مع وصول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحُكم، والشروع في تأسيس نظامه عبر البحث عن حلفاء جدد، سعت قيادات الحزب الوطني المُنحل إلى تشكيل مركز ضغط رئيسي، وقوة نافذة في النظام الجديد قيد التشكل، من خلال الدفع بقيادات الصف الثاني والثالث في الانتخابات البرلمانية، والظهور مجددًا في الحياة العامة باعتبارها وسيلة لتطويع الحكم الجديد عبر صور متعددة.

تنافُس القيادات على السلطة أخذ مظاهرَ متعددة بين الترشح في الانتخابات البرلمانية، أو من خلال تحركات جناح رجال الأعمال الذين تجمعهم بالحزب الوطني صلات وثيقة، وتشكلت ثرواتهم المالية تحت مظلة حُكمه، وكان المرشح الرئاسي الأسبق؛ أحمد شفيق، ودولة الإمارات العربية المتحدة، رأس حربة في هذا الصراع.

البحث عن الشرعية المفقودة

خلال انتخابات مجلس النواب، أظهرت المؤشرات الأولية فوز 83 مرشحًا بعضوية البرلمان، وهم منتمون سابقون للحزب الوطني، وهو ما يوازي 30% من عدد المقاعد المُخصصة للفردي والقوائم والبالغ عددها 286 مقعدًا.

يقول محمد رجب، الأمين العام السابق للحزب الوطني المنحل، لـ«ساسة بوست»، إن المحاولات التي وصفها بالفاشلة، ممن أسماهم بالمأجورين، بُغية عزل كافة أعضاء الحزب الوطني عن السياسة، هي «جنون»، على حد تعبيره، مُضيفًا: «مفيش حاجة اسمها اعتزال السياسة، ومفيش مخلوق يقدر يعزلنا، وأعضاء الوطني ككُل المصريين، ومن حقهم الترشح في كافة الانتخابات، والصندوق هو من يحكم في النهاية، والجميع بكافة فئاتهم العمرية عارفة الطالح من الصالح».

رجب الذي تولى منصبَ آخر أمين عامٍ للحزب الوطني قبل أن يُحلّ، يجد في مسألة العودة من جديد للحياة السياسية «فرضًا واجبًا للنهوض بالبلد، ورفع مستوى كفاءة التشريع، وأن الصندوق هو الحكم في كُل النزاعات بين أي فصيل»، كما قال.

«صندوق الانتخابات هو صاحب القول الأول والأخير في أحقية أي مواطن للترشح في الانتخابات، وكل التحالفات الانتخابية فيها أعضاء الحزب»، يقول رجب، كاشفًا أنه كان هناك تواصل سابق بين عدد من أعضاء الحزب مع أحمد عز؛ أمين التنظيم السابق بالحزب لإقناعه بالترشح، وهو ما جعله يترشح مرتين قبل قرار اللجنة بعدم قبول ورقه.

من جانبه يستبعد حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إعادة تكوين الحزب الوطني بنفس تركيبته السابقة القائمة على فكرة القرب من السلطة الحاكمة، وتطبيق سياسات مركزية موحدة بواسطة قيادات عليا، كما كانت الأمور تُدار أيام الرئيس المخلوع محمد حُسني مبارك: «الوجوه القديمة ستعود في كيانات سياسية متفرقة، وتحالفات انتخابية جديدة متماسة مع مصالحهم ونفوذهم، ولن ينسحبوا من السياسة بسهولة، لأنها مرتبطة لديهم بمصالح فئوية ومنافع شخصية وإرث قبلي».

«هل سيدخل نظام السيسي في صراع مع الحزب الوطني؟»، توجهنا بالسؤال لحازم حُسني، الذي أجاب قائلًا: «الدولة لن تدخل في صدام معهم، وستمنحهم مطامعهم ليبتعدوا عن مصادر قوة الجيش الدعامة الرئيسية للسيسي في تنفيذ سياساته الداخلية، والحيلولة دون وجود معارضة منهم لعدم طرح ميزانية الجيش في البرلمان، حال حصولهم على أغلبية برلمانية».

أحمد شفيق رأس الحربة

«لماذا لا يستطيع أحمد شفيق العودة لمصر؟»، يجيب عن ذلك شوقي السيد محامي شفيق، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»: «موكلي فوجئ بعدم الموافقة على تجديد جواز سفره الدبلوماسي، الذي تقدم به للجهات الرسمية المختصة، دون إبداء أسباب واضحة، أو إفادته بوجود أي موانع قانونية تحول دون تنفيذ طلبه، الأمر الذي دفعه لإقامة أكثر من دعوى قضائية طعنًا على القرار السلبي بالامتناع عن تجديد جواز سفره».

المرشح الرئاسي الأسبق أحمد شفيق (المصدر: جريدة الشروق المصرية)

ويُضيف المحامي شوقي السيد: «الخارجية لم ترد على طلب شفيق بتجديد الجواز، وأكثر من جهة مهمة داخل الدولة تجاهلت كافة مطالبنا بالنظر في هذا الأمر، لاعتبار أنه مواطن مصري، وكذلك كان مسؤولًا عسكريًا سابقًا يتمتع بتقدير من الجميع، ورئيس وزراء في فترة بالغة الأهمية في تاريخ البلاد»، مؤكدًا أن هناك «سوء تصرف من النظام الحالي حياله يبتعد عن القانون».

على مدار الفترة الماضية، لم يخرج أي مسؤول رسمي حكومي للتعليق على قضية منع شفيق من العودة إلى مصر، بينما كانت صحيفة اليوم السابع، المُقربة من النظام، هي الجهة الوحيدة التي خرجت بتفسير رسمي لهذا المنع، في تقرير لها، يستقي معلوماته من أحد «الأجهزة السيادية» دون أن يُسمّيه.

وذكر التقرير أن السلطات المصرية رهنت الموافقة على عودة شفيق إلى مصر بمطلب وحيد وهو عدم ممارسة السياسة، وتجنب الحديث عن القضايا الجارية.

المعلومات التي ألمح لها التقريرعن الخلافات بين الجناح المُمثل لشفيق داخل الدولة، وجناح السيسي، تأكدت كذلك مع المعلومات الواردة في تقرير لصحيفة الشروق المصرية، الذي ذكر أنّ شفيق «يتواصل مع شخصيات فى جهات هامة ما زالت باقية على دعمه، وما زالت تأمل في أن يكون له دور في الحياة السياسية»، تبعه تقرير يتحدث عن زيارة سرية لرئيس أحد الأجهزة السيادية لأبوظبي، بُغية وقف تحركات شفيق.

يقول أحد رجال الأعمال المنتمين للحزب الوطني المنحل، والمحسوب على جناح أحمد شفيق في تصريحات لـ«ساسة بوست»: «التحركات التي نقودها تنطلق من إيمان شديد بأهمية وجود الفريق أحمد شفيق في دوائر اتخاذ القرار، ومن أجل هذا الهدف نتحرك داخليًا وخارجيًا من خلال تنظيم مقابلات متعددة الفترة الأخيرة مع عدد من رجال الحكم فى الإمارات والسعودية».

يضيف رجل الأعمال، الذي فضّل عدم الإفصاح عن هويته: «لا توجد مؤامرات على السيسي، لكنّ هناك جناحًا كبيرًا داخل الدولة خصوصًا في وزارة الخارجية وجهاز المخابرات العامة، مُدركًا عدم فاعلية أدائه، وأن استمراره سيؤدي لانهيار كبير لأوضاع البلد، ويدخل الدولة في مرحلة السقوط الكامل»، مُشددًا: «هذا هو السبب هو الذي يجعلنا ندعم شفيق، ونتحرك لإنقاذ البلاد كما كان الحال أيام الإخوان المسلمين».

وتتطابق المعلومات الواردة من رجل الأعمال، مع القرارات الأخيرة للسيسي بشأن عزل أكثر من 15 وكيلًا للمخابرات العامة، ونقل عدد من العاملين بهذا الجهاز لوظائف أخرى، بالتزامن مع التعاظم المتزايد لنفوذ جهاز المخابرات الحربية.

رهان الإمارات من «مميش» إلى «شفيق»

لعبت الإمارات دورًا رئيسيًا في الترتيب لعزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وإسقاط جماعة الإخوان المسلمين من السلطة، لخلافات تتعلق بالأيديولوجيا السياسية، والمصالح والتحالفات الإقليمية، بالإضافة إلى الذعر الذي أصاب العائلة الحاكمة من احتمالية أن يؤدي صعود جماعة الإخوان المسلمين للسلطة في دول الثورات العربية، إلى ارتفاع نفوذ المنتمين للجماعة داخل الإمارات، والظهور والمطالبة بالاعتراف بشرعية وجودهم.

ارتبط الدعم الإماراتي بشكل كبير بالدعم المالي، سواء كان ذلك من خلال تمويل حركة تمرد بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية في مصر، أو من خلال استمرار تقديم الدعم المالي عقب عزل مرسي، لتجنب تهاوي شرعية النظام الجديد.

سكون غبار المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين، وتراجع فاعلية أدوارها داخل مصر وخارجها لفشل داخلي، وخلافات أنهت نفوذها في أي تغيير محتمل؛ جعل الإمارات تميل للجناح الذي كانت ترغب في أن يقود البلاد عقب 30 يونيو (حزيران)، وهو جناح أحمد شفيق، لأسباب تتعلق بتأكدها من تحقيق هذا الجناح لمصالحها داخل مصر.

يتأكد هذا الأمر مع التصريح الصادر لرئيس الحكومة الإماراتية، محمد بن راشد آل مكتوم، قبل انتخابات رئاسة الجمهورية، الذي عبر فيه عن أمله في ألا يترشح وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، في انتخابات الرئاسة، مفضلًا بقاءه على رأس الجيش.

محمد بن راشد آل مكتوم

يقول سفير إماراتي سابق في إحدى الدول العربية، في تصريحات لـ«ساسة بوست»: «بدأت الإمارات تأخذ خطًا عامًا في سياستها الخارجية، مع تولي الشيخ خليفة الحكم عام 2004، إذ أصبح هدفها عدم وضع البيض كله في سلة واحدة»، مدللًا على ذلك بعدم اعتمادها على الولايات المتحدة الأمريكية فقط في السياسة الدفاعية، والسماح بتأسيس قاعدة عسكرية فرنسية، وعقد أكثر من صفقة سلاح مع الروس، جنبًا للتعاون العسكري مع بريطانيا.

يضيف السفير الذي يعمل الآن في أحد المراكز البحثية: «جرى تعزيز هذا المنحى على المستوى الإقليمي مع دخول الشيخ خليفة مرحلة المرض المعجز، الذي جعله غير قادرٍ على قيادة الدفة، وخلق تعددية في رؤوس القيادة، ما انعكس على شكل تعددية في الرؤى، ما انعكس بدوره على السياسة الخارجية في كل القضايا الإقليمية بما في ذلك الملفات المشتعلة في سوريا واليمن».

ويُتابع: «بالنسبة إلى مصر، فالسلطة الحاكمة في الإمارات لم تكن ترغب في ترشح السيسي لرئاسة الجمهورية، هم مُدركون أن هناك انقسامًا بين مراكز القوى داخل مصر، وأن ترشحه قد يقف أمام تحقيق مصالح الإمارات المالية والتجارية، وتحقيق اختراق للدولة، وهو ما نجحت في تحقيقه رغم الصعوبات التي واجهتها، وهو ما تجسد في المكاسب المالية، وحجم الاستحواذات على كيانات حساسة، ومشاريع هامة».

يرى السفير الإماراتي السابق، أن السلطة الحاكمة في الإمارات تنطلق مما أسماها «سياسة البديل»، وعليه فإنها تستضيف شفيق على أراضيها، وتدعمه ماليًا، والسبب في ذلك كما يقول السفير هو إدراك الإمارات أن «شفيق ورقة رابحة»، مُوضحًا: «كما سعت سابقًا إلى تلميع الفريق مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس. إذًا كل ما تدور الدائرة، كل ما تُراهن السلطة عليه وتدعمه».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد