«تراشق للاتهامات»، و«مناوشات عسكرية» بين حلفاء في أقوى تحالف عسكري في العالم: حلف شمال الأطلسي «ناتو»، بسبب الأزمة الليبية، فتحت الباب أمام التساؤلات حول مدى تماسك الحلف، وهل فككته المصالح المتعارضة لأعضائه؟ فبينما تدعم تركيا وإيطاليا، عضوا حلف الناتو، حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًّا، تقف فرنسا، العضو الآخر في الحلف، في صف الجنرال خليفة حفتر؛ ما يعكس انقسامًا كبيرًا داخل التحالف حيال الأزمة الليبية. 

غيوم تتراكم منذ 3 سنوات

مشكلات حلف الناتو ليست وليدة اللحظة، وليست مرتبطة بالأزمة الليبية على وجه التحديد، بل إنها تتراكم منذ ثلاث سنوات مضت، فبعد وصول دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة في 20 يناير (كانون الثاني) 2017، بدا واضحًا أن الحلف العابر للأطلسي دخل مرحلة الخلافات والمشكلات.

وبداية من أزمة ميزانية الدفاع، مرورًا بملف البرنامج النووي الإيراني؛ اتسعت رقعة الخلافات، وانغرست أقدام الحلف يومًا بعد يوم في المشكلات، حتى جاءت أزمة ليبيا، وما يرتبط بها من ملفات، لتنكأ الجروح القديمة، وتحدث جروحًا جديدة في جسد التحالف العسكري.

كان وصول ترامب للسلطة نقطة تحول أساسية في تاريخ الحلف، فالرئيس الأمريكي كان صريحًا منذ البداية، ووصف الحلف في أكثر من مناسبة بأنه «عفا عليه الزمن». بل اقترح في أكثر من مناسبة، انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، وأخبر مجلس الأمن القومي في يوليو (تموز) 2018 بأنه يعتقد أن الحلف يستنزف موارد الولايات المتحدة.

دولي

منذ 7 شهور
«فورين بوليسي»: هل نشهد «طلاقًا» وشيكًا بين أوروبا وأمريكا؟

وكان محور المشكلات بين ترامب وباقي دول الحلف في ذلك الوقت، هو الميزانية؛ إذ سبق وتعهد أعضاء الناتو في قمة ويلز في 2014، بزيادة الإنفاق العسكري لكل دولة إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، في محاولة لتقريب مساهمات الدول الأعضاء، وحتى لا تكون دولة واحدة، هي الولايات المتحدة، الأكثر إنفاقًا. لكن ما يزال إنفاق الدول الأوروبية حتى اليوم، أقل بكثير من 2% من الناتج المحلي الإجمالي، ودولة مثل ألمانيا لا تنفق سوى 1.36% من ناتجها المحلي على الدفاع، وإن كان ذلك في طريقه إلى التغيُّر.

بماذا تخبرنا بداية الناتو عما يحدث الآن؟

البحث في مآلات الأزمة الحالية، يقودنا إلى بدايات تجربة الناتو؛ ففي 1949، تأسس حلف شمال الأطلسي، ليضم دول أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية تحت مظلة واحدة، بهدف واضح وواحد، هو: مواجهة خطر تمدد الاتحاد السوفيتي.

في ذلك الوقت، كان القلق يسود أوروبا الغربية إزاء أمنها ومستقبلها السياسي والاقتصادي، لأن موسكو كانت تحاول حصار دول القارة العجوز، عبر التدخل في الحرب الأهلية في اليونان (1946- 1949)، ومحاولة استقطاب تركيا للمعسكر الشرقي، وهندسة الانقلاب في تشيكوسلوفاكيا السابقة، الذي أدى إلى وصول حكومة شيوعية للسلطة، وحصار السوفيت لبرلين الغربية في 1948، في أزمة كادت تؤدي لحرب بين المعسكرين الشرقي والغربي.

لذلك كان إنشاء تحالف أوروبي أمريكي ضرورة، لحماية أمن أوروبا الغربية والعالم الرأسمالي من تهديدات السوفيت، بكافة الوسائل السياسية والعسكرية، وبموجب معاهدة واشنطن 1949، وافقت الدول الأعضاء على أن الهجوم على إحداها يعني هجومًا على الجميع، ويتطلب ردًّا جماعيًّا في إطار الحلف، إلا أن مبدأ الدفاع الجماعي لا يعد ساريًا إلا إذا وقع الهجوم في أوروبا أو أمريكا الشمالية، ولا يشمل الصراعات في المناطق الاستعمارية.

دولي

منذ 4 شهور
الناتو.. المسرح المُفضل لأردوغان للي ذراع خصومه

بمرور السنوات، توسع حلف شمال الأطلسي، ليضم 29 دولة في الوقت الحالي، وبات يشمل معظم دول أوروبا تقريبًا، بالإضافة لدول أمريكا الشمالية، بعد أن كان يضم 12 دولة فقط في 1949. ورغم توسع حلف «ناتو»، وإنفاقه ما يقرب من 46 مليار دولار أمريكي على تعزيز قدراته، ومهامه الخارجية، فإنه واجه الكثير من الأزمات في السنوات الثلاثة الماضية، فضلًا عن اتهامات بفقدانه القدرة على الفعل، وأخيرًا التنبؤات بالتفكك. 

«موت دماغي».. عضوان في الناتو يتصارعان على أرض ليبيا

مع تصاعد الخلافات، خرج الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، العام الماضي بتصريح مثير للجدل، إذ وصف الحلف بأنه «في حالة موت دماغي»، وهي الرؤية التي لاقت تأييدًا من بعض السياسيين الأوروبيين، وإن أثارت انتقادات على الجانب الآخر.

ومع تفاقم التوترات بين أنقرة وباريس، عاود ماكرون التذكير بأن ما يحدث يعد دليلًا واضحًا على وجاهة مخاوفه السابقة حيال الحلف، قائلًا: «أود الإشارة إلى تصريحاتي في نهاية العام الماضي عن الموت الدماغي، وأرى أن ما يحدث الآن يعد توضيحًا لما قلته. فها نحن عضوان في الحلف، أحدنا في مواجهة الآخر».

وبغض النظر عن تفاصيل الخلاف بين ماكرون وأردوغان، فإن الناتو بوضعه الحالي بات مجرد «ظل» لما كان عليه الحلف في العقود الماضية، على حد وصف يورجن تريتن، خبير الشؤون الخارجية ونائب البرلمان عن حزب الخضر «يسار».

«أوراق متشابكة».. تعارض مصالح الأعضاء يضرب الناتو في مقتل

في مارس (آذار) 2011، تدخل حلف شمال الأطلسي تحت غطاء قرار صادر من مجلس الأمن، في ليبيا، ونجح في تقويض حكم العقيد معمر القذافي في البلاد. وهنا، أعلن الحلف انتهاء مهمته، وترك البلاد تتقاذفها أمواج الاضطرابات، دون بوصلة سياسية واضحة. 

وخلال الأشهر الماضية، تحولت ليبيا إلى مسرح لصراع إقليمي ودولي، وتدخلت روسيا، العدو الأساسي والأكبر لحلف شمال الأطلسي تاريخيًّا، لدعم الجنرال خليفة حفتر، فيما ألقت تركيا، عضو الناتو، بثقلها خلف حكومة الوفاق. 

وهنا ظهرت أزمة «الناتو» الحقيقية، وهي: تعارض مصالح أعضائه؛ إذ وقفت فرنسا، عضو حلف الأطلسي في صف الجنرال حفتر، وفي مواجهة مباشرة مع تركيا وإيطاليا اللذين يدعمان الطرف الآخر.

أما وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد، «فلم يعد بالإمكان تجاهل الحقائق الواضحة، ولا إنكار الوضع الصعب الذي وصل إليه الناتو»، كما تقول مجلة دير شبيجل الألمانية، التي وضعت يدها على سبب التدهور، وهو: أن «مصالح أعضائه باتت متعارضة بشكل كبير».

وليبيا جاءت لتُعَرِّي هذا الضعف، وإن أشارت المجلة السياسية الألمانية إلى أن جذور الداء تمتد إلى أبعد من المشهد الراهن. على سبيل المثال، «حين اتخذ ترامب قرارًا منفردًا بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران في أغسطس (آب) 2018، دون دراسة مصالح الدول الأخرى الأعضاء في الناتو، ولم يدرس تداعياته على أمن أوروبا؛ إنما فتح الباب أمام ذاك السباق لدعم المصالح الفردية، فما حدث كان أمرًا يضر بالمصالح الأوروبية في المنطقة مباشرة».

لكن لماذا تدعم فرنسا حفتر وتدعم إيطاليا الوفاق؟ وماذا عن تركيا وروسيا؟

في باريس، يرى صانعو القرار أن الرهان على حفتر مهمًّا لسببين؛ أولهما احتواء تهديد التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، إذ يعتقد الساسة الفرنسيون أن الجنرال الليبي يمكن أن يكون مجديًا في مواجهة الإسلاميين المتطرفين. أما السبب الثاني، فيتمثل في رغبة فرنسا في انتزاع جزء من عقود النفط الليبية التي تسيطر عليها شركات إيطالية، وترى أن سيطرة حفتر على البلاد تعني حصولها على عقود وامتيازات كبيرة في القطاع النفطي على حساب الجارة والمنافسة اللدودة إيطاليا. 

دولي

منذ سنة واحدة
رحلة في عقل فرنسا وإيطاليا.. كيف يتصارعان على ليبيا الآن؟

وفي روما، الشريك في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، يراهن صانع القرار على الحكومة المعترف بها دوليًّا، لسببين أيضًا؛ أولهما الرهان على هذه الحكومة لكبح جماح الهجرة غير الشرعية انطلاقًا من سواحل طرابلس باتجاه السواحل الإيطالية. فيما يتمثل السبب الثاني في الحفاظ على نسبة إيطاليا في عقود النفط. 

وفيما يتعلق بتركيا، فالأهداف اقتصادية في جزء منه، وأولها إعادة شركات الإنشاءات التركية إلى الأراضي الليبية. ففي عهد العقيد معمر القذافي، كانت الشركات التركية تملك عقودًا بـ10 مليارات دولار في ليبيا. كما تريد أنقرة ترسيخ أقدامها في الصراع متعدد الأطراف على احتياطات الغاز في البحر المتوسط، وهو ما بدا في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس. هذا بالإضافة إلى الحرب الباردة في الشرق الأوسط بين محورها، ومحور السعودية والإمارات.

وفي وسط هذه المصالح المتعارضة، تقف موسكو في صف الجنرال حفتر، وتقدم دعمًا من السلاح والمقاتلين مع الحفاظ على مسك العصا من المنتصف مع تركيا والوفاق. وبذلك، تحول الأمر إلى تحالف بين عضو الناتو، فرنسا، ومعها روسيا، ضد أعضاء الناتو أيضًا، تركيا وإيطاليا. 

الملاسنات تتفاقم إلى مناوشات عسكرية في البحر المتوسط

الأمر لم يتوقف عند رسم المصالح المتعارضة على الأرض؛ إذ تطور الموقف إلى مناوشات عسكرية في البحر المتوسط، وتبادل للاتهامات بين دولتين حليفتين من الناحية النظرية في حلف الناتو، وهما تركيا وفرنسا. وقبل أيام، أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرج، فتح تحقيق بشأن حادثة اعتراض سفن حربية تركية لفرقاطة فرنسية في البحر المتوسط.

يأتي ذلك بعد أن نددت فرنسا بما أسمته سلوكًا «عدوانيًّا للغاية» من جانب تركيا، العضو في حلف الأطلسي، ضد فرقاطة فرنسية تقوم بمهمة للحلف في البحر المتوسط، خلال محاولة التدقيق في سفينة شحن يُشتبه بنقلها أسلحة إلى ليبيا.

كما هاجمت الخارجية الفرنسية، تركيا، في بيان رسمي، وقالت إن «العائق الأساسي أمام إحلال السلام والاستقرار في ليبيا هو الخرق الممنهج لحظر السلاح خاصة من قبل تركيا». وتابع البيان أن «تصرفات البحرية التركية تجاه حلفاء الناتو عدوانية وغير مقبولة»، داعية «لوقف التدخل التركي كما باقي التدخلات في الصراع الليبي».

أما تركيا فهاجمت بدورها فرنسا، وقالت الخارجية التركية في بيان إن «التعليقات الفرنسية على الدور الذي تلعبه تركيا في ليبيا يظهر سياسة باريس «القاتمة وغير المفهومة» في الأراضي الليبية. وتابعت «فرنسا تقدم دعمًا للقراصنة والانقلابي خليفة حفتر، الذي سعى لإطاحة الحكومة الشرعية في ليبيا وإقامة نظام سلطوي في البلاد، وأبدى علنًا عدم تأييده للحل السياسي». وأكدت أن «الدعم الفرنسي لحفتر فاقم الأزمة الليبية، وشجع الأخير على الإصرار على الوسائل العسكرية، وزاد من آلام الشعب الليبي ومعاناته».

وخلال هذا الأسبوع تبادل الطرفان الفرنسي والتركي، الأعضاء في حلف الناتو، الاتهامات مرة أخرى، إذ قال ماكرون إن تركيا تلعب لعبة خطرة في ليبيا، على هامش لقائه بالرئيس التونسي، فما كان من تركيا إلا أن ردت بالمثل بأن فرنسا تلعب لعبة خطرة في ليبيا.

هذه ليست المرة الأولى.. ولكن

لا تعد الأزمة الليبية هي المرة الأولى التي يقف فيها أعضاء حلف شمال الأطلسي في مواجهة بعضهما بعضًا في السنوات الأخيرة؛ إذ اتخذت الولايات المتحدة موقفًا معارضًا للحلفاء الأوروبيين في قضية الملف النووي الإيراني، بل فرضت عقوبات على الكيانات المتعاملة مع طهران، بما فيها الشركات والبنوك الأوروبية.

وفي خط أنابيب «نورد ستريم 2» المقرر أن ينقل الغاز الروسي إلى قلب أوروبا الغربية، وخاصة ألمانيا، فرضت واشنطن عقوبات كبيرة على الشركات العاملة في المشروع، ودخلت في مواجهة كبيرة مع حلفائها الأوروبيين أدت إلى توتر العلاقات العابرة للأطلسي.

لكن ما يجري في ليبيا، والتوتر بين فرنسا وتركيا على وجه الخصوص، يعد كاشفًا عن الوضع الذي وصل إليه حلف الناتو، إذ تحدث الأزمة بين البلدين ضجيجًا كبيرًا في الحلف، وتعكس تهاوي قبضته، وفقدانه السيطرة على أعضائه. وبصفة عامة، سيطرت خلال السنوات الأخيرة المصالح المتعارضة على حلف شمال الأطلسي، وتراجع الهدف الموحد، وهو مواجهة التهديد الروسي، إلى الخلفية، بعد أن رأى بعض أعضاء الحلف في موسكو حليفًا في قضايا مختلفة.

فرنسا تضع يدها في يد الروس في ليبيا، وألمانيا ترتبط بمشروع اقتصادي عملاق، هو خط أنابيب «نورد ستريم 2» مع الروس أيضًا، بل إن بريطانيا وفرنسا وألمانيا يقفون مع روسيا في صف واحد في مواجهة الولايات المتحدة نفسها، في ملف الاتفاق النووي الإيراني.

هل تكون ليبيا القشة التي ستقصم ظهر الناتو؟

في حين أن الأزمة الليبية مثلت دليلًا جديدًا على أزمة حلف شمال الأطلسي، وطغيان المصالح الفردية على المصلحة الجماعية للحلف، فإنها، مثلها مثل الملفات الأخرى، لا تعني أن «الناتو» يتفكك أو ينهار على الأقل في المستقبل المنظور. 

وتفصيلًا، لن تستطيع القارة الأوروبية الاستغناء عن حلف الناتو ودوره في تأمين حدودها، قبل أن تنجح في تأمين سياسة دفاع مشتركة، وقوة عسكرية موحدة، وهذا لن يحدث في المستقبل القريب على الأقل، بسبب صعوبة المفاوضات والمناقشات بين الدول الأوروبية في هذا الصدد.

كما أن الولايات المتحدة ما تزال بحاجة للحلف، والشركاء الأوروبيين لمواجهة وموازنة الصعود الصيني السريع في العالم، بعد أن باتت بكين المنافس الأكبر لواشنطن في النظام العالمي، لذلك ربما لن يتفكك الناتو، أو ينهار قريبًا، حتى وإن وقف أعضاؤه في مواجهة بعضهم بعضًا في بعض الساحات الملتهبة.

المصادر

تحميل المزيد