يتولي المسئول حكم البلاد فيكون في عقله فكرة.. رؤية.. مشروع يتمنى أن يتضافر الجميع حوله؛ ليحقق أكبر نجاح لبلده وله بعد رحيله.

 

لكن ما هو أهم ما يميز المشروع القومي عن غيره من المشاريع؟

من المؤكد أن المشروع القومي هو الحل والرؤية والتخطيط الأكبر لكل رئيس، هو المشروع الذي سيرتبط به كلما ذُكر اسمه في التاريخ، المشروع الذي يحتاج تضافر جهود الجميع من أجل تنفيذه؛ حيث يحتاج لتمويل ضخم، ويحتاج لوقت ومجهود كبير.

أو على حد قول الكاتب محمد حسنين هيكل في تعريفه للمشروع القومي؛ فهو رؤية لمستقبل البلد، ومستقبلها هذا وسط محيطها وعالمها، كما يحتاج لرؤية وإرادة.

 

فماذا كانت أهم المشاريع القومية في تاريخ الدولة المصرية؟

بالتأكيد لا يمكننا حصر المشاريع القومية في تاريخ مصر كله، لكن المؤكد أن معنى “المشروع القومي” أعم وأشمل من أي مشروع عمراني، فطبقًا لرؤى الباحثين، الأهرامات لا يمكن تصنيفها كمشروع قومي كان لمصر خلال تاريخها.

وذلك لكون الأهرامات من ناحية لن تفيد أحد سوى الملك الذي سيعتبر الهرم قبره، ومن ناحية أخرى هي مجرد مشروع عمراني. بناؤه لا يمت بصلة لرؤية حضارية شاملة للدولة المصرية، وإن كان قد أفادها بعد ذلك.

لذلك فأغلب المؤرخين في حديثهم عن المشروعات القومية المصرية في العصر الحديث، دائمًا ما يتناولون حقبتي محمد علي وعبد الناصر.

حيث إن الرجلين كانا ينشدان تحقيق نهضة شاملة للبلاد، وبالفعل حققا ذلك بطريقةٍ ما. محمد علي بعشرات المصانع والمشاريع وبتنمية الجيش وإعداده لمجابهة أعتى البلاد، وعبد الناصر بأهداف الثورة الستة، وما حاول تنفيذه منها.

وحين يتحدثون عن حقبة إسماعيل باشا مثلاً، يتناولوها بكل سلب مع تحقيق الرجل لمشاريع كثيرة مثل جده محمد علي، إلا أن تلك المشاريع أتت في المجمل على مصر بالسلب، وخلفت الكثير من الديون، ولم تكن مرتبطة بنهضة شاملة للبلاد، ولذلك لم تُعتبر أبدًا مشاريع قومية.

 

عبد الناصر والسد العالي

القضاءعلى الإقطاع، والقضاء على الاستعمار، والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة، وإقامة جيش وطني قوي، وإقامة عدالة اجتماعية. تلك هي مبادئ الثورة الستة، وهي المشروع القومي لعبد الناصر.

وهذا هو ما يوضحه الصحفي الكبير محمد هيكل في أحد حوارته، كون فكرة أن السد العالي كان المشروع القومي لعبد الناصر أمرًا خاطئًا، فمن ناحية السد مشروع عمراني عادي وإن كان ضخمًا. ومن ناحية أخرى مواصفات المشروع القومي كما ذكرنا، أكبر وأعم من أي إنشاء.

لكن لا شك أن رؤية عبد الناصر لنهضة مصر طبقًا لمبادئ الثورة الستة، والتي كانت نتيجتها عشرات المصانع والشركات ومشاريع ضخمة كالسد العالي، تعد من أهم المشاريع في تاريخ الدولة المصرية.

 

هل كان للسادات مشروع قومي؟

جاء محمد أنور السادات رئيسًا لمصر محملاً بمشروع قومي وحيد، هو تحرير سيناء، وسواء اتفقت أو اختلفت في إدارته لذلك المشروع، وهل كان النصر المصري على إسرائيل نصرًا مؤزرًا محققًا للخير متفقًا مع مبادئك أو لم تتفق، فذلك كان المشروع الذي ارتبط باسمه، ووثقه التاريخ كإنجاز له.

وبعد الحرب، أو بعد اتفاقية السلام، حاول السادات جعل “الانفتاح” هو مشروعه القومي في النصف الثاني من فترة حكمه، حيث إن الرجل يرى أن الاتجاه لأوروبا وأمريكا هو الأساس بعيدًا عن روسيا، وأن الرأسمالية هي السبيل للنهضة الاقتصادية، بخلاف عبد الناصر. ومع كون الملتفين حول الانفتاح كانوا نسبة غير كبيرة، فقد كان أثر ذلك عظيمًا على مختلف النواحي في الدولة المصرية سلبًا وإيجابًا.

 

مبارك وتوشكى

“عايزينها تبقي خضرة، الأرض اللي في الصحرا” واحدة من أشهر الجمل الغنائية في افتتاحية واحد من البرامج الصباحية التي تحكي عن إنجازات الدولة في عهد الرئيس المخلوع مبارك، حيث يظهر في أغلب “التتر” مبارك أثناء تفقده لمشروع توشكى ملوحًا بيده.

قد يكون ذلك هو السبب في ترسيخ كون توشكى هي المشروع القومي لمبارك، بالرغم من الخسائر التي تلقاها المشروع، والتي اكتشف الشعب المصري أن 100 ألف فدان في توشكى قد تم بيعهم لرجل الأعمال “الوليد بن طلال” بسعر 50 جنيهًا للفدان.

إلا أننا لو حللنا فترة مبارك محاولين تطبيق أسس فكرة المشروع القومي، حيث المشروع والأفكار والمبادئ المؤسسة لنهضة شاملة والملتف حولها الشعب، فإننا سنجد أن مبارك لم يكن له مشروعًا قوميًّا. وهو الأمر الذي يؤكده الدكتور جمال زهران: “إن الرئيس الأسبق حسني مبارك لم يكن يريد إقامة مشروع قومي يلتف حوله الشعب المصري، وكان دائمًا يغيبه عن المواطنين، وكان يهتم بإنشاء الكباري والطرق وهذا لا يعتبر مشروعًا قوميًّا”.

 

مرسي والمشروع الذي لم يبدأ

“مشروع النهضة هو حصاد جهد ما يقرب من 1000 عالم وخبير ومتخصص، وقد عمل على صياغته 16 لجنة استشارية متخصصة. كما قامت فرق العمل بزيارة أكثر من 50 دولة لنقل تجاربها، ومن هذه الزيارات تم التوصل إلى 25 تجربة رائدة في 25 دولة، حتى يجمع مشروع النهضة تجارب النجاح في كل العالم”.

بهذا الكلام، وبتلك المواصفات الكبيرة كان برنامج مرسي الانتخابي، إلا أن سنة واحدة في الحكم كان بعدها الانقلاب عليه لم تكن أبدُا كافية لنحكم على امتلاك الرجل لمشروع قومي أم لا.

 

السيسي ومشروع قناة السويس

 

 

 

 

 

 

قد يكون الرئيس الحالي لمصر عبد الفتاح السيسي هو أبرز الرؤساء الحاليين الذين لم يترشحوا ببرنامج انتخابي، وهو ما انعكس بالتأكيد على إدارته ورؤيته للبلاد، والتي لا يمكن اعتبارها إلى الآن تحقق فكرة المشروع القومي والتنمية الشاملة.

إلا أنه ومع افتتاحه لمشروع قناة السويس، الذي كان سابقه الرئيس مرسي يضعه على رأس مشروعاته، فقد قررت أغلب الصحف المصرية أنه المشروع القومي لمصر في 2014.

 

 

 

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد