الأناشيد الوطنية ليست مجرد كلماتٍ تترنَّم بها جوقة موسيقية في المناسبات الوطنية، ويتلوها الطلاب مُرغَمين في طوابير المدارس، بل هي ملخصاتٌ توجز في كلماتٍ بسيطة تاريخ التحولات السياسية التي تشهدها الأوطان، لا سيما في بلاد العرب.

تحكي السطور التالية كيف تلخص هذه الترانيم قصة تاريخ مجموعة من الدول العربية في كلماتٍ؛ بدءًا من النشيد الوطني العماني؛ الذي يرصد كيف اعتاد السلطان الجديد على محو اسم سلفه، مرورًا بـ«السلام الملكي الأردني»؛ الذي يكاد يختصر الوطن في هتاف: «عاش المليك»، وليس انتهاء بالنشيد الوطني السعودي؛ الذي عزف آل سعود على وقعه لحنًا واحدًا منذ عهد المؤسس. 

وبعيدًا عن ملكيات الخليج، يبرز النشيد الوطني التونسي دليلًا على أن إعلان الجمهورية لا يكفي لتطليق إرث الملكية، ويتردد صدى أنشودة «ليبيا.. ليبيا.. ليبيا»، شاهدًا على حنين الشعب لعهد ما قبل الجمهورية، حين يكتوي بنيران الحكم الاستبدادي الذي يأخذ ثوب الجمهورية ويسكن في باطنه ملكية مطلقة قاسية.

بل إن بعض الدول غيرت أناشيدها ليس مرة أو مرتين بل خمس مرات، ولا يزال الجدل مستمرًا وباب التغيير مفتوحًا، مثلما حدث في مصر والعراق، وفي كل مرةٍ كان التغيير مواكبًا لتطوراتٍ سياسية عميقة تمر بها البلاد، لتصبح تلك الأناشيد في مجملها ككتابِ تاريخ مختصر يحكي قصة البلدين في أكثر من 100 عام.

«السلام السلطاني».. هكذا يمحو السلطان الجديد اسم سلفه ولو كان أبيه

كان الشاعر حفيظ بن سالم السيل الغساني يعمل مستشارًا في بلاط السلطان حين ألَّف النشيد الوطني العماني- المعروف باسم «السلام السلطاني» في عام 1970، ما رآه البعض أنه فصله على مقاس السلطان قابوس. 

استهل الغساني النشيد الذي سيظل العمانيون يرددونه طيلة 50 عامًا تالية، على ألحان الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب، بالابتهال أن «يا ربنا احفظ لنا جلالة السلطان»، وختمه بزفّ الخبر السعيد إلى عمان: «أبشري قابوسُ جاءْ.. فلتبارِكْهُ السّماءْ.. واسْعَدي.. والتقيهِ بالدُّعاءْ».

وما بين الابتهال والبشرى، قدم الشاعر الولاء المطلق لقابوس: «ولْيَدُمْ مؤيَّدًا.. عاهلًا مُمَجَّدًا.. بالنفوسِ يُفْتَدَى»، وهي الفقرة الوحيدة التي تتكرر مرتين في النشيد. وفي ركاب السلطان، نال الشعب العماني دعوة بالحفظ: «والشَّعبَ في الأوطانْ.. بالعِـزِّ والأمانْ»، وحظي ببيتِ فخرٍ قبيل النهاية: «يا عُمانُ نحنُ من عهدِ النَّبي.. أوفياءُ من كِرام العربِ».

ثم حدث ما يبدو أن الشاعر الغساني لم يضعه في الاعتبار: توفي السلطان قابوس في العاشر من يناير (كانون الثاني) الماضي عن عمر ناهز الـ79 عامًا، ليترك وراءه نشيدًا وطنيًا يدعو بالحفظ لسلطان ميت. هنا كان لا بد للتغيير الذي شهدته البلاد أن يصل إلى أبيات «السلام السلطاني». 

بعد مرور أربعينية السلطان الراحل، وتحديدًا في يوم 22 فبراير (شباط) الماضي، أصدر السلطان الجديد، هيثم بن طارق، مرسومًا يقضي بتعديل النشيد الوطني لينزع منه المقطع الذي يُذكَر فيه اسم السلطان الذي يرقد الآن تحت التراب، وتحل مكانه الكلمات التالية: «فارتقي هام السماء.. واملئي الكونَ الضياء.. واسعدي وانعمي بالرخاء». لكن لا يزال مطع النشيد كما هو: «يا ربنا احفظ لنا جلالة السلطان»؛ وهو ما يعكس طبيعة نظام الحكم الداخلي الذي لم يتغير فيه سوى اسم السلطان. 

ومن المفارقات أن السلطان قابوس، بعدما انقلب على أبيه السلطان سعيد بن تيمور في عام 1970، عدَّل النشيد الوطني الذي كان يذكر صراحة اسم والده، ويقول: «يا ربنا احفظ لنا سلطاننا سعيد.. سعيد بالتأكيد». صحيحٌ أن قابوس استمر في السلطة لفترة أطول من أبيه بعشر سنين، لكن اسمه انتزع في النهاية من النشيد الوطني كما انتزع اسم أبيه من قبل. 

«السلام الملكي الأردني».. هل يُختَصَر الوطن في هتاف: «عاش المليك»!

صحيحٌ أن السلام الملكي الذي تبنَّته الأردن منذ عام 1946 لم يذكر اسم الملك صراحةً، لكن كلماته التي ألفها الشاعر عبد المنعم الرفاعي ولحنها عبد القادر التنير، لم تمجِّد غير الملك، أما الرعية فليسوا سوى جنود مجندين في بلاط «مليك العَربِ» الذي له «من خير نبي شرفٌ في النسبِ» وأيضًا «حدثت عنه بُطون الكتبِ»، كما يذكر النشيد.

في هذا السياق تُنسَب كل نهضةٍ تشهدها البلاد وينعم بها العباد إلى الملك: «نحن أحرزنا المُنى.. يوم أحييت لنا.. نهضة تحفزنا.. تتسامى فوق هامِ الشُهُبِ»، ثم رُفِعَت الدعوات لحفظ المليك: «دُمت نورًا وهدى.. في البرايا سيدًا.. هانئًا ممجدًا.. تحت أعلامك مجد العرب».

ينظر بعض المؤيدين للنظام إلى مطالبات بعض الأردنيين باتخاذ نشيد وطني للبلاد، يُرفَع في المناسبات الوطنية بدلًا من السلام الملكي، باعتباره اعتداء على النظام الأردني وربما على تاريخ البلاد الحديث، أو حتى دعوة لتقويض النظام الملكي. 

لكن يبدو أن الملك عبدالله نفسه لا يجد غضاضة أن يُنشَد في حضرته «نشيد وطن»؛ بطله الوحيد هو: الأردن لا الأشخاص، تقول كلماته: «عربي الراية يا وطني.. يا قلعة مجدٍ لم تهنِ.. بكتابك أهلي قد نقشوا.. عهدَ الأحرار مدى الزمن.. لترابك نُقسم أيمانًا.. ونُردد عهدًا مُذ كانا.. أن تبقى حُرًا يا وطني.. كي يبقى مجدك عنوانا».

من السلام الملكي إلى النشيد الوطني.. آل سعود يعزفون لحنًا واحدًا 

منذ تأسيس المملكة وتوحيد أراضيها عام 1932، كانت كلمة «أغنية» أو «نشيد» أو «موسيقى»، من الممنوعات في الثقافة الدينية السعودية، ولم يكن للمملكة سلام ملكيّ خاص تعزفه في مناسباتها الرسمية، حتى كان الملك عبد العزيز آل سعود في زيارة إلى مصر عام 1945 استمع خلالها إلى النشيد الملكي المصري، فأثار إعجابه وطلب من الأمير منصور بن عبدالعزيز، وزير الدفاع آنذاك، الذي كان يرافقه في رحلته بتجهيز موسيقى للسلام الملكي السعودي. 

كان التكليف من نصيب الملحن المصري عبد الرحمن الخطيب، حسب الرواية التي يحكيها سلطان عبد الحكيم، ابن الموسيقار العميد طارق عبد الحكيم، الذي وزع الموسيقى على آلة البوق. 

على ذلك اللحن، ألف الشاعر السعودي محمد طلعت أنشودة كانت أكثر إغراقًا في تبجيل العاهل السعوديّ من «نشيد قابوس» – وإن لم ترقَ إلى إغراق «السلام الملكي الأردني» في تبجيل الملك ونسيان الوطن والمواطن- لولا أنها لم تحمل اسم الملك صراحةً، وإن دعت ليس فقط إلى الهتاف باسمه، ولكن أيضًا لفدائه الروح. 

يعيش ملكنا الحبيب

أرواحنا فداه؛ حامي الحرم

هيا اهتفوا: عاش الملك

هيا ارفعوا راية الوطن

اهتفوا ورددوا النشيد:

يعيش الملك

مرت الأيام، وبينما كان الرئيس محمد أنور السادات يستقبل الملك خالد في زيارته إلى مصر، أعجب العاهل السعودي بكلمات النشيد الوطني المصري، وسأل وزير إعلامه المرافق له، محمد عبده يماني: لماذا لا يصاحب السلام الملكي السعودي نشيد وطني؟، وكان استفساره أمرًا ملكيًا واجب النفاذ. 

عاجلت المنية الملك خالد، لكن خليفته وأخيه غير الشقيق الملك فهد بن عبد العزيز أقر رغبته واشترط أن يكون النشيد الوطني السعودي «خاليًا من اسم الملك، وألا تخرج كلمات النشيد عن الدين والعادات والتقاليد»، وبناء على ترشيح الأمير عبدالله الفيصل، كلف الشاعر المكي إبراهيم خفاجي بهذه المهمة. 

عكف خفاجي ستة أشهر حتى نسج أربعة مقاطع متوافقة مع موسيقى السلام الملكي، وكان الهدف من هذا الشرط ألا تتخلى المملكة عن اللحن الذي وضع في عهد مؤسسها الملك عبدالعزيز. وجاءت الأنشودة كالتالي:

سَارِعِي لِلْمَجْدِ وَالْعَلْيَاء.. مَجِّدِي لِخَالِقِ السَّمَاء

وَارْفَعِ الخَفَّاقَ أَخْضَرْ.. يَحْمِلُ النُّورَ الْمُسَطَّرْ

رَدّدِي اللهُ أكْبَر.. يَا مَوْطِنِي

مَوْطِنِي عِشْتَ فَخْرَ الْمُسلِمِين.. عَاشَ الْمَلِكْ: لِلْعَلَمْ وَالْوَطَنْ

سلَّم «خفاجي» نص النشيد للموسيقار سراج عمر، ليوزعه على الآلات النحاسية العسكرية، وحين ارتدى النشيد ثوبه النهائي، رُفِع إلى الملك فهد الذي أعجب به وأقره نشيدًا وطنيًا رسميًا، وبثته لأول مرة إذاعة وتلفزيون المملكة في افتتاحيَّة برامجهما يوم الجمعة أول أيام عيد الفطر الموافق الأول شوال 1404 هـ/ 29 يونيو (حزيران) 1984.

النشيد الوطني التونسي.. إعلان الجمهورية لا يكفي لتطليق إرث الملكية 

تقليد الترنُّم باسم الحاكِم في النشيد الوطني لا يقتصر على الدول الملكية، بل أصيبت به بعض الدول الجمهورية أيضًا. فهذه تونس، بعدما انعتقت من قيد الاستعمار الفرنسي رسميًا في عام 1956، ودخلت في عباءة الحبيب بورقيبة، أول رئيس للجمهورية الوليدة، كان من الطبيعي أن تتوج تغييرها بنشيدٍ وطنيٍّ جديد بدلا من «سلام الباي» الذي كانت تترنم به في عهد الملكية. 

لهذا الغرض، أقامت وزارة التربية والتعليم مسابقة، اشترك فيها 53 شاعرًا و23 موسيقيًا، وتمخضت عن فوز عمل الشاعر جلال الدين النقاش والملحن صالح المهدي، ليصبح هو النشيد الرسمي بدءًا من 20 مارس (آذار) 1958. 

صحيحٌ أن الأنشودة استهلت بتكريم جهاد الوطن الذي سُكِبَت في سبيله الدماء، لكنها سرعان ما ترنمت صراحةً باسم الحبيب بورقيبة، قائلة: «نـخـوض اللهيـب.. بروح الـحبيب.. زعيـم الوطن». 

بعد أربعة أيامٍ فقط من انقلاب زين العابدين بن علي على الحبيب بورقيبة ووضعه قيد الإقامة الجبرية، اعتمدت تونس رسميًا نشيدًا وطنيًا جديدًا يوم 12 نوفمبر 1978، كانت معظم كلماته من تأليف مصطفى صادق الرافعيّ، وأضيف إليها بيتان للشاعر أبي القاسم الشابي، ولحنها أحمد خير الدين. 

جاءت كلمات النشيد هذه المرة خالية من اسم الرئيس، وركزت على معاني التضحية والفداء والعزة والإباء «لَقَدْ صَرَخَتْ فِي عُرُوقِنَا الدِّمَاء. نَمُوتُ نَمُوتُ وَيَحْيَا الْوَطَنْ»، وفي المقابل نددت بالخونة الذين لا يستحقون العيش فوق تراب الوطن «فَلَا عَاشَ فِي تُونِسْ مَنْ خَانَهَا.. وَلَا عَاشَ مَنْ لَيْسَ مِنْ جُنْدِهَا».

إضافة إلى البيتين الشهيرين اللذين ألهبا فيما بعد، ليس فقط حماسة المتظاهرين المشاركين في الثورة التونسية عام 2011، بل حفزا أيضًا نخوة ملايين المحتجين في ربوع العالم العربي: «إِذَا الشَّعْبُ يَوْمًا أَرَادَ الْحَيَاةْ.. فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَرْ وَلَا بُدَّ لِلَّيْلِ أَنْ يَنْجَلِي.. وَلَا بُدَّ لِلْقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِــرْ».

«ليبيا.. ليبيا.. ليبيا».. عندما يحن الشعب لعهد الملكية 

تحنَّ بعض الشعوب أحيانًا إلى عهد الملكية، حين تكتوي بنيران الحكم الجمهوري الذي يكرس مسالب الملكية الماضية في ثوب جديد وبشكل أعنف. هذا بالضبط ما حدث في ليبيا؛ التي اعتمدت قصيدة «يا بلادي»، للشاعر التونسي البشير العريبي، نشيدًا رسميًا للمملكة الليبية منذ عام 1955 وحتى انقلاب 1969، ثم عادت أبياته تتردد مرة أخرى على ألسنة الثوار الذين انتفضوا ضد القذافي في فبراير 2011. 

والعودة إلى نشيد الملكية ليس فقط يرمز إلى رفض عهد القذافي، ولكن كلمات النشيد أيضًا كانت تجسيدًا للشعار الذي أراد الليبيون أن تكتسي به ثورتهم: «إنا -على الدهر- جنود.. لا نبالي إن سلمت من هلك.. وخذي منا وثيقات العهود.. إننا يا ليبيا لن نخذلك.. لن نعود للقيود.. قد تحررنا وحررنا الوطن».

أناشيد وطنية تحكي قصة مصر في أكثر من 100 عام

أوضح الأمثلة على الرابط بين الأناشيد الوطنية والتغييرات السياسية التي تشهدها البلاد يتجسد في المراحل التي مرَّ بها النشيد الوطني المصري

– أول سلام ملكي مصري.. من تأليف موسيقار إيطالي

ربما يكون من المقبول أن يُعزَف النشيد الوطني لدولةٍ عربية على لحنِ موسيقار يحمل جنسية دولة عربية شقيقة أخرى، وقد كان لمصر النصيب الأوفى في تصدير كلمات وألحان الأناشيد الوطنية للدول العربية. لكن ربما يستهجن البعض أن يكون السلام الوطني المصري في عهد الخديوي إسماعيل (1863 – 1879) عبارة عن مقطوعة موسيقية من تأليف الموسيقار الإيطالي فيردي، مؤلف أوبرا عايدة. 

– «اسلمي يا مصر».. نشيدٌ ملكيّ يضع «الأوطان أولًا» 

خلع السلطان العثماني الخديوِي إسماعيل من على العرش، لكن السلام الملكي ظل يُنشَد حتى عام 1923، عندما ألف مصطفي صادق الرافعي نشيد «اسلمي يا مصر» ولحنه صفر علي ليكون النشيد الوطني. ورسالة هذا النشيد تظهر من عنوانه، وتطابقها كلماته التي تترنم بالجهاد: «وَمَعي قلبي وعَزْمي للجِهَاد»، وتفدي الوطن بالروح: «إنْ رَمَى الدهرُ سِهَامَه.. أتَّقِيها بفؤادي»، وتضعه أولًا ولا شيء قبله «وَفِدًا لِمِصْرِنا الدُّنيا فلا.. نَضَعُ الأَوْطَانَ إِلا أَوْلًا».

– «الحرية».. نشيد ثورة يوليو شعاره الغضب والثأر

حين قامت ثورة يوليو (تموز) 1952، تبنى الضباط الأحرار نشيد «الحرية» الذى كتبه الشاعر كامل الشناوي ولحنه الموسيقار محمد عبد الوهاب، وظل يُنشَد طيلة ثماني سنوات حتى عام 1960.

في ظل الثورة، كان مناسبًا أن يكون الصمت هو العار الأكبر: «كــنــت في صــمــتــك مــرغم.. كـنـت في صبرك مــكــره.. فـتــكــلم وتألـم.. وتــعلــم كـيـف تـكــره»، والغضب هو شعار المرحلة: «غـضـبـةً لـلـعـرض لــلأرض لـنـا.. غضبـةً تبـعـث فيـنـا مجـدنا». 

ولأنه لم يكن يليق التغنِّي بأمجاد الضباط الأحرار صراحةً، وهم الذين قاموا على طغيان الملكية حسب روايتهم الرسمية، كان من المناسب أكثر أن تكون الإشادة بالبطولة ضمنية: «فاحـترم بالثـأر ذكـرى شـهـدائـك.. بذلوا أرواحهم بذل السخى»، وبصيغة أكثر عمومية: «أنا يا مصر فتاك.. بدمى احمـى حمـاك.. ودمى مـلء ثــراك». 

– «والله زمان يا سلاحي».. صرخة من رحم العدوان الثلاثي على مصر 

خلال العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956، اشتهر نشيد «والله زمان يا سلاحي» من كلمات الشاعر صلاح جاهين ولحن الموسيقار كمال الطويل، ونال شعبية واسعة، وكان ذلك تمهيدًا لاعتماده نشيدًا وطنيًا للجمهورية العربية المتحدة عام 1960. 

تماشيًا مع أهداف المرحلة، كان مطلع النشيد يقول: «والله زمــان يـا سـلاحـي.. اشتـقـت لـك في كـفـاحي.. انطق وقـول أنـا صاحـي.. يــا حــرب والله زمــان». «همـوا وضـمـوا الصـفـوف.. شيلوا الحياة ع الكفوف.. ياما العدو راح يـشـوف.. منكـم في نـار المـيـدان». «الشعب بيزحـف زى النور.. الشعب جبال الشعـب بحور.. بركان غضب بركان بيفور.. زلزال بيـشق لهم في قبور».

– «بلادي بلادي».. نشيد «الحرب والسلام» يعكس توجهات السادات

من وحي خطبة للزعيم مصطفي كامل قال فيها: «بلادي بلادي لك حبي وفؤادي.. لك حياتي ووجودي، لك دمي، لك عقلي ولساني، لك لُبي وجناني، فأنت أنت الحياة.. ولا حياة إلا بك يا مصر»؛ كتب الشيخ يونس القاضي أنشودة «بلادي بلادي» التي أصبحت النشيد الوطني الرسمي لمصر في عام 1979 وحتى اليوم، ترافقها ألحان الموسيقار سيد درويش، ثم توزيع الموسيقار محمد عبد الوهاب. 

تطوراتٌ محمومة شهدتها السنوات التي سبقت تبني هذا النشيد رسميًا وما بعدها: بدءًا من انتفاضة الخبز التي وصفها السادات بـ«انتفاضة الحرامية» (يناير 1977)، مرورًا بتوتر العلاقة مع الدول العربية عقب خطابه في الكنيست الإسرائيلي (نوفمبر 1977)، وتوقيعه اتفاقية «كامب ديفيد» (1978)، ثم توقيعه معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل (نوفمبر 1979)، وانتهاء باغتياله في قلب عرض عسكري (1981).

كانت كلمات النشيد وكأنها تترجم توجهات السادات؛ بدءًا من: «مقصدي دفع الغريم.. وعلى الله اعتمادي»، مرورًا بـ: «نحن حرب وسلام.. وفداكِ يا بلادي.. سوف تحظى بالمرام.. باتحادهم واتحادي»، يظلهما شعار: «يا بلادي عيشي حُرَّة.. واسلمي رغم الأعادي».

تاريخ العراق في أناشيده الوطنية

تغيَّر نشيد العراق خمس مرات، على غرار مصر، كانت في مجملها تلخيصًا للتغييرات السياسية التي شهدتها البلاد؛ منذ تبنى قطعة موسيقية لضابط إنجليزي لتصبح أول سلام ملكي في عام 1924، مرورًا بقيام الجمهورية تحت رئاسة عبدالكريم قاسم، ثم صدام حسين الذي اتخذ قصيدة «أرض الفراتين» نشيدًا وطنيًا، وصولًا إلى نشيد «موطني» الذي اعتمده الحاكم بأمر الاحتلال الأمريكي بول بريمر منذ عام 2003. ورغم تغيَّر الأهازيج، وتبدُّل الحكام، فإن الجدل لا يزال مستمرًا في العراق لم يُحسَم بعد.

وليست هذه كل الأناشيد العربية، فلا تكاد توجد دولة عربية إلا ويحكي نشيدها الوطني وتطوره منذ نشوء الدولة القومية الحديثة على أراضيها، الكثير عن تاريخها، ويرصد العديد من المفارقات في قصتها، من المحيط إلى الخليج.

المصادر

تحميل المزيد