يواجه حلف شمال الأطلسي (الناتو)، العديد من الأزمات المصيرية التي قد تُؤثر في مستقبل الحلف؛ فبعد فوز مرشح الحزب الجمهوري «دونالد ترامب» برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليصبح الرئيس الـ45 لها، بات مستقبل الحلف غير محدد الملامح، خاصة بعد انتقاد ترامب للحلف، في عدة تصريحات، كان من بينها خلال المناظرات الرئاسية، أمام مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون.

في الوقت نفسه، ارتفعت مؤخرًا حدة المناوشات الكلامية بين روسيا والحلف، وتطورت إلى بعض الاستعدادات العسكرية للطرفين، والتي قد تُنذر بمواجهة ما قريبة.

غير أن تصريحات الرئيس المنتخب، ترامب، باستعداده للتقارب مع روسيا وإصلاح العلاقات مجددًا مع «الكرملين»، بعد التوتر الذي شابها منذ عقود، ربما تُنبّئ بتحول الحرب بين الممثلين الأوروبيين في الحلف وروسيا، وبعيدًا عن الولايات المتحدة الأمريكية.

الأمور تزداد توترًا قبل تولي ترامب الحكم

من المتوقع أن يتسلم الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية من الرئيس الحالي «باراك أوباما»، في شهر يناير (كانون الثاني) من العام المقبل 2017؛ إذ تُجرى إجراءات تسليم السلطة من أوباما إلى ترامب في خلال 72 يومًا كاملين، بدأت بالفعل منذ يوم الانتخابات، الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وتنتهي يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2017.

وتزداد حدة الحرب الكلامية والاتهامات المتبادلة بين روسيا وحلف الناتو، والتي قد تتطور في بعض الأحيان إلى واقع عملي، متمثّل في انتشار عسكري، أو إنشاء قواعد عسكرية، كما حدث عندما أعلن الحلف، في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انتشار أربعة آلاف جندي إضافي في أوروبا الشرقية على الحدود مع روسيا، جاهزين للانضمام إلى قوات رد سريع تتكون من حوالي 40 ألف فرد من دول الناتو المجاورة لروسيا.

وكانت بريطانيا قد قررت إرسال 800 جندي إلى الحدود الروسية، فضلًا عن برلين التي تعهدت للمرة الأولى منذ هزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية؛ بإرسال قوات إلى حدود روسيا، مشيرة كذلك إلى قرار نشر 330 جندي أمريكي في النرويج، التي نأت بنفسها عن أي انخراط عسكري ضد روسيا، حتى في ذروة الحرب الباردة، وتأتي كل هذه الإجراءات، بالرغم من إعلان «ينس ستولتنبرج»، الأمين العام لحلف الناتو، أن الحلف لا يرغب في خوض أية مواجهات أو حروب ضد روسيا.

وفي خطوة سريعة للرد على الأمر، أعلن بوتين، في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، أن موسكو ستتخذ إجراءات مضادة، ردًا على توسيع حلف شمال الأطلسي لنشاطه قرب روسيا، وقال في مقابلة تليفزيونية «نحن قلقون حيال عملية اتخاذ القرار في الحلف».

تنفيذ أسرع ما يمكن

من جانبه، قال «فيكتور أوزيروف»، رئيس لجنة الدفاع في المجلس الأعلى بالبرلمان الروسي، في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016: إن موسكو ستنشر نظامها للدفاع الصاروخي إس- 400، فضلًا عن نشرها منظومات «باستيون» الصاروخية الساحلية الحديثة في مقاطعة كالينينغراد الروسية، وهو ما أكدت حدوثه عدد من الوكالات الإعلامية الأمريكية بالفعل.

ورد تحالف شمال الأطلسي (الناتو) سريعًا على الحدث؛ حيث أصدر الحلف بيانًا بعد يوم واحد فقط، وتحديدًا في 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، منتقدًا موسكو لنشرها منظومات الصواريخ في كالينينجراد، والتي تطل على بحر البلطيق، واصفًا هذا الإجراء بأنه «ظاهرة استراتيجية عدائية».

وفي اليوم نفسه، أعلن المتحدث باسم الرئيس الروسي، «دميتري بيسكوف»، أن لدى روسيا الحق السيادي في اتخاذ كافة التدابير اللازمة على أراضيها لضمان أمنها؛ وذلك ردًا على التصعيد من قبل حلف شمال الأطلسي.

وكان بوتين قد أعلن من قبل، أن «هدفنا تحييد فاعلية أي تهديد عسكري لأمن روسيا»، ومحذرًا واشنطن من أن روسيا «ستستمر في القيام بكل ما هو ضروري للحفاظ على التوازن الاستراتيجي».

«قررنا حشد قواتنا البحرية لردع روسيا في بحر البلطيق والبحر الأسود». – الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)

من جانبه، أعلن الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرج، نشر أربع كتائب على الحدود الشرقية للحلف، في دول البلطيق وبولندا، مع بداية عام 2017، وذلك بالتوافق مع المخططات المقررة للحلف.

كما قال المتحدث باسم الحلف، «ديلان وايت»، أمس الأول، إن الناتو «أنهى عمليته ضد القراصنة في المحيط الهندي، وقرر حشد قواته البحرية لمواجهة عمليات غير شرعية لنقل الناس في البحر المتوسط، وردع روسيا في بحر البلطيق والبحر الأسود».

اقرأ أيضًا: أبرز 15 حدثًا منذ انتخاب ترامب: ما بين الجنون والغضب والكراهية وأحلام السلام مع روسيا

تقارب ترامب والكرملين

لا يخفى التقارب بين ترامب، وبوتين؛ فقد وصف ترامب، بوتين، في إحدى المناظرات الرئاسية، بـ«الرئيس الناجح والقائد القوي»، بل إنه اعتبره «أفضل من أوباما»، كما أنه شدد على ضرورة التعاون الأمريكي الروسي، بغية تخطي عدد من أزمات المجتمع الدولي، ومن أبرزها، كما قال، الأزمة السورية، وأزمة «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش).

من جانبه، أرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، برقية ترحيب وتهنئة لترامب؛ بفوزه على المرشحة الديمقراطية «هيلاري كلينتون»، مؤكدًا أنه يمكنه العمل معه لإصلاح العلاقات بين بلاده وبين الولايات المتحدة، قائلًا: إن «روسيا مستعدة وتريد استعادة العلاقات مع الولايات المتحدة».

وأكد بوتين على أن ذلك سيصب في مصلحة الشعبين: الروسي، والأمريكي، وسيؤثر بشكل إيجابي على المناخ العام في الشؤون الدولية؛ «نظرًا للمسؤولية الخاصة التي تتحملها روسيا والولايات المتحدة في الحفاظ على الاستقرار والأمن الدوليين».

وجدير بالذكر أن القاعة الرئيسة للبرلمان الروسي لم تخفي فرحتها بعد إعلان فوز دونالد ترامب برئاسية الولايات المتحدة الأمريكية، حيث علا التصفيق داخل القاعة، في إشارة لاقتراب انفراج الأزمات بين البلدين.

وتأمل موسكو تدخل ترامب كوسيط بين روسيا وأوكرانيا لحل الأزمة التي نشبت في مارس (آذار) 2014 حول شبه جزيرة القُرم؛ إذ أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، «جريجوري كاراسين»، أن موسكو تستعد لتطوير التعاون مع إدارة ترامب بشأن أوكرانيا، مؤكدًا أن ذلك لن يتم، إلا «بشروط مقبولة للطرفين مع الرئيس الأمريكي المنتخب».

تباعد ترامب والناتو

وكان من ضمن وعود ترامب لأول 100 يوم له في البيت الأبيض، إعادة النظر في جميع الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي من ضمنها اتفاق حلف الناتو، الذي أعلن أنه سيعيد التفاوض على شروطه، وربما تنسحب الولايات المتحدة منه، لافتًا إلى أن محاربتها جنبًا إلى جنب مع قوات حلف شمال الأطلسي قد كلَّفتها الكثير، اقتصاديًا وعسكريًا، ولذلك فإنه يرى أن الحلف عليه أن يدفع المزيد من التعويضات للجيش الأمريكي، وإلا فسوف ينسحب من التعاون معهم.

وبالرغم من ذلك، أعرب الأمين العام للناتو، عن «قناعته التامة»، بأن الولايات المتحدة ستواصل دعم أوروبا عسكريًا، عن طريق حلف الناتو، مُشيرًا إلى أنه يتوقع من الإدارة الأمريكية الجديدة، المحافظة على النهج القائم، والإبقاء على «دورها الريادي في زعامة الناتو».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!