جعل نابليون من قانونه المدني عُنوانًا للمجد والعبقرية، وجعل الانتصارات التي حققها والحروب التي خاضها، وفترة حكمه العالم مقارنة بقانونه المدني أمرًا ثانويًا. لكن بالغوص عميقًا في هذا القانون وباستقراءٍ تاريخي ستجد أنّ مجد نابليون التشريعي الذي وضع حدًا للفوضى التي كانت تشهدها فرنسا والعالم الغربي عمومًا، يرتبط إلى حدٍ كبيرٍ بالتشريعات الإسلامية؛ وهو ما تناولته العديد من الدراسات الإسلامية، واتفقت عليه أقلام وألسنة الغربيين أنفسهم. 

وضع كلٌّ من قدري باشا، إسماعيل الخديوي، مخلوف المنياوي، سيد عبد الله علي الحسين، وهم مجموعة من المفكرين والباحثين، قانون نابليون المدني جنبًا إلى جنب مع أشهر كتب الفقه المالكي على طاولة التشريح، من أجل الوصول إلى المصدر الأساسي الذي اعتمده نابليون في إصدار قانونه المدني.

في الأسطر التالية نستعرض آراء المؤرخين والباحثين في محاولةٍ لسرد قصةٍ أقرب للواقع حول علاقة قانون نابليون المدني بالفقه المالكي.

«لنجعل الرعب مطلبنا».. حين حكمت الفوضى فرنسا بعد الثورة

بعد الثورة الفرنسية التي يُنظر إليها نظرة إكبار، وتعد مثالًا بارزًا لتحرر الشعوب من طغمة الدكتاتورية والأنظمة الملكية الإقطاعية؛ وكانت فرنسا في طريقها إلى المجهول أو الفناء نظرًا للحرب الأهلية التي باتت تعيشها البلاد والتي هددت مستقبلها. 

الفوضى والاضطرابات، باتت السمة البارزة لمجمل الأحداث التي رافقت الثورة الفرنسية مع نهاية القرن الثامن عشر، فقد كانت الشوارع الفرنسية تسبح بالدماء؛ نتيجة حرب الشوارع التي عرفتها مدن الفرنسية، حتى اصطلح المؤرخون على الفترة ما بين 1793 حتى سنة 1797، مسمى «عصر الإرهاب» الذي أعلن روبسبير عن بدايته.

مئات الآلاف من القتلى والمصابين، ومثلهم من المفقودين والمعتقلين نتيجة الصراع الدموي الذي وقع على الحكم بعد الثورة، الذي غذته تصريحات السياسيين الفرنسيين. فقد هتف برتراند بارر عضو المؤتمر الوطني الفرنسي في 5 سبتمبر ( أيلول) 1793 في أحد تجمعاته: «لنجعل الرعب مطلبنا اليوم!».

لم ينج من تلك الفترة إلّا القليل، فقد هوت المقاصل على رؤوس قادة الثورة الفرنسية، فحتى روبسبير – الذي كان زعيمًا للفوضى التي كانت تحكم فرنسا وقتها – فقد رأسه بعد أن أتى عليه الدور. 

الفوضى كانت سمة المرافقة للثورة الفرنسية

                                        الفوضى كانت سمة المرافقة للثورة الفرنسية

غير أن الثورة الفرنسية استطاعت – بعد اعتلاء نابليون الأوّل العرش عبر الانقلاب الذي نفّذه – اجتياز عصر الإرهاب الثوري وعصر الإرهاب المضاد الذي طبع تلك الفترة مؤكدةً سيادة الحرية، والأخوة والمساواة، وتفيض بها على أوروبا كلها والعالم بأسره، وليس على فرنسا فقط، وذلك بعد ماراثونٍ من القوانين والتشريعات الدستورية وصولًا إلى قانون نابليون الذي وضع حدًا للفوضى تلك.  

في كتابه «الأحكام الدستورية المنظمة لاقتراح القوانين»، يعدّد عبد القادر محمد القيسي المراحل الدستورية التي مرّت بها فرنسا بعد الثورة للوصول إلى «قانون نابليون». ففي سبتمبر 1791، خرج إلى النور أوّل دستورٍ بعد الثورة، طوت فرنسا من خلاله صفحة الاستبداد الملكي؛ وأسقطها في ديكتاتورية الثورة، المتمثلة في الجمعية الوطنية الفرنسية التي صاغت الدستور على هواها، وهو الأمر الذي جعل الفرنسيين يصدرون دستورًا ثانيًا سنة 1793، أقرّ النظام الدستوري لأوّل مرةٍ في فرنسا. 

ولأن عدم الاستقرار كان سمة تلك المرحلة وعنوانها فقد أُقرّ دستور آخر بعد سنتين فقط، كانت ميزته الأساسية الفصل بين السلطات، إلى أن أتى نابليون إلى الحكم سنة 1799 عبر الانقلاب ليصدر قانونه الجديد الذي صار في ما بعد مصدرًا للتشريعات في عدّة دولٍ عبر العالم. 

«حملة نابليون على مصر».. عصفوران بحجرٍ واحدٍ

في عزّ الفوضى التي شهدتها فرنسا أواخر القرن الثامن عشر؛ لم تسكت آلة الحرب الفرنسية عن الزئير، فاشتعلّ الصراع بينها وبين إنجلترا التي كانت تخشى من أن تلفحها نيران الثورة الفرنسية. وأمام هذا الصدام الفرنسي الإنجليزي، وجدت مصر نفسها بين رحى ذلك الصراع، بعد أن قرّر الفرنسيون إرسال حملةٍ عسكرية بقيادة نابليون لغزوها وتعزيز نفوذها على البحر المتوسط والحدّ من نفوذ بريطانيا على الملاحة والطرق البحرية إلى آسيا. 

نابليون في طريق حملته إلى مصر

                                                 نابليون في طريق حملته إلى مصر

اتفق المؤرخون على كون الأهداف العسكرية والإستراتيجية التي كانت نتاج الصراع الفرنسي البريطاني هي التي حرّكت فرنسا باتجاه غزو مصر، غير أنّ القائد الفرنسي الشاب نابليون كان يحمل من وراء الحملة مجده ومجد فرنسا الأزلي. فالأهداف العسكرية لتلك الحملة امتدت ثلاث سنوات، أمّا الأهداف الثقافية والعلمية والاجتماعية فامتدت إلى يومنا هذا، وشملت أكثر البلدان العربية. 

ومثلما يتعلّق العازف بقيثارته، والربّان بسفينته؛ كان نابليون متعلقًا بمدفعه الحربي، غير أنّه لم ينس أحلامه إذ كان يطمح في صغره إلى اكتشاف العالم. ولتحقيق هذا الطموح حرص القائد الفرنسي العظيم على أن لا تكون حملته عسكرية بحتة. 

كانت البعثة التي رافقت نابليون في حملته على مصر تحمل بين صفوفها علماء، وأدباء، وفنانين، وباحثين، وكيميائيين، ومهندسين؛ في مشهدٍ يوحي بأنّ الحملة سيكون لها ما وراءها.

وبالفعل نقل المؤرخون إعجاب نابليون للحياة الإدارية والتنظيم الاجتماعي والديني التي كانت تعيشه مصر في ذلك العهد تحت ظلّ أكثر المذاهب الإسلامية انتشارًا، وهو المذهب المالكي؛ ما جعل نابليون يبدي احترمًا للإسلام، وما أشيع عن اعتناقه للإسلام وحضوره المتكرر لحفلات ومجالس الصوفية.

وعلى مدار حكم العثمانيين لمصر بعد موقعة الريدانية سنة 1517؛ كان المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة في مصر، وفي هذا الصدد يشير مفتي الديار المصرية السابق، الشيخ علي جمعة، إلى أنّ «الدولة العثمانية، وضعت قوانين أسمتها المجلة العدلية، وفيها قننوا المذهب الحنفي، وجاء بعد ذلك الخديوى إسماعيل، وجمع أهل الذكر من علماء الأزهر، وقال لهم لا أريد أن أطبق المجلة العدلية، ولا أريد أن أخرج عن الإسلام، اصنعوا لي حلًا نتحرر فيه من سلطان العثمانية، وتكون لنا شخصية أزهرية مصرية، ولا نخرج عن الإسلام، فنصحوه بأن يخرج عن المذهب الحنفي إلى المالكي».

نابليون في القاهرة

                                                        نابليون في القاهرة

ومن المواقف التي ترويها لنا المصادر التاريخية حول العلاقة التي ربطت الإمبراطور الفرنسي نابليون وشيوخ الأزهر في ذلك الوقت ما يذكره محمد جلال كشك في كتابه «ودخلت الخيل الأزهر»، من أن «شيخ الأزهر عبد الله الشرقاوي قد غضب غضبًا شديدًا عندما أراد نابليون أن يضع شارة الثورة الفرنسية فوق كتفه، وأن الشرقاوي قد نزع تلك الشارة وألقاها على الأرض؛ ما أجبر الجنرال الفرنسي على الاعتذار للشيخ الأزهري وتطييب خاطره».

كما سعى نابليون إلى مداعبة عواطف المصريين الدينية، وإقناعهم بأنّه حام للإسلام، فبدأ بونابرت بيانه الأول للمصريين، والذي أورده المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي المعاصر للحملة في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» بالقول:

«بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له، ولا شريك له في الملك، من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية، السر عسكر الكبير أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته، يُعّرف أهالي مصر جميعهم. قد قيل لكم، إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم، فذلك كذب صريح، فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى، وأحترم نبيه والقرآن العظيم».

ولم تكن تلك الأفكار وليدة الحملة؛ فقد ذكر المؤرخ الفرنسي فرانسوا شارل رو، في دراسة بعنوان «السياسية الإسلامية لبونابرت» نشرتها مجلة «الدراسات النابليونية» العدد 24 بتاريخ 1925: إن «محمدًا يثير إعجابه (يقصد نابليون) كمؤسس ديني وقائد لشعوب ومشرّع. إن التاريخ ومذهب النبي كانا قد أثارا اهتمامه منذ زمن بعيد، وقبل حتى أن يعرف أن قدره سيقوده إلى مصر؛ بدأ يدرس تاريخ العرب، وقرأ القرآن وكان يحتفظ بنسخة منه في مكتبه أيام الحملة إلى جانب العديد من الكتب الدينية».

الفقه المالكي.. العصا السحرية التي أنقذت «فرنسا نابليون» من الزوال

كانت الأخبار  القادمة إلى نابليون من باريس لا تسرّ، فقد كانت الفوضى تسيطرّ على الوضع الداخلي للبلد الأوروبي؛ ومن الاستحالة بمكان أن يتعايش الفرنسيون مع بعضهم البعض دون عنفٍ، فقد كانت مظاهر التعايش السلمي والتسامح غائبةً عند الفرنسيين؛ وهو الأمر الذي اهتم له نابليون عند عودته إلى فرنسا قافلًا من مصر بعد قرابةٍ سنتين من حكم مصر. 

بقيت مشاهد التعايش والنهضة التي عاشتها مصر في تلك الفترة عالقةً في أذهان نابليون؛ وفي أمنيته أن يستلهم منها ما يطفئ نار الفتنة والفوضى، ويدبّ الأمل والحياة في الفرنسيين من خلال إيجاد دستورٍ وقانونٍ ينظّم حياة الفرنسيين. 

يذكر المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه «حضارة العرب» أن الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت عند عودته إلى بلاده فرنسا راجعًا من مصر سنة 1801 أخذ معه كتابًا فقهيًا من مذهب الإمام مالك بن أنس اسمه «شرح الدردير على متن خليل».

من جهته يذهب المؤرخ الفرنسي لويس سيديو في كتاب «ملخص تاريخ العرب» إلى أكثر من ذلك، حين يذكر أنّ هذا الكتاب الفقهي الذي أخذه بونابرت معه، بنى عليه القانون الفرنسي الذي كان أحد أهم أسباب نهضة الدولة، خاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات، ليكون للفقه الإسلامي، وخاصة المالكي، أثر كبير في التشريع الفرنسي، خاصة مدونة الفقه المدني المعروفة بمدونة نابليون.

وثيقة لقانون نابليون

وبالغوص في القانون المدني لنابليون؛ نجد أن عدّة بنودٍ من قانون نابليون تمّ نسخها من التشريع الإسلامي، فيشير أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر والإمام السابق بمسجد الكبير كلايمور الفرنسي، محمد السعيد، في حديثه مع «ساسة بوست» إلى أنّ القانون الفرنسي به عدّة بنودٍ مستلهمةٍ من مختصر الإمام خليل. فنجد في البند الثاني من الصفحة الثالثة للقانون والذي يقول: «لا يطبق القانون إلا على المستقبل، وليس له أي أثر رجعي»، نَسْخ من التشريع الإسلامي، فالأحكام التي جاء بها القرآن الكريم أو السنة ليس لها أثر رجعي إلّا فيما له أثر مستمر فيما كان مباحًا ثم نهي عنه. 

أمّا البند 115 الذي ينصّ على أنّه «إذا اختفى إنسان عن موطنه، أو محل إقامته، وانقطع خبره من أربع سنين جاز لمن لهم مصلحة أن يرفعوا دعوى المحكمة المختصة لتحكم بالغيبة». له ما يقابله في مختصر خليل بـ«ولزوجة المفقود الرفع للقاضي، والوالي، وولي الدماء، وإلا فلجماعة المسلمين، فيؤجل الحر أربع سنين إن دامت نفقتها».

يضيف محمد السعيد أنّ أغلب تشريعات العقود في القانون المدني الفرنسي استلهمت من الفقه المالكي، إذ نجد أن ما جاء في القانون الفرنسي في مسألة العقود من شروط لزومه بالإيجاب والقبول من المتعاقدين، وشرط صحة العقد بصفة عامة، وعيوب العقد، وحرية المتعاقدين، وانتقال الملكية للموكل، هي الأمور نفسها التي نصّ عليها فقه الإمام مالك بن أنس.

تاريخ

منذ 7 شهور
مستشرق فرنسي ترجم القرآن وألهم نابليون ليغزو مصر.. من هو؟

وقد أثبتت دراسةٍ مقارنةٍ بين القوانين الوضعية المدنية الفرنسية والتشريع الإسلامي، قام بها الدكتور سيد عبد الله حسين أستاذ القانون، وأحد علماء الأزهر، التقاطع الكبير بين القانون المدني الفرنسي والفقه المالكي. وهي الدراسة التي عززتها بحوث عدد من الباحثين، مثل الدكتور حسين حمودة، والدكتور عدنان إبراهيم، والدكتور نزيه قسيس، والشيخ فريد الباجي التونسي وغيرهم ممن أجمعوا على أنّ 90% من القانون الفرنسي المدني مأخوذ من الشريعة الإسلامية، ومن الفقه المالكي خصوصًا.

لم تقتصر تلك الشهادات على العرب فقط، بل تعداها إلى باحثين ومؤرخين غربيين، فيشير أستاذ القانون الدولي في الجامعة الهولندية، ميشيل دي توب، إلى تأثير الروح الإنسانية والخلقية التي جاء بها الإسلام، وتجسدت في فلسفته الفقهية وفضلها على أوروبا في العصر الوسيط. إذ يذكّر بما كانت تعانيه البشرية من بؤس وتعاسة، وتأثير القواعد التشريعية الإسلامية على ذلك، وأثرها في القانون الدولي.

أمّا المؤرخ الإنجليزي ويلز فيعترف في كتابه «ملامح تاريخ الإنسانية» إلى أنّ أوروبا مدينة للإسلام في الجانب الأكبر من قوانينها الإدارية والتجارية. وانضمّ الشيخ علي جمعة إلى قافلة المفكرين والعلماء الذين أكدوا علاقة قانون نابليون بالفقه المالكي حين دافع عن المذهب المالكي بالقول: «هذا الفقه تأثر به القانون الفرنسي وقت نابليون».  

عرض التعليقات
تحميل المزيد