام بين نابليون وجيوش النمسا، والتي تكبَّدت أربعة هزائم متتالية على يده، كان أهمها في معركة ريفولي يناير 1797. بعدها توجَّه نابليون بجيشه لغزو فيينا عاصمة النمسا. بينما كان الجيش الفرنسي المتعطش على بعد 100 كيلومتر من فيينا، طلب النمساويون الهدنة، فقبل نابليون، وانتزع بموجبها من النمسا الأقاليم الجنوبية من أراضي هولندا، وثبَّت المكاسب الفرنسية في إيطاليا. كان أهم ما دفع نابليون لقبول الهدنة قبل استكمال خطته لغزو النمسا، هو الشأن الداخلي.

في ربيع 1797، حقَّق الملكيون المعتدلون نتائج جيدة في الانتخابات، مما أثار حفيظة نابليون، الذي خشيَ أن يُحصِّلَ الملكيون بالسياسة، ما لم يحققوه بالحرب، فدبَّر انقلابًا عسكريا أطاح بكل العناصر الموالية للملكية في البرلمان والحكومة. وارتفعت شعبية نابليون بين الجماهير الثورية إلى عنان السماء.

Embed from Getty Images

لم يمنع السلم مع النمسا، استمرار حالة الحرب مع إنجلترا. نظرًا لعجز الأساطيل الفرنسية الضعيفة عن مجاراة الأسطول الإنجليزي الأقوى في العالم، فقد غيّر نابليون خطته من مهاجمة الجزر البريطانية، وآثر ضرب المصالح الإنجليزية في الهند عن طريق احتلال مصر، فكانت الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، والتي رغم نجاحها في الاستيلاء على الأسكندرية والدلتا والقاهرة بشكلٍ عاصف، فقد تخللها أحداث عسكرية مأساوية للفرنسيين كان أبرزها سحق الأسطول الفرنسي على يد الإنجليز في معركة أبي قير البحرية، وكذلك تمدد المقاومة الشعبية المسلَّحة في مصر ضد الفرنسيين، وأيضًا تعطُّل حملة نابليون على الشام أمام أسوار عكا في فبراير (شباط) 1799.

أدت تلك الهزائم الفرنسية إلى تشجع خصوم الثورة الفرنسية خاصة إنجلترا والنمسا والدولة العثمانية وروسيا. هُزِمت الجيوش الفرنسية في إيطاليا، وخسرت الكثير من مكتسباتها هناك؛ مما أدى إلى اضطراب الأوضاع داخل باريس، فحدث انقلابُ جديد في يونيو (حزيران) 1799، زاد من سيطرة المتطرفين الثوريين على المجلس التنفيذي والتشريعي. كان أحد أبرز رموز الانقلاب الجديد إيمانويل سياس، يؤمن بأن فرنسا بحاجة إلى دكتاتورية عسكرية لحماية الجمهورية، ومنع عودة الملكية. في تلك الأثناء، عاد نابليون إلى باريس من مصر متخفيًّا، وترك الحملة هناك بقيادة كليبر.

دبَّر نابليون وسياس انقلابًا جديدًا في نوفمبر (تشرين الثاني) 1799، عُرِف بـ«انقلاب 18 بروميير»، والذي أزال كل مؤسسات الثورة، وركَّز السلطة في يد حكومة القناصل، المكونة من ثلاثة أشخاص، أهمهم القنصل الأول، والذي كان نابليون. قابلت الغالبية العظمى من الشعب هذا التحول الجديد بقدرٍ كبير من الرضا، أملًا في أن يسيطر نابليون على الأوضاع، ويعيد الاستقرار والقوة لفرنسا، ويستكمل فتوحاته العسكرية الناجحة في أوروبا. ثبَّت نابليون مكاسبه في ديسمبر (كانون الأول) 1799م بإصدار الدستور الجديد الذي وضع معظم صلاحيات الحكم في يد القنصل الأول. 

على مدار خمسة أعوام كقنصلٍ أول لفرنسا، أعاد نابليون هندسة الدولة والثورة بما يتلاءم مع رؤيته المتوازنة بين الراديكالية والمحافظة. فأعاد العلاقات مع البابا في روما، وأكد على الحريات الشخصية، وفي القلب منها حرية التملك، مما طمأن العديد من ملاك الأراضي الخائفين من المصادرة. بالتوازي مع ذلك أعاد تجهيز الجيش الفرنسي، واستعاد زمام المبادرة الحربية ضد النمسا، وهزم جيوشها في معارك عديدة في إيطاليا وألمانيا، فطلبت النمسا الصلح، وقبلها انسحبت روسيا من الحلف المضاد لفرنسا، ولم يتبقَ سوى إنجلترا، والتي طلبت الصلح أيضًا عام 1802، لئلا تحارب فرنسا بمفردها. ضاعفت تلك الانتصارات الحربية والسياسية من شعبية نابليون لدى الشعب الفرنسي.

أصبح الطريق ممهَّدًا أمام نابليون ليعلن نفسه إمبراطورًا لفرنسا عام 1804، مستغلًا لمحاولة اغتيال فاشلة ضدَّه، نفذّها بعض أنصار الملكية القديمة المدعومين من إنجلترا، وعزَّز قبضة حكومته الأمنية على الداخل الفرنسي، وشدَّد الرقابة على الصحف.

في الثاني من ديسمبر 1804، وبعد أكثر من 15 عامًا من اندلاع الثورة، وفي حفلٍ مهيب في كاتدرئية نوتردام التاريخية الكبرى بباريس، يقوم بابا روما بنفسه بتكريس نابليون بونابرت إمبراطورًا لفرنسا، في مشهد كثيف الرمزية، يثبت أنه بعد كل ذلك المخاض العسير للثورة الفرنسية، انهزم الملكيون، ولم ينتصر الثوريون الراديكاليون، بينما بدا – ولو إلى حين – أن المنتصر الوحيد من كل هذا هو الفتى الكورسيكي القصير، فارع الطموح، الذي امتطى جواد الثورة الجامحة ضد الملكية، لكي يصبح إمبراطورًا مطلق السلطات، وهو ما يزال في الخامسة والثلاثين من عمره.

«الجارديان»: وجها نابليون بونابرت.. طاغية وحشي أم مصلح حكيم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد