للمرة الثالثة في تاريخها تدعو السلطات في تونس إلى اكتتاب وطني لدعم الاقتصاد الوطني الذي يعرف مصاعب جمة، وبينما رحب البعض بالخطوة والمبادرة معتبرًا إياها بأنها تنم عن حس وطني وشعور بالمسؤولية ينبغي للجميع الانخراط فيه لتجنيب البلاد حافة الانهيار، اعتبر البعض الآخر أن “الأزمة” التي دعت إلى هذا الاكتتاب، هي ناجمة عن سوء تدبير مرحلة ما بعد الثورة بعد ثلاث سنوات من “الارتجالية” التي طبعت بالخصوص فترة إدارة “الإسلاميين” الممثلين في حزب النهضة التونسي للبلاد.

الرئيس يتوسل المواطن !

الرئيس التونسي منصف المرزوقي يشارك في الاكتتاب

الرئيس التونسي منصف المرزوقي دعا التونسيين، يوم الأربعاء، وهو يقوم باكتتابه الشخصي في العملية، إلى المساهمة في مساعدة الدولة بالقدر الذي يستطيعون من المال، وبالنسبة حتى لـ”ضِعاف الحال”.

وأطلقت الحكومة التونسية التي تواجه مصاعب اقتصادية ونقصًا في السيولة المالية، يوم الاثنين، عملية “اكتتاب في قرض رقاعي وطني” (اكتتاب وطني في سندات خزينة)، لجمع 500 مليون دينار (حوالي 225 مليون يورو) سيتم توجيهها لتغطية جزء من الاحتياجات المالية لميزانية الدولة لسنة 2014.
وأعلن شاكر سلطاني المدير العام المكلف بالاكتتاب في وزارة المالية في تصريحات لإحدى الإذاعات التونسية الخاصة، أنه “سيكون الاكتتاب في شكل 3 أصناف من السندات: الصنف الأول سندات لمدة 5 سنوات وبنسبة فائدة بـ 5,95 بالمائة، والصنف الثاني لمدة 7 سنوات وبنسبة فائدة بـ 6,15 بالمائة، والصنف الثالث لمدة 10 سنوات وبنسبة فائدة بـ6,35 بالمائة”.

وبحسب المسئول التونسي فإن الصنف الأول من السندات موجه “بشكل حصري” إلى عموم المواطنين، وأن الصنفين الثاني والثالث موجهان إلى المواطنين والمستثمرين على حد سواء. ودعا المسئول المواطنين إلى المشاركة في عملية الاكتتاب و”الوقوف إلى جانب الدولة في هذه المرحلة”.

أزمات..

احتجاجات التونسيين تتواصل ضد تفاقم الأوضاع

هذه العملية التي تعتبر الثالثة للدولة التونسية منذ استقلالها عن فرنسا سنة 1956، بحيث قامت بعملية اكتتاب أولى مماثلة سنة 1964 وثانية سنة 1986، تأتي في ظل وجود أزمة اقتصادية خانقة تمر منها البلاد، إلى درجة أن البعض بدأ يتحدث عن قرب نفاذ “خزينة الدولة” من السيولة الكافية لأداء حتى رواتب الموظفين، هذا عدا عن الوضع الأمني الهش بسبب التهديد الإرهابي الذي لم يستطع حكام تونس ما بعد الثورة سواء منهم الإسلاميون (حزب حركة النهضة) أو من بعدهم التكنوقراط لحد الآن القضاء عليه، ما يجعل مواطنين متذمرين يمنون النفس بعودة تلك الأيام على عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي حيث كانت المرأة تتجول ليلًا دون أن تتعرض لأذى بسبب توفر الأمن الضروري. أضف إلى ذلك عودة الأزمة السياسية إلى التفاقم بعدما برزت أصوات تدعو إلى وقف المسار والحوار السياسي المتفق عليه، بل والمطالبة بتنحي المرزوقي عن الرئاسة وحل المجلس التأسيسي.

هذا الوضع الاقتصادي الخانق والأمني المتدهور والسياسي الغامض، جعل التونسيين وبخاصة منهم الشباب الذين خرجوا في يوم 17 ديسمبر للثورة ضد واحد من أعتد الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة والعالم، يبدؤون في التشاؤم إزاء إمكانية تحقيق نتائج ثورتهم، وما كرس تلك النظرة التشاؤمية لدى شريحة كبيرة من الشباب التونسي، هو هذا التطاحن والنقاش غير المنتهي بين السياسيين، الذين وإن حسموا في أجندة خارطة طريق لانتخابات تشريعية ورئاسية إلا أنهم لم يحسموا بعد في ما إذا كان لهم الاستعداد الكافي للسير سوية إلى أبعد نقطة في تلك الخارطة، في ظل وجود شكوك غير قليلة إزاء الإسلاميين بالرغم من أنهم قبلوا بتسليم السلطة طواعية لتكنوقراط، في وقت سابق، تجنبًا للأسوأ كما حدث في بعض دول الثورة بالجوار القريب.

إفلاس؟

بعض شباب الثورة التونسية

ولعل هذا الغموض والانتظارية هو ما جعل عدد التونسيين الذين يسعون إلى الهجرة نحو دول الاتحاد الأوروبي بعد الثورة يتزايد، وفق ما أعلنه المكتب الأوروبي للإحصاء. إذْ تضاعف أربع مرات بين سنتي 2009 و2013. في اتجاه إيطاليا التي تأتي في المرتبة الأولى كوجهة للهجرة تليها سويسرا وألمانيا ثم السويد والنمسا.

هذا الوضع القاتم لاشك أنه يؤثر على نظرة المؤسسات الدولية النقدية تجاه تونس، والتي تتطلب حدّا أدنى من الاستقرار الاجتماعي، حتى “تغامر” بمنح قرض لهذا البلد أو لذاك، لاسيما إذا كانت من بلدان “الربيع العربي”. هذا بالإضافة إلى أن زيارة رئيس الحكومة التونسية مهدي جمعة الأخيرة لدول الخليج بقصد حشد الدعم وتطوير العلاقات الاقتصادية، في هذه المرحلة الانتقالية، لم يثمر مساعدات مالية كما هو الشأن بالنسبة لمساعدة الخليجيين لبعض دول الجوار، وذلك بالنظر إلى توجس دول الخليج من الإسلاميين التونسيين الذين بالرغم من أنهم تواروا إلى الخلف، ربما كتكتيك منهم، إلا أن قوتهم وشعبيتهم ما تزال لا تخفى على أحد .. فهل ينقذ الاكتتاب الوطني تونس ما بعد الثورة من الإفلاس؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد