هي إحدى ضواحي القاهرة التي لا يلقى تخطيطها إعجاب الكثيرين اليوم، لقد أريد لمدينة نصر أن تكون عاصمة مصر الجديدة. في الواقع، لقد كانت تعتبر «مدينة الثورة» في عام 1958 من قِبل النظام العسكري الذي استلم السلطة في عام 1952 وسعى لتدشين شرعيته من خلال تنفيذ مشروعات تنموية عبر البلاد. وفي ضوء إعلان الحكومة المصرية مؤخرًا عزمها بناء عاصمة جديدة، فإن العديد من التصريحات المستخدمة للترويج إلى المشروع تستدعي إلى الذاكرة الكيفية التي كان يتم بها تقديم مدينة نصر في أواخر الخمسينيات.

 

كان التخطيط الأولي والتصاميم المعمارية، التي أنجز معظمها المهندس المعماري سيد كريم، يتماشى مع ما كان سائدًا وقتها. كانت كراسة المشروع مكتوبة باللغة الإنجليزية عوضًا عن اللغة العربية، وكانت مصممة لجذب السكان من الطبقة المثقفة والمتوسطة الذين جرى طمأنتهم بأن المدينة الجديدة «جرى التخطيط لها وفقًا لأحدث نظريات تخطيط المدن». جرى تصميم المدينة على أساس المخطط المتعامد الذي يتكون من «أحياء فاخرة» يتكون كل منها من شقق باهظة الثمن بالنسبة للفقراء والسواد الأعظم من الطبقة المتوسطة. وتباين تخطيط الشقق بين شقة تشمل غرفتي نوم أو أربعة غرف نوم على طابقين. وسيضم كل حي فاخر خدمات ومساحات خضراء. وكان من المزمع بناء سلسلة من المباني الإدارية لاستضافة الوزارات الجديدة ونقل أخرى من منطقة وسط المدينة. وقد قُصد لها أن تكون مدينة حديثة تعكس تقدم النظام الجديد.

 

 

ولكن ما الذي أفسد المشروع؟ تتسم مدينة نصر اليوم بالفوضوية وسوء الإدارة (مثل بقية المدن المصرية)، وهي غارقة في الزحام بسبب غياب شبكة نقل عام فعالة، وتزداد الكثافة السكانية بعدما اختفت البنايات منخفضة الارتفاع وحل محلها أبراج شاهقة. الأكثر من ذلك، لا أحد يعتبر مدينة نصر اليوم كمدينة مستقلة، فقد أصبح اسمها منذ زمن طويل مفارقة تاريخية تشير إلى لحظة عابرة كان يفترض فيها أن تكون المدينة الجديدة التي ستبنى في الصحراء. لكن وقوعها على مقربة من القاهرة جعلها مجرد امتداد للعاصمة القائمة. إذن ما القصة التي تقف وراء مدينة المستقبل السابقة؟

 

بعد العام 1953، كان النظام الجديد يعاني من تلبية طلبات الشعب بتوفير خدمات أفضل ومساكن بأسعار معقولة. وبينما لم تلبِّ مشاريع المساكن الشعبية الطلبات ولم تكن ذات جدوى اقتصادية، شرعت الدولة في تنفيذ مشروع بناء مدينة نصر، التي كانت بمثابة خطة تنمية كبيرة. وفي منشور يعود إلى السبعينات، قال رئيس شركة مدينة نصر جمال الدين فهيم إن «إخواننا الأبطال الذين عانوا في مواجهة الاستعمار إلى أن جرى تحرير البلاد منه في العام 1956، قاموا بدراسة وتخطيط طرق لرفع مستوى معيشة شعبنا والوفاء بأمنيات الرئيس ناصر والسادات من بعده». وقد جرى تجنيد السياسيين القوميين لإسكات كل الأصوات المعارضة لرؤى الرئيس، وأصبحت المدينة علامة على تفرد الرئيس بالحكم وعرضًا لرؤاه (أو أوهامه).

 

واستنادًا لما خطه سيد كريم بيده حول تأسيس مدينة نصر، فقد عرض مشروعه في أوائل الخمسينيات على البلدية وعدة وزارات، لكنهم رفضوا التفكير فيه لأنهم اعتبروا فكرة توسيع القاهرة متعارضة مع مبادئ الاشتراكية. ولكن بعد لقاء مع أنور السادات، الذي كان ضابطًا وقتها، والذي اندهش من النموذج المعماري للمدينة، أصدر جمال عبد الناصر توجيهًا رئاسيًا لبنائها. وقد حقق سيد كريم أعظم مهماته عن طريق المناشدة المباشرة إلى أعلى مراتب السلطة السياسية. وبحلول أواخر الخمسينيات، قدم كريم خطته ليس على أساس أنها امتداد للقاهرة، ولكن كعاصمة جديدة تضم مبانٍ حكومية وستاد رياضي ومركز للمؤتمرات.

 

وقد خلا تصميم وتنفيذ وإدارة مدينة الثورة الجديدة في الخمسينيات من أي مظهر من مظاهر مشاركة الشعب أو الساكنين المستقبليين. لقد كان مشروعًا تنمويًا تقليديًا بُني باسم الشعب، الذين هم مجرد متلقين للحداثة التي تقرها الدولة. وكان الهدف من وراء إنشاء مؤسسة مدينة نصر الجديدة (التي عُرفت لاحقًا باسم شركة مدينة نصر) كالتالي: تقديم نموذج حضري جديد لتنمية الصحراء، والتخفيف من أزمة الإسكان والكثافة السكانية في قلب القاهرة، وتوفير مقرات جديدة للحكومة، وتوفير مساكن للعاملين في الحكومة، وتوفير مناطق سكنية مزودة بالخدمات للإيجار والتملك، ولتوسيع البنى التحتية إلى داخل الصحراء بغية بيعها بسعر معقول للتطوير من قبل القطاع الخاص، ولربط ضاحية هليوبوليس بقلب القاهرة عبر طرق جديدة وبدائل النقل العام.

 

وقد تم تحديد مكان المدينة الجديدة إلى الغرب من ضاحية العباسية، حيث تقع حواجز عسكرية، وعلى الحافة الجنوبية لضاحية هليوبوليس. وكان يبلغ إجمالي مساحة المشروع 1200 كم2 حيث كانت المنطقة المخططة هي المرحلة الأولى من مخطط أوسع للتمدد. كانت معظم الأرض ملكًا للجيش. وقد أصبحت مدينة نصر ضاحية جديدة في نهاية المطاف بدلاً من عاصمة جديدة، لكن هذه الحالة ظلت سائدة خلال العقد ونصف العقد الأول بعد الإعلان عنها في العام 1958. ولا تزال تعتمد تنميتها على ارتباطها بالعاصمة التاريخية القائمة. وعلى الرغم من أنه قد جرى نقل بعض المكاتب الحكومية إلى مدينة نصر، فقد ظلت معالم سلطة الدولة الرئيسية، مثل البرلمان، في منطقة وسط المدينة.

 

لقد سار بناء المدينة/الضاحية الجديدة ببطء. في العام 1966، بعد سبع سنوات من المرسوم الرئاسي بإنشاء مدينة مصر، فقد كان يجري الحديث عنها في الإعلام كخطة وليس كواقع. فبالإضافة إلى البطء في بنائها، كانت العائلات والعمال مترددين في الانتقال إليها بسبب بعدها عن مركز المدينة، وغياب شبكة مواصلات فعالة. الأكثر من ذلك، فقد حرم غياب مشاريع إنشاء مساكن لمحدودي الدخل الأغلبية ممن هم في حاجة إلى سكن من الانتقال إلى هناك. وبحلول أواخر السبعينيات، كانت لا تزال مدينة نصر قيد الإنشاء مع معدلات سكن منخفضة. فقد فشلت في خلق المحيط الحضري الثوري الذي وعدت به، وهكذا فقد ظهر عجز الدولة عن تنظيم مساحة تمثل توسعًا لسلطتها. كما أنها فشلت في التعامل مع أزمة السكن الملحة التي عانى منها المجتمع المصري على مدى عقدين.

 

وبعد تطبيق سياسة الانفتاح، تراجعت الدولة عن موقفها كمنفذ وحيد للمشاريع العملاقة وفتحت الباب أمام المطورين المحتملين للدخول إلى المجال وبناء مبانٍ سكنية لم تتوافق مع الخطة الأصلية وذلك على أمل تعظيم الأرباح. كما تراجعت الدولة عن دورها كمدير لتلك المدن عبر مؤسساتها التي أمكنها السماح للمواطنين للمشاركة في إدارة شؤون حياتهم اليومية. وقد تواصل تعيين المحافظين، وفشلت البلديات في تقديم أبسط الخدمات مثل جمع القمامة وصيانة المتنزهات والأشجار.

 

إن الهدف من الإعلان عن المشاريع الحضرية العملاقة مثل مدينة نصر (أو العاصمة الجديدة المزمع إنشاؤها) هو استخدامها كعنصر لإضفاء الشرعية وتوفير دليل ملموس عن حالة التنمية ردًا على المطالب الشعبية بالتغيير. إلا أنه وبدون مؤسسات عامة فعالة تقدر رفاهية كل سكان المدينة، فإن مثل عمليات التنمية مقدر لها الفشل كما حدث بالفعل في مصر. ويمكن القول إن فشل جعل مدينة نصر عاصمة لا يعزى فقط إلى التصاميم التي قدمها المهندسون المعماريون والمخططون للرؤية الأصلية. يقول الكاتب إن فشل المشروع القديم الخاص ببناء مدينة المستقبل (وإدارة المدينة الحالية) يعود إلى رفض السلطات السياسية في مصر السماح للمجتمع بالمشاركة في التحكم في الحاضر الحضري ووضع تصور للمستقبل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد