تخبرنا أفلام الخيال العلمي عن أبطالها الذين يسافرون بين الكواكب والمجرات، ويعيشون لمئات السنين. فلا شك أن هذه الصفحة الزرقاء الباهية المتلألئة بالنجوم داعبت خيالنا كثيرًا، فتمنينا لو كان بإمكاننا السفر، والعيش مثل أبطال تلك الأفلام.

لكن أفلام الخيال العلمي ليست خيالًا محضًا دائمًا؛ فبعضها يعكس طموحات العلماء التي تتحقق يومًا بعد يوم. ففي عام 2011 أطلقت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء NASA) National Aeronautics and Space Administration) مشروع «BIOKon» في الفضاء المعروف اسم (BIOKIS).

وهو تجربة علمية بيولوجية متعددة التخصصات لقياس تأثير رحلات الفضاء قصيرة الأمد على عدد من الكائنات الحية المجهرية.

الحياة في الفضاء ممكنة

يبدو للوهلة الأولى أنه يستحيل على أية كائنات حية العيش والازدهار في الفضاء؛ فكما نعلم، يحتاج الكائن الحي إلى الأكسجين والماء بشكل أساسي.

إلا أن نتائج هذه التجارب النوعية تشرع الباب أمام عدد من التطبيقات المتنوعة لتحسين نوعية حياة البشر، ومحاربة الشيخوخة، وربما السفر والزراعة في الفضاء.

تُجرى هذه التجارب تحت رعاية وتمويل وكالة الفضاء الإيطالية ((ASI «Agenzia Spaziale Italiana» ويضم المشروع سبع تجارب، وذلك في مجالات: (علم الأحياء الخلوية، والإشعاع، والحماية الراديوية، والشيخوخة، والإنبات ونمو النبات).

الفضاء

أجهزة BIOKON 1


يجري الفريق هذه التجارب لتقييم أية تغييرات في المعلومات الوراثية في الكائنات الحية، وكذلك دراسة كيفية تكيف الخلايا مع الجفاف الشديد، بسبب فراغ الفضاء، والأضرار الناجمة عن الإشعاع الكوني.

ويدرس العلماء باستخدام البيولوجيا الجزيئية عددًا من الأنواع النباتية والحيوانية عن طريق قياس التغيرات الجينية التي تحدث في الفضاء. بجانب رصد وقياس تأثير مستويات مختلفة من الإشعاع عقب التحليق في الفضاء لمدة قصيرة.

كائنات حية تعيش وتتكاثر في الفضاء

أسفرت بعض نتائج هذه التجارب على جراثيم الخميرة في الفضاء عن عدم تغير تشكل هذه الجراثيم، إلا أنه قد يتأثر نموها وتكاثرها فيما بعد. في حين سجلت الخلايا المتحولة مستويات أعلى وأسرع في النمو، كدليل على إمكانياتها العالية في تحمل الظروف القاسية، والبقاء على قيد الحياة. فقد تمكن اثنان من الحيوانات المائية الدقيقة من التكاثر ودون أن تتأثر بالجاذبية الصغرى «microgravity»  أو الإشعاع الكوني «cosmic radiation».

ولكن ماذا يعني ذلك على وجه التحديد؟

الفضاء

دب الماء Tardigrade 1


تؤكد هذه التجارب أنه لا يجب أن تقتصر معيشة الكائنات الحية على الأرض؛ فبعد أن أرسلت ناسا كائنات مجهرية تدعى «دببة المياه» وجدت أن البعض منها ليس فقط ظل على قيد الحياة، بل وفقس بيضها أيضًا.

ليضيف بعدها مشروع «Biokis» في عام 2011 ستة كائنات حية مجهرية أخرى إلى قائمة الكائنات الأرضية المسافرة للفضاء.

سلالات أنواع جديدة يمكن أن تنشأ في الفضاء

وتكمن أهمية هذه الدراسات في إمكانية نمو أجيال متنوعة وولادة أنواع جديدة. فإذا كان من المجدي إرسال الجراثيم البوغية«spores»  خلال الرحلات الفضائية؛ فمن الممكن فيما بعد نقل أنواع كائنات حية أخرى من كوكبنا إلى نظم بيئية غير أرضية. بجانب دراسة العلماء لتأثير رحلات الفضاء على الخصوبة، من أجل تحسين الوجود البشري.

كذلك يمكن أن يوضح لنا إرسال بعض الأنواع النباتية البدائية للفضاء دور الهيكل الخلوي والجينات المسؤولة عن التأثر بالجاذبية. ودراسة التغيرات الواقعة على فسيولوجيا النباتات أثناء وجودها في الفضاء.

رئات اصطناعية من الطحالب

 

الفضاء

تحول الطحالب داخل المفاعلات المسطحة المياه وثاني أكسيد الكربون إلى أوكسجين وغذاء



علاوة على ذلك، يمثل النجاح في عزل الكائنات الدقيقة ذات المقاومة لتأثيرات الإشعاع مسألة أساسية من أجل استخدامها كنظام ذاتي لتوليد الأكسجين.

والذي يشكل أمرًا حيويًا للبعثات الفضائية الطويلة، وكذلك المنصات الفضائية الدائمة مثل محطة الفضاء الدولية.

ويمكن أن يتم ذلك عبر زراعة الطحالب الخضراء في مفاعل حيوي ضوئي صغير الحجم نسبيًا؛ وهو عبارة عن أنابيب بلاستيكية تتعرض لأشعة الشمس.

على الجانب الآخر، يمكن استخدام الطحالب في الأغراض البيئية والتطبيقات الطبية، لتنقية مياه الصرف الصحي والصناعي من عمليات الأكسدة البيولوجية.

بالإضافة إلى إمكانية استخدام مزارع الطحالب كرئة اصطناعية تحل محل وظيفة رئتي الشخص العليل خلال فترة التعافي من إصابة أو مرض ما، أو في عمليات التبرع بالأعضاء لحين توفر رئتين متاحتين للزراعة.

حماية أكثر فاعلية من الإشعاع

عندما يتواجد الإنسان في الفضاء، فإنه يتعرض إلى حقل إشعاعي معقد، والذي يمكن أن يتسبب في أضرار هائلة على الصحة، وكذلك للأجهزة على متن المكوك.

لذا تساعد دراسة قياسات الإشعاع الممتص في تحسين سلامة أفراد طاقم هذه البعثات، وتطوير حماية أكثر كفاءة من الإشعاع وخاصة في الرحلات طويلة المدى.

بالإضافة إلى مزيد من الفهم لكيفية تأثير الإشعاع على الإنسان في الفضاء وكذلك على الأرض. بجانب توفير قياسات دقيقة لقياس الجرعات في التطبيقات الطبية، والعلاج الإشعاعي.

الفضاء

الطيار غريغوري جونسون يعمل على تجارب BIOKIS


ونظرًا لأن التعرض لبيئة الفضاء يمكن أن يحدث تغييرات سريعة في المنظومات الحية؛ لذا تسعى هذه الدراسة إلى تحديد التدابير المضادة اللازمة لحماية الكائنات الحساسة، بما في ذلك البشر، والتي ينقصها القدرة على تحمل الضغوط الشديدة في ظل ظروف الفضاء، تمهيدًا لإرسال بعثات مستقبلية طويلة لاستكشاف النظام الشمسي.

وداعًا للشيخوخة

إن هذه الدراسات من شأنها أن تساهم في تحسين حياة الإنسان، ومحاربة الشيخوخة، وذلك عن طريق الهندسة الجزيئية لمواد من أجل الحفاظ على الأنسجة والخلايا، والتي يمكن استخدامها لتطوير تدابير مضادة ضد الإشعاع والشيخوخة.

فهذه الأبحاث يمكن أن تعطينا معلومات أكثر دقة وتفصيلًا حول تاريخ الحياة وتطورها وتنظيم الدفاعات المضادة للأكسدة، وزيادة معرفتنا عن حدوث التلف في الحمض النووي، وآليات الإصلاح في بعض هذه الكائنات التي تتعرض لضغوط ظروف رحلات الفضاء. فإن كانت قد سبقتنا دببة المياه ونجحت في العيش والازدهار في الفضاء؛ فربما تصير الفرصة سانحة في المستقبل لإمكانية عيش الإنسان في الفضاء.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد