يحذر تقرير حديث للاستخبارات القومية الأمريكية، صدر يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، من العواقب الوخيمة للتغير المناخي والاحترار العالمي على الأمن القومي العام خلال العقدين القادمين، متوقعًا أن يتجاوز العالم هدف اتفاق باريس، الممثل في الإبقاء على زيادة حرارة الأرض في حدود معدل 1.5 درجة مئوية بحلول 2030.

ويذكر التقرير الفريد من نوعه أن نتائج التغيرات المناخية ستزيد من حدة النزاعات حول الماء، والصراع في القطب الشمالي، والتنافس حول الموارد الطبيعية المحدودة، كما سيشتد الجفاف وتشيع الهجرات البيئية وترتفع درجات الحرارة، مما قد يؤثر في السلم والأمن المائي والغذائي في البلدان النامية على وجه الخصوص.

علوم

منذ 3 شهور
تغير المناخ ليس أكذوبة صينية.. الانقراض يهدد الكوكب بعد ارتفاع حرارته 1.5 درجة

وجاء هذا التقييم الاستخباراتي استجابة لتكليف رئاسي من إدارة بايدن لتقييم آثار التغير المناخي على الأمن القومي الأمريكي، بالتعاون مع وكالات أخرى، منها وكالة حماية البيئة، وهيئة المسح الجيولوجي، ومكتب البحوث البحرية، والإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء، والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ومؤسسة العلوم الوطنية. مما يجعل هذا التقرير يحظى بإجماع المؤسسات الأمريكية، الأمنية والعلمية.

وكان هذا العام نقطة فاصلة في التغير المناخي والاحترار العالمي؛ إذ شهد العالم حرائق الغابات على نطاق واسع وفي مناطق غير معهودة، مثل منطقة البحر الأبيض المتوسط​، كما شهدت أوروبا والصين والهند فيضانات شديدة خلال فصل الصيف، وعانى العالم من مستويات غير مسبوقة من الجفاف، وأصبحنا نرى آثاره بأعيننا من تراجع الغلات الزراعية ونضوب المياه.

التغير المناخي يهدد الأمن القومي

يعد هذا التقرير الأمريكي الحكومي الأول من نوعه الذي يبحث الصلة بين تغير المناخ والأمن القومي، وهو ما يُظهر قلقًا عميقًا داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية من أن التحولات التي أطلقها تغير المناخ، يمكن أن تعيد تشكيل المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، وتوفر فرصًا جديدة لمنافسين مثل الصين وروسيا، وترفع مخاطر بعض الدول النووية مثل كوريا الشمالية وباكستان.

وتنص الوثيقة على أن «تغير المناخ وزيادة الاحترار العالمي سيؤديان بشكل متزايد إلى تفاقم المخاطر على مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، بالإضافة إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية حول كيفية الاستجابة للتحدي»، طالما أن التعهدات الحالية في اتفاق باريس غير كافية لعكس التغيرات المناخية.

كذلك ستتنافس البلدان للسيطرة على الموارد والاستحواذ على التقنيات الجديدة اللازمة للانتقال للطاقة النظيفة، ومن ثم ستواجه معظم البلدان خيارات اقتصادية صعبة. ومن المرجح أن تؤدي الآثار المادية المتزايدة لتغير المناخ إلى تفاقم بؤر التوتر الجيوسياسي عبر الحدود، حيث بدأت بعض الدول في اتخاذ خطوات استباقية لتأمين مصالحها، المتعلقة بالماء تحديدًا.

Embed from Getty Images

ومن جانب آخر، يؤدي ذوبان الجليد البحري بالفعل إلى تضخيم المنافسة الإستراتيجية في القطب الشمالي للوصول إلى الموارد الطبيعية هناك. ويشير التقرير الأمريكي إلى أن الصين وروسيا يستعدان للاستفادة من تداعيات التغير المناخي، والمناورة للحصول على ميزات من ذوبان القطب الشمالي.

ويؤكد التقييم الاستخباراتي الأمريكي أن آثار التغير المناخي المتراكمة ستؤدي مع الوقت إلى تفاقم بؤر التوتر الجيوسياسي، لا سيما بعد عام 2030، وقد نشهد نزاعات واسعة حول المياه. كما ستواجه البلدان مخاطر متزايدة من عدم الاستقرار والحاجة إلى المساعدة الإنسانية، وهذا ما قد يضيف للجيوش مهمات إضافية مثل الاستجابة للكوارث الطبيعية، وإعادة بناء البنيات التحتية الحيوية.

وقال البيت الأبيض تعليقًا على التقرير الاستخباراتي إن التغير المناخي «سيؤدي بشكل متزايد إلى تفاقم عدد من المخاطر على مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة، من التأثيرات المادية التي يمكن أن تتحول إلى تحديات أمنية، إلى كيفية استجابة الدول لتحدي المناخ، لذلك ستعمل هيئات الأمن القومي الأمريكية على دمج تأثيرات تغير المناخ في خططها».

وفي هذا الصدد، أيضًا قال وزير الدفاع لويد أوستن: «تغير المناخ يغير المشهد الإستراتيجي ويشكل البيئة الأمنية، وهو يمثل تهديدات معقدة للولايات المتحدة والدول في جميع أنحاء العالم»، مضيفًا أنه «لردع العدوان وحماية بلدنا، يجب على وزارة الدفاع فهم الطرق التي يؤثر بها تغير المناخ على المهام والخطط والقدرات».

ويعد التقرير علامة على أن المناخ أصبح الآن جزءًا أساسيًّا من التفكير الأمني الأمريكي، ​​بوصفه سيؤجج المشكلات الحالية ويخلق مشكلات جديدة، في وقت تقوم فيه الجيوش والوكالات الأمنية في جميع أنحاء العالم بالحسبان لظاهرة الاحتباس الحراري في خططها المستقبلية.

الشرق الأوسط وأفريقيا في قلب التغيرات المناخية

تشير التوقعات العلمية إلى أن تكثيف الآثار المادية لتغير المناخ حتى عام 2040 وما بعده، سيكون محسوسًا بشكل أكثر حدة في البلدان النامية، وفي الوقت نفسه هي أيضًا أقل قدرة على التكيف مع مثل هذه التحولات البيئية، مما قد يزيد من احتمال عدم الاستقرار، وربما الصراع الداخلي في هذه البلدان.

ويحدد تقرير الاستخبارات القومية الأمريكية 11 دولة تندرج ضمن فئة مخاطر حادة، اعتمادًا على مدى تعرضها للتغيرات المناخية وقدرتها على التكيف، وهي: أفغانستان، وكولومبيا، وجواتيمالا، وهايتي، وهندوراس، والهند، والعراق، وميانمار، وكوريا الشمالية، ونيكاراجوا، وباكستان. بينما تقع معظم بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في فئة متوسط الخطر.

خريطة تظهر مدى تعرض البلدان لمخاطر التغير المناخي

وأشار التقييم الأمريكي إلى أن المملكة العربية السعودية ستواجه تعرضًا معتدلًا ولديها بعض القدرة على التكيف، بينما من المحتمل أن تواجه إيران حالات جفاف أكثر تواترًا وموجات حرارة شديدة، وتوسعًا في التصحر، إلى جانب الفقر. فيما ذكر أن مصر هي الأقل تعرضًا لتأثيرات تغير المناخ من العديد من البلدان.

ويحذر التقرير من أن الدول ستحاول الدفاع عن اقتصاداتها، وقد تقاوم بعض الدول أيضًا الرغبة في العمل على محاربة التغير المناخي؛ إذ تعتمد أكثر من 20 دولة على الوقود الأحفوري للحصول على أكثر من 50% من إجمالي عائدات التصدير. ويقول إن الحكومات مثل تلك الموجودة في روسيا ودول الشرق الأوسط، التي تعتمد على صادرات الوقود الأحفوري في ميزانياتها، «ستستمر في مقاومة التحول السريع إلى عالم خالٍ من الكربون، لأنهم يخشون على مصالحهم الاقتصادية والجيوسياسية بسبب تكاليف التحول الأخضر».

البيئة

منذ 5 شهور
الجفاف يهدد العالم ودول شمال أفريقيا والشرق الأوسط أكثر المتضررين

وقد يؤدي التحول العالمي إلى الطاقات النظيفة إلى انخفاض عائدات البترول؛ ما قد يزيد من إجهاد دول النفط في الشرق الأوسط وأفريقيا، وهي المناطق التي من المتوقع أن تواجه تأثيرات مناخية أكثر حدة.

من جهة أخرى، سيصبح الوصول إلى المياه أيضًا مصدرًا للمشكلات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ إذ تعبر نسبة 60% من مواردها المائية السطحية الحدود المتجاورة، ومن ثم احتمال تولد خلافات حول المياه بين البلدان في هذه البقعة الأكثر شحًّا في المياه على وجه الأرض. بل قد يشتد النزاع حول الماء حتى على المستوى الداخلي للبلدان، ويقود إلى توترات قبلية وعرقية ومناطقية، بسبب الأحقية في الحصول على مياه الري، فضلًا عن زيادة تكاليف مياه الشرب في السنوات القادمة.

وعلاوة على ذلك، يهدد التغير المناخي بموجات جديدة من الهجرات بفعل الظروف البيئية القاسية، من الجنوب نحو الشمال، ويقدر التقرير الأمريكي بأنه بحلول عام 2050، سيهاجر ما يصل إلى 143 مليون شخص في أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا لأسباب مدفوعة بالمناخ.

كل تلك التداعيات التي قد تسببها التغيرات المناخية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من شأنها أن تقود إلى إجهاد المجتمعات الساكنة هناك، وربما تندلع انتفاضات شعبية جديدة ردًّا على عجز الحكومات عن تلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية، كما ستزداد الحاجة إلى العمل الإنساني والإغاثي لمساعدة العالم الثالث أكثر من أي وقت مضى.

بعد تفاقم الاحترار العالمي.. تحركات نحو تدارك ما فات

يأتي تقرير الاستخبارات الأمريكية حول التغير المناخي وأثر الاحترار العالمي في الأمن القومي، قبيل عقد قمة المناخ الدولية في إسكتلندا الشهر المقبل، من أجل إجراء محادثات بين زعماء بلدان العالم لإقرار سياسات خضراء تحد من التغيرات المناخية، تحت إشراف الأمم المتحدة. ويظهر أن واشنطن تضع مشكلة التغير المناخي ضمن أولوياتها وتستعد لتفعيل سياسات خضراء عالمية، وذلك بعد أربع سنوات من التقاعس عن العمل في عهد الرئيس السابق، دونالد ترامب.

وتعقد السعودية بدورها هذه الأيام «قمة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر»، بهدف تعزيز التعاون وتوحيد الجهود الإقليمية نحو تنفيذ الالتزامات البيئية المشتركة، ومواجهة تحديات التغير المناخي والاحترار العالمي.

وتعيد أزمة المناخ تشكيل عالمنا المادي، بما فيه الاقتصاد والجغرافيا، مع تحول مناخ الأرض ليصبح أكثر حرارة، مولدًا ظواهر طبيعية أكثر تطرفًا وتواترًا، من جفاف وحرائق وفيضانات، تستوجب العمل على السياسات الخضراء للحد من عواقب التغير المناخي، والتي يدفع ثمنها الفقراء والقرويون في مجتمعات العالم الثالث أكثر من غيرهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد