«جئت اليوم لأزف إليكم خبرًا سارًّا، لقد انتهى الهجوم الذي استمر لثماني سنوات على حقوق ملكية السلاح».

بهذه الكلمات خاطب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – بعد 99 يومًا من توليه الرئاسة- أعضاء «الاتحاد القومي للبنادق»، مشيرًا كما يبدو إلى فترة سلفه باراك أوباما، الذي اعتاد انتقاد قوانين حمل السلاح، ومطالبة الكونجرس بتغييرها.

لكن مطالبات أوباما لم تكن مطالبات مجدية لدرجة دفعته – بعد أكثر من 15 مرة طالب فيها بتقييد «حق امتلاك السلاح»- للتعبير عن إحباطه بعد حادث إطلاق نار جماعي بقوله: «لقد أصبح هذا روتينيًّا، التقارير روتينية، وسينتهي ردي هنا في هذا المنبر إلى أن يكون روتينيًّا أيضًا، لكننا نعرف أن هناك طرقًا لمنع ذلك، لقد تمكنت دول مثل بريطانيا وأستراليا من صياغة قوانين تقضي على عمليات إطلاق النار الجماعية ردًّا على حادث واحد من ذلك النوع».

في كل مرة يقع حادث إطلاق نار صادم للمجتمع الأمريكي يتجدد الجدل حول قوانين السلاح، وحوادث إطلاق النار الجماعية تكاد تكون حدثًا يوميًّا عند الأمريكيين، لكن «الاتحاد القومي للبنادق» يخرج منتصرًا في كل مرة تقريبًا على من يرغبون بتقييد عملية اقتناء الأسلحة، والذين هم في الواقع أغلبية الشعب الأمريكي.

فالاتحاد الذي يُعد من أقوى جماعات الضغط السياسي في البلاد؛ يعرف جيدًا كيف يوجّه إنفاقه السنوي الذي يبلغ 250 مليون دولار، ليحظى بنفوذ سياسي يصل إلى نجاح أربعة من كل خمسة مرشحين يدعمهم في انتخابات الكونجرس، وإضافة إلى ذلك، فقد ضمن «اتحاد البنادق» نفوذًا أكبر بوصول أحد حلفائه إلى البيت الأبيض، وهو الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي موّل الاتحاد حملته الانتخابية بأكثر من 30 مليون دولار.

Embed from Getty Images

ترامب أثناء إلقاء كلمة بمؤتمر «الاتحاد القومي للبنادق»

ارتفعت بالفعل أعداد ضحايا إطلاق النار في عهد ترامب، الذي يصف نفسه بـ«المدافع الأشرس عن حق الأمريكيين في حيازة السلاح»، وشهدت فترته الرئاسية حتى الآن أربعة من أعنف 10 حوادث إطلاق نار جماعي في تاريخ البلاد.

أحد تلك الحوادث هو الأعنف على الإطلاق؛ بواقع 58 قتيلًا وأكثر من 500 مصاب، وبعضها يُعد من الأكثر مأساوية، مثل حادث إطلاق طالب سابق بمدرسة ثانوية النيران على زملائه في المدرسة التي طُرد منها لأسباب تأديبية، ليسقط 17 قتيلًا، وهو الحادث الذي دفع ترامب للدعوة إلى تسليح معلمي المدارس لمنع وقوع تلك المجازر، كما دفع المخرج الأمريكي مايكل مور إلى وصف «اتحاد البنادق» بأنه تنظيم إرهابي يفوق إرهابه تنظيم داعش.

«تاجر السلاح الأبيض الذي يقتل دون أن تتلوث يداه».. من يتحكم في فوضى العالم؟

ارتفعت الأصوات المطالبة بتقييد امتلاك الأسلحة، بعدما بدأ الأمر يأخذ منحى جديدًا، متمثلًا في صعود موجة دولية لحوادث إرهابية يقوم بها متطرفون بيض مدفوعين بأفكارٍ يمينية متشددة ضد المهاجرين. فقد سلّط الإعلام الضوء على ذلك «الإرهاب الأبيض» بعد حادثة مسجدي نيوزيلندا، التي أسقطت نحو 50 قتيلًا في عملية بثت مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت مصدر إلهام لأحد مرتكبي عمليتي إطلاق النار على مهاجرين من أمريكا الوسطى واللاتينية في ولايتي تكساس وأوهايو مطلع الشهر الجاري.

وبالرغم من نفي الشاب مرتكب الجريمة أن يكون ترامب مصدرًا لأفكاره؛ فإن الجدار الذي يبنيه ترامب على حدود المكسيك، سيكون بلا شك مصدر راحة لهذا الشاب الأمريكي، الذي أراد أن يقتل أكبر عدد من المكسيكيين.

الأمريكيون أكثر المدنيين تسلحًا حول العالم

الحقيقة أيضًا أن ترامب قد طالب عدة مرات بوضع قيود على شراء الأسلحة، لكن هذا الجدل حول حق امتلاك السلاح في الولايات المتحدة يمتد إلى أكثر من 200 عام، كما يمتد عمر «الاتحاد القومي للبنادق» نفسه إلى نحو قرن ونصف، لذلك ربما يكون من المهم إلقاء نظرة عامة على بعض الإحصائيات المرتبطة بتاريخ العنف المسلح في الولايات المتحدة حتى تتضح الصورة الأكبر، والنظر في تاريخ الاتحاد، وحجم نفوذه وتأثيره السياسي، وعلاقته بموجة «الإرهاب الأبيض» حتى خارج الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

يمتلك المواطنون الأمريكيون – الذين يمثلون نسبة 4% من عدد البشر- نحو 46% من الأسلحة التي يمتلكها مدنيون حول العالم، بمعدل 120 سلاحًا ناريًّا لكل 100 مواطن، أي أكثر من ضعف معدل الدولة التالية في القائمة، وهي اليمن التي تمر بحرب أهلية، وينتشر فيها السلاح بمعدل 53 سلاحًا لكل 100 مواطن، وتبلغ أعداد مبيعات السلاح داخل الولايات المتحدة نحو 14 مليون قطعة سلاح جديدة كل عام، محققة أرباحًا تتجاوز 11 مليار دولار.

وخلال الفترة ما بين 2001 و2011 كان متوسط عدد قتلى حوادث إطلاق النار 11385 قتيلًا للسنة الواحدة، بينما كان متوسط قتلى العمليات الإرهابية خلال الفترة نفسها، حوالي517 قتيلًا كل عام. وإذا خرجت تفجيرات 11 سبتمبر (أيلول) التي أسقطت نحو 3 آلاف قتيلًا من المعادلة؛ يصبح المعدل السنوي لضحايا الإرهاب في أمريكا 31 قتيلًا، أما الرقم الأكثر صدمة على الإطلاق، فهو أن عدد قتلى حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة خلال الخمسين سنة الماضية يصل إلى 1.5 مليون قتيل، متفوقًا على عدد ضحايا جميع حروبها – بما فيها حربان عالميتان وحرب أهلية طاحنة- والذي لا يتجاوز 1.2 مليون قتيل.

التحول التاريخي في مسار «اتحاد البنادق»

بعد استقلال الولايات المتحدة بـ15 عامًا، وتحديدًا سنة 1791، أضيف إلى دستور البلاد ما يعرف بالتعديل الثاني، والذي ينص على أن: «وجود ميليشيا منظمة ضروري لأمن أي دولة حرة، ولا يجوز التعرض لحق المواطنين في اقتناء الأسلحة»، وهو التعديل الذي يستند إليه «الاتحاد القومي للبنادق» ومؤيدو قوانين حمل الأسلحة بشكل عام، وقد تأسس الاتحاد نفسه عام 1871 لتنظيم ذلك الحق، على غرار اتحاد يحمل الاسم نفسه في بريطانيا العظمى، كان قد أُسس عام 1859.

كان الغرض من «الاتحاد القومي للبنادق» في البداية السيطرة على انتشار السلاح وتنظيم أنشطة مثل الرماية

ورغم أن البريطانيين كانوا قدوة الأمريكيين في هذا الشأن، فإن نسبة العنف المسلح لا تقارن بين البلدين. ففي أمريكا تقع 60% من جرائم القتل باستخدام سلاح ناري. أما في بريطانيا فلا تتجاوز النسبة 10%، وفضلًا عن ذلك، تبلغ نسبة جرائم القتل في الولايات المتحدة 30 ضعف نسبتها في بريطانيا. وبعبارة أخرى، فإنه من بين كل 10 مليون مواطن بريطاني يسقط نحو 10 ضحايا لجرائم قتل منهم، واحد فقط باستخدام سلاح ناري. بينما يسقط من بين كل 10 مليون مواطن أمريكي نحو 300 ضحية لجرائم قتل، منهم 180 باستخدام سلاح ناري.

ما يثير العجب، هو أن الاتحاد كان يسعى في بادئ الأمر للتحكم في امتلاك الأسلحة، وإجراءات الأمان، وتنظيم رياضة الصيد، وليس لتوسعة نطاق التسليح. وقد دفع الاتحاد إلى إصدار قانونين مهمين في عامي 1934 و1968 للرقابة على شراء الأسلحة، وفرض ضرائب ثقيلة عليها، ووضع شروط مشددة لامتلاك بعض أنواعها.

وبعيدًا عن الخطاب الحالي للاتحاد، والذي سنتعرض له في فقرات لاحقة، كان رئيسه في الثلاثينيات، يعبر عن موقفه قائلًا: «إنني لا أؤمن مطلقًا بأن حمل الأسلحة ينبغي أن يكون ممارسة عامة وعشوائية، وأعتقد أنها يجب أن تقيّد بشدة وفقًا لتراخيص محددة».

لكن عقد الستينيات حمل أحداثًا سياسية عنيفة وعصيبة على الولايات المتحدة؛ فقد اغتيل الرئيس جون كينيدي في 1963، واغتيل شقيقه السيناتور روبرت كينيدي، والزعيم الحقوقي مارتن لوثر كينج في 1968، وهي الأحداث التي دفعت لإصدار قانون جديد لتقييد تجارة السلاح.

وسط تلك الأحداث تأسست «منظمة الفهود السود» التي كان أعضاؤها يؤمنون بالعنف ويشتبكون مع الشرطة بالأسلحة دفاعًا عن حقوق المواطنين السود. ثم تعرض أحد أعضاء «اتحاد البنادق»، وكان أيضًا أحد قدامى المحاربين، لمحاولة اغتيال عام 1971، لكن المحكمة برأت مهاجميه بعدما عُثر على أسلحة غير مرخصة بحوزة عضو الاتحاد، مما جعله يظهر في عدة مناسبات بعد ذلك – وهو مشلول نتيجة إصابته- حاملًا لافتة تقول «ضحية قانون مراقبة السلاح».

أعضاء منظمة «الفهود السود» أمام مبنى الكابيتول بولاية كاليفورنيا

مع بدء تفعيل قانون عام 1968؛ كانت دفة الاتحاد قد تحولت، وفي منتصف السبعينيات بدأ ممارسة الضغط السياسي من أجل حماية «حقوق امتلاك السلاح»، وشهد عام 1977 تطورًا مهمًّا للاتحاد، حينما اقتحم عدد من أعضائه مقر الاجتماع السنوي في مدينة سنسيناتي بولاية أوهايو، مطالبين القيادة بأن تصبح أكثر عدوانية لحماية مصالح أصحاب السلاح، وتُعرف تلك الحادثة باسم «ثورة سينسيناتي».

وبحلول عام 1980 دعم الاتحاد لأول مرة مرشحًا رئاسيًّا، وهو المرشح الجمهوري رونالد ريجان، الذي فاز في الانتخابات بالفعل في تلك الدورة، وبشكل عام في انتخابات الرئاسة والكونجرس يُعرف الاتحاد بتوجيه أمواله، إما لدعم مرشحي «الحزب الجمهوري»، وإما لإسقاط مرشحي «الحزب الديمقراطي».

المفارقة القدرية أن ريجان نفسه قد تعرض لمحاولة اغتيال في شهوره الأولى بالرئاسة، لكنه نجا منها وأصيب سكرتيره الصحفي جيم برادي بالرصاص. وفي أواخر عام 1993 صوّت الكونجرس بالموافقة على قانون جديد لمكافحة انتشار الأسلحة عرف باسم «قانون برادي»، وأقره الرئيس بيل كلينتون، ليبدأ العمل به في 1994.

يُعد ذلك القانون آخر تشريع رئيسي صدر لمكافحة الأسلحة النارية، إذ نص على حظر 19 نوعًا من الأسلحة الهجومية، وتضمن إجراءات أمنية تتضمن مدة انتظار خمسة أيام لفحص الخلفية الجنائية لمشتري السلاح، وقد توقف العمل بـ«قانون برادي» عام 2004، وفشلت كل المحاولات لتجديده منذ ذلك الوقت.

لكن تلك الفترة أيضًا لم تخل من انتصار لافت للاتحاد، فقد تمكن من تعديل بند في القانون للحد من الأبحاث الأكاديمية حول العنف المسلح، عن طريق التحكم في اتجاهات تمويل «مركز السيطرة على الأمراض»؛ إذ نص التعديل على ألا يُسمح للمركز باستثمار ميزانيته السنوية في الأبحاث التي «يمكن استخدامها للدفاع عن مكافحة السلاح»، مما أدى لتراجع إنفاقه على تلك القضية بنسبة 96%.

مترجم: تاريخ صناعة الأسلحة في أمريكا.. كيف أصبح جيشها الأقوى عالميًا؟

رؤساء أمريكا في مواجهة «اتحاد البنادق»

يشكّل هذا الوضع أزمة بالنسبة لترامب؛ فهو من جهة يجد نفسه عقب كل حادث إطلاق نار جماعي متهمًا في وسائل الإعلام بدعم حقوق السلاح أو العنصرية، مما يجعله في موقف مواجهة مع «الاتحاد القومي للبنادق»، صاحب الفضل الكبير في تمويل حملته الرئاسية.

ويجري الأمر على سبيل المثال كالتالي؛ عندما وقعت حادثة المدرسة الثانوية التي سقط فيها 17 قتيلًا، لم تكن أول حادثة عنف مسلح داخل مدرسة في 2018، بل كانت الثامنة عشر خلال شهر ونصف فقط، لكنها أحد أعنف الحوادث في تاريخ البلاد، وكان مرتكبها مراهقًا بعمر التاسعة عشر، مما دعا ترامب إلى تبني موقف مناوئ للأسلحة، رغم أنه طالب كذلك بتسليح المعلمين في أعقاب الحادثة نفسها.

Embed from Getty Images

ترامب مع رئيس «الاتحاد القومي للبنادق» واين لابيير

طالب ترامب بزيادة إجراءات فحص الخلفية الأمنية والعقلية لمشتري السلاح، وحظر الأجهزة التي تسمح بتحويل البندقية نصف الآلية إلى بندقية آلية، وطالب برفع سن السماح بشراء الأسلحة من 18 سنة إلى 21 سنة، واتهم أعضاء حزبه الجمهوري بالخوف من «اتحاد البنادق»، مضيفًا أن الاتحاد «يمتلك نفوذًا قويًّا عليكم أنتم، لكنه يمتلك نفوذًا أقل بالنسبة لي»، إلا أن تصريحاته لم تعجب مسؤولي الاتحاد الذين اجتمعوا معه في البيت الأبيض؛ ليعلن بعدها تراجعه عن إجراءات تشديد الرقابة على الأسلحة.

وعندما طالب ترامب بتسليح المعلمين في المدارس، فقد كان يردد في الواقع ما يطالب به «الاتحاد القومي للبنادق» أيضًا، كما أنه يتفق مع الرأي الذي ردده الرئيس السابق للاتحاد أوليفر نورث، بأن انتشار العنف لا يرجع إلى قوانين حمل السلاح وإنما إلى صناعة الترفيه، وأن الشباب غارقون في الألعاب التي تشجع على العنف، وذلك رغم أن الولايات التي تفرض قيودًا أكبر على حمل السلاح تشهد نسبة أقل للجرائم المسلحة، ورغم أن نورث نفسه كان في وقت سابق من أهم مستشاري لعبة «Call of Duty» الشهيرة.

وفي أعقاب عمليتي إطلاق النار على مهاجرين مطلع الشهر الجاري؛ أعاد ترامب الحديث عن زيادة إجراءات التحقق من خلفية مشتري السلاح، قائلًا إن هناك حاجة ملحة لتلك الإجراءات، ومطالبًا الحزبين الجمهوري والديمقراطي بتأييدها، كما عبر عن أمله بأن يؤيد «الاتحاد القومي للبنادق» تلك الإجراءات، أو على الأقل يخفف من معارضته لها، لكنه رغم ذلك نشر بعد ساعات خطة لم تتضمن أي حديث عن تشديد شروط شراء الأسلحة، والواقع أن إدارة ترامب قد ساهمت قبل ذلك في تسهيل تلك الشروط أكثر من ذي قبل.

بشكلٍ عام نجح الاتحاد منذ سنة 2004 في وقف أي محاولة لتجديد الحظر على الأسلحة الهجومية، بعدما استمر حظرها لمدة 10 سنوات بموجب «قانون برادي»، وفي عام 2013 بعد حادثة إطلاق نار في مدرسة ابتدائية سقط فيها 26 قتيلًا منهم 20 طفلًا لم يتجاوزوا السابعة من عمرهم، اهتز المجتمع الأمريكي لفداحة الجريمة، وتقدم عدد من أعضاء الحزبين الديمقراطي والجمهوري بمشروع قانون لتوسيع إجراءات فحص خلفية مشتري الأسلحة، لكن «اتحاد البنادق» ضغط لرفض القانون بنجاح، رغم أن استطلاعات الرأي أيدته بنسبة تجاوزت 90%، وتكرر السيناريو نفسه عقب حادثة إطلاق نار في مركز صحي عام 2015.

أوباما مع عدد من تلاميذ مدرسة ساندي هوك الابتدائية التي سقط منها 20 طفلًا في حادث إطلاق نار جماعي

استنكر أوباما رفض أعضاء الكونجرس تشريع فحص خلفية مشتري الأسلحة بعد حادثة مدرسة ساندي هوك الابتدائية، وقال إن «هؤلاء الشيوخ لا يستطيعون تقديم أي سبب وجيه لرفضهم تشديد شروط شراء المجرمين وذوي الأمراض العقلية الشديدة للأسلحة»، ووجه إليهم سؤالًا «هل أطفالنا أهم بالنسبة لكم أم دعم لوبي السلاح؟»، وأصدر مجموعة أوامر تنفيذية تهدف إلى الحد من من عملية شراء الأسلحة، وقال إن تلك الأوامر لن تمنع جميع الحوادث، ولكن ذلك ليس عذرًا لعدم المحاولة، مؤكدًا على أهميتها حتى لو نجحت في إنقاذ حياة واحدة.

فوهات البنادق الممتدة حول العالم

«يضغط «الاتحاد القومي للبنادق» من أجل تسهيل قوانين الأسلحة، وهو ما يساعد على تدفقها إلى أمريكا الوسطى ويساهم في نشر العنف، مما يدفع الناس إلى الهرب من العنف بالهجرة إلى الولايات المتحدة، فيستغل الاتحاد زيادة المهاجرين للتسويق لقوانين تشريع الأسلحة، ولا يبدو أن هناك نهاية لتلك الدائرة».

بهذه العبارة كان حسن منهاج يختتم حلقته من برنامج «دليل الوطنية» حول التأثير العالمي لـ«اتحاد البنادق»، وكان المذيع الأمريكي الساخر يشير إلى بعض الإحصائيات حول تهريب السلاح الأمريكي إلى دول أمريكا الوسطى، حيث تأتي 29% من الأسلحة المصادَرة في جواتيمالا من الولايات المتحدة. وكذلك 46% من الأسلحة المصادرة في الهندرواس، و49% في السلفادور، ونحو 70% من الأسلحة المصادَرة في المكسيك التي تتهم حكومتها الولايات المتحدة بالتساهل تجاه تهريب الأسلحة.

وكانت المكسيك قد سقط فيها أكثر من 30 ألف ضحية لإطلاق النيران عام 2018، رغم أن الدولة بأكملها لا تحتوي إلا على متجر واحد للسلاح، كما أشار منهاج إلى أن الاتحاد يضغط لإلغاء التحقق من خلفية مشتري السلاح وإلغاء التمويل المخصص للتتبع الدولي للجرائم المسلحة.

في شهر أبريل (نيسان) من العام الجاري، خطب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الاجتماع السنوي لـ«اتحاد البنادق» مبشرًا إياهم بانسحابه من اتفاقية دولية لتجارة الأسلحة، كان سلفه أوباما قد وقعها عام 2013، ونصت الاتفاقية على أن تلتزم الدول الموقعة عليها بعدم تصدير أسلحتها إلى دول قد تستخدمها في جرائم ضد الإنسانية، مع إمكانية مساءلة الدول الموقعة إذا خرقت ذلك الالتزام، وهو ما ندد به الاتحاد مرارًا وعده اعتداءً على حقوق التعديل الثاني بالدستور.

جاء ترامب ليردد ذلك الرأي أيضًا وينسحب من الاتفاقية، واقترحت إدارته ما يسمى بمبادرة نقل الأسلحة التي تسهّل على شركات السلاح تصديره إلى الخارج، وتجعل من الصعب على البرلمان الحصول على بيانات مبيعات الأسلحة، رغم أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل أكثر من نصف صادرات السلاح السنوية حول العالم.

وبالإضافة إلى دعم اتفاقيات تصدير السلاح أو حتى عمليات تهريبه، يقدم «الاتحاد القومي للبنادق» دعمه إلى جماعات الضغط والسياسيين المؤيدين لسياساته في الدول الأخرى، وهناك فضيحة سياسية بخصوص ذلك في أستراليا، التي كانت قد أصدرت حظرًا على الأسلحة الهجومية عام 1996 بعد حادث إطلاق نار جماعي أسقط 35 قتيلًا، ونجح ذلك الحظر في منع تكرار تلك الحوادث لأكثر من عقدين، إلى أن قرر حزب «أمة واحدة» اليميني المتطرف، والمعروف بعدائه للمسلمين والسكان الأصليين، اللجوء إلى «الاتحاد الأمريكي القومي للبنادق»، لطلب دعمه في انتخابات البرلمان مقابل تغيير قوانين حظر الأسلحة.

مرتكب مذبحة «آرثر بورت» التي أدت إلى إصدار قوانين لحظر الأسلحة في أستراليا منذ 1996- المصدر: ديلي ميل

اجتمع زعماء الحزب مع قادة الاتحاد في الولايات المتحدة أكثر من مرة خلال ثلاث سنوات، وطلب زعماء الحزب – الذي سُلطت عليه الأضواء بعد حادثة مسجد نيوزيلندا- تمويلًا قدره 20 مليون دولار، مؤكدين أن ذلك سيساعدهم على الفوز بالكثير من مقاعد البرلمان، وقد حضر تلك الاجتماعات صحفي بشبكة «الجزيرة» صورها ونشرتها «الجزيرة» في مارس (آذار) من العام الجاري.

لم تنجح جهود الاتحاد لإلغاء قوانين حظر الأسلحة في أستراليا، إلا أن الفيديوهات التي سرّبها صحفي «الجزيرة» تضمنت كذلك مشاهد لمسؤولي «اتحاد البنادق» وهم ينصحون قادة الحزب حول كيفية الرد على الانتقادات بعد وقوع مذبحة، وتمثّلت تلك النصائح في اتهام الداعين لحظر الأسلحة باستغلال دماء الأبرياء لتمرير أجندتهم السياسية، وللمفارقة فقبل عامٍ واحد حينما وقعت مذبحة المدرسة الثانوية بولاية فلوريدا الأمريكية، وجه رئيس «الاتحاد القومي للبنادق» اتهامه للقادة الديمقراطيين بتسييس المذبحة لتمرير أجندتهم والقضاء على حرية امتلاك الأسلحة.

أما في نيوزيلندا التي حظرت حكومتها الأسلحة الهجومية هذا العام بعد أعنف عمليات «الإرهاب الأبيض» في مسجدي كرايستشيرش، بقرار حظي بتأييد 119 من 120 عضوًا بالبرلمان، وسلّم الآلاف من مواطنيها أسلحتهم بعد المأساة المروعة؛ فقد عرض «اتحاد البنادق» تقديم الدعم والمساعدة للمدافعين عن امتلاك الأسلحة، كما أرسل رسالة إلى إحدى عضوات البرلمان النيوزيلندي تتهمها بانتهاك حق المواطنين في امتلاك الأسلحة وفقًا للتعديل الثاني من الدستور، رغم أن نيوزيلندا في الواقع لا تمتلك تعديلًا ثانيًا كالذي لدى الولايات المتحدة.

لدى «اتحاد البنادق» تجربة مهمة كذلك في البرازيل، التي تشهد معدلًا مرتفعًا أيضًا لضحايا حوادث إطلاق النار، إذ بلغ عددهم أكثر من نصف مليون قتيل خلال أقل من ربع قرن. وفي عام 2005 الذي قُتل فيه أكثر من 36 ألف برازيلي بواسطة إطلاق النيران مقابل نحو 32 ألف قتيل في الولايات المتحدة (تشمل تلك الأرقام ضحايا عمليات الانتحار بواسطة الأسلحة أيضًا وليس جرائم القتل فحسب)، قررت الحكومة البرازيلية إجراء استفتاء على قوانين حمل السلاح.

كانت استطلاعات الرأي في البرازيل قبل الاستفتاء تظهر تأييد 80% من المواطنين لحظر الأسلحة، إلا أن «الاتحاد القومي للبنادق» موّل حملة دعائية ضخمة لرفض الاستفتاء، ورددت إعلانات الحملة حججًا لا علاقة لها بالمجتمع البرازيلي، من بينها أن حظر الأسلحة يعد اعتداءً على الحق في امتلاك السلاح، رغم أن امتلاك السلاح لا يُعد حقًّا دستوريًّا في البرازيل مثلما هو في أمريكا.

كذلك ذكرت الإعلانات أن الشرطة قد تتأخر في الرد على الهاتف لسبع دقائق، وهي حجة سبق لقادة «اتحاد البنادق» ترديدها، أما في البرازيل فتشير التقارير إلى أن المدة قد تزيد عن ذلك بكثير، لكن الحملة نجحت بشكل كبير على أي حال، وانخفضت نسبة مؤيدي حظر الأسلحة في الاستفتاء إلى 36%، بينما ارتفعت نسبة مؤيدي اقتنائها إلى 64%.

شهدت قوانين ملكية السلاح في البرازيل تسهيلات جديدة بعد وصول الرئيس جايير بولسونارو إلى منصبه مطلع هذا العام، فقد أبطل الرئيس – المعروف باتجاهه اليميني المتطرف وعدائه لحقوق الأقليات- قوانين كانت تحظر جزئيًّا حمل المدنيين للأسلحة، بحجة ضمان حق المدنيين في الدفاع عن أنفسهم، وهو ما يتواءم بشكل مثالي مع آراء نظيره الأمريكي دونالد ترامب و«الاتحاد القومي للبنادق».

وتشير العديد من التقارير الأمريكية إلى علاقة الاتحاد بجماعات دعم السلاح في دول مختلفة بأوروبا، وآسيا، وأفريقيا، وكذلك كندا، وحتى روسيا، إذ تعد المنظمة تلك الدول سوقًا لصادرات الشركات التي تدعمها لتجارة السلاح.

كيف يدمر الجيش الأمريكي نفسه بأسلحته؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد