يبدوا أنه ليس هناك حد للإمكانيات المثيرة الناتجة عن الجمع بين الابتكارات التقنية والإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعية. إنها ظاهرة أحدثت ثورة في عالمي الصحافة والترفيه، كما أسفرت-من خلال المساعدة في التغلب على تحديات التنسيق- عن تداعيات سياسية تمثل مجموعة من الفرص والمخاطر دائمة التطور، في عدد متزايد من البلدان.

لكن ما حظي بنصيبٍ أقل من النظر، هو إلى أي مدى يمكن لظاهرة مماثلة، على نطاق أوسع، أن تبدأ التأثير في مجال التمويل، عن طريق إضفاء الطابع الديمقراطي بما يمكنها من إعادة تشكيل جزء ملحوظ من المشهد المؤسسي تدريجيًا، لا سيما في مجال التمويل الاستهلاكيّ، بموازاة التحدِّي الذي يواجه الجهات التنظيمية من أجل التكيُّف.

بيتكوين (عملة إلكترونية/تشفيريّة) هي المثال الأكثر وضوحًا-وإن كانت لا تزال بعيدة جدا عن أن تكون نموذجWا جيدًا- لهذا التطور الوليد؛ بنجاحها في جذب أنظار المتخصصين والجهات التنظيمية والجمهور، ببطءٍ ولكن بثبات. بيدَ أنَّ ظاهرة العملة المشفرة أبعد من أن تكون النموذج الأوحد، وبالتأكيد ليست النموذج الأكثر أهمية. كما أن تأثيرها، الفعلي والمحتمل، محدودٌ نسبيًا بالمقارنة مع المحاولات الجارية لتعزيز و”دَمَقْرَطَة” الإقراض والاقتراض والاستثمار والمدفوعات والتسويات.

لكن الأثر الكامن في التكنولوجيا الهدامة مألوف تاريخيًا. فجرأة الابتكار تخفض فجأة حواجز الدخول إلى أنشطة معينة، وتظهر الآليات التي تمكن شريحة أكبر من المشاركة في ما هو مرغوب فيه، لكن الدخول إليه كان صعبًا. وبينما تكسب القوى الفوضوية أرضًا، تواجه نماذج الأعمال القائمة تحديات صعبة تتعلق بالتكيف، فيما تبدأ الجهات التنظيمية في التخلف عن الركب.

هذا، بطبيعة الحال، ما حدث في الإعلام لعدة سنوات؛ والنتيجة: انتشار منصات لإنتاج وتجميع ونشر واستهلاك المحتوى. ومهما بلغت جدية محاولات كثير من وسائل الإعلام التقليدية -خاصة تلك التي لا يمكنها ادعاء تقديم محتوى مميز- فإنها تجد صعوبة متزايدة في المنافسة.

الآن شيء من هذا القبيل بدأ يظهر في عالم التمويل أيضًا، وإن كان بوتيرة أقل إثارة، و-على الأقل حتى الآن- بطريقة أقل ضررًا. وكما في وسائل الإعلام، يتزعم الابتكارات الرئيسية من هم خارج إطار المؤسسات التقليدية. هذا الفوج الناشئ من رواد أعمال التكنولوجيا يدرك قدرة ابتكار وسائل الإعلام الاجتماعية/الإنترنت على تعطيل عناصر التمويل التقليدية، ويقود الآن جهودًا تشمل علماء السلوك وخبراء التمويل.

يُذكَر أن بيتكوين بدأت في عام 2009 كمحاولة لإنتاج عملة “أفضل”، بدعمٍ من أولئك الذين لا يثقون في إدارة البنوك المركزية  للنقود الورقية. هؤلاء المتبنون الأوائل انضم إليهم عدد متزايد من المضاربين الماليين بدافع من تحركات الأسعار شديدة التقلب. لكن نجاح بيتكوين، الذي لا يزال غير مؤكد إلى حد كبير، يعتمد في نهاية المطاف على تحقيق ما يكفي من الاستقرار لأداء الوظيفة الأهم لأي عملة (في مقابل سلع المضاربة) وهي توفير وسيط للصرف قابل للتنبؤ نسبيًا. وسيتطلب تحقيق هذه المهمة حدوث الكثير.. كحد أدنى، ستحتاج بيتكوين إلى أساس مؤسسيّ أكثر صلابة، وحتى تحظى بقبول واسع ستحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح بشأن مناهج التنظيم والإشراف.

ويمكن العثور على أمثلة واعدة أكثر، وإن كانت أقل شهرة، في نوادي الإقراض والاقتراض التي يحركها الإنترنت، أو- بشكل أعم- مبادرات الأنداد في مجال الخدمات المالية الاستهلاكية. ومن خلال السعي لضغط هوامش الفائدة الصافية، بما في ذلك خفض النفقات والتجميع وتقييم البيانات بكفاءة أكبر، وعبر استهداف تجربة استهلاكية معززة، يمكن لخطط التمكين العمل على خفض تكلفة الوساطة المالية بموازاة تقديم نتائج أكثر عدلًا في استثمار الأصول المالية ذات المخاطر المتباينة، وأفضل في مجال اكتتاب الائتمان. وبالمثل، يشهد ما يسمى المحافظ الرقمية وتحويلات المحمول جهودًا لتحسين المدفوعات والتسوية في قطاع التجزئة المالي الذي يحظى باهتمام أقل بكثير من القطاعات المؤسسية.

وتختلف آفاق كل هذه التطورات الديمقراطية بشكل ملحوظ، شأنها شأن معادلات التكاليف والفوائد المحتملة. وسيتوقف الكثير على ما إذا كانت التكنولوجيا الأساسية مستقرة وآمنة، والثقة مؤسَّسَة، والشفافية مقنِعة، وحماية المستهلك فعالة، والمحتوى الجديد مقترن جيدًا بقنوات توزيع قوية، إلى جانب مصادقة واسعة النطاق وتحقق مؤسسي يعزز المصداقية.

واستشرافا للمستقبل، ينبغي أن نتوقع ماهية القوى الكامنة في الابتكار كي نظل أقوياء. فبعض الشركات القائمة سوف تدرأ التهديدات الفوضوية، بعضها عبر الاستحواذ، والبعض الآخر من خلال التكيف (على سبيل المثال، أعلنت وول مارت مؤخرًا توسيع عروض خدماتها المالية)، لكن العديد أيضًا قد يثبت مرونة بالقدر الكافي. ومن المرجح أيضًا أن تتأخر استجابة الجهات التنظيمية للهياكل والأنشطة الجديدة. أما تحديات الحصول على هذا الحق في التمويل فأكثر صعوبة إلى حد كبير مما هي عليه في وسائل الإعلام؛والعواقب أكثر عمقًا، نظرًا لمركزية التمويل في مساحات واسعة من الاقتصاد الحقيقي. وأي شخص يشك في ذلك عليه أن يستذكر كيف أسهم ازدهار التوريق وأفوله خلال العقد الماضي -وهذا مثال آخر على الابتكار المالي الفوضوي، المفرط إنتاجيًا واستهلاكيًا- في أزمة الائتمان والسيولةالتي دفعت الاقتصاد العالمي إلى حافة الكساد الكبير الثاني.

وببراعةٍ يذكرنا جاريد كوهين واريك شميت، في كتابهما الأخير، بالفرص والمخاطر التي تتيحها التطورات متعددة السرعات في العالمين الحقيقي والافتراضي. وبعد إعادة تعريف وسائل الإعلام، تبدأ تطورات مماثلة ببطء في مجال التمويل بانعزالية حتى الآن، لكن من المحتمل أن تشرع قريبًا في تغيير كيفية تعبئة رؤوس الأموال وتخصيصها لدعم النمو الاقتصادي والتوظيف. ويحسن الأفراد والشركات والحكومات صنعًا إذا كرسوا المزيد من الوقت والموارد الأخرى لفهم هذه الظاهرة الهامة التي تمثل نقطة تحول.

عرض التعليقات
تحميل المزيد