في 24 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، حكم القضاء الباكستاني بسجن نواز شريف سبع سنوات بعد اتهامه بالكسب غير المشروع، وقد تبوأ شريف منصب رئيس وزراء باكستان ثلاث مرات، وعاش حياة حافلة بأحداث السياسة التي خاضها في موقع السلطة والمعارضة  لعقود، لدرجة يمكن من خلالها اعتبار أن مسيرة حياته جزء لا يتجزأ من تاريخ باكستان الحديث.

نواز شريف وبينظير بوتو.. «لعبة الكراسي الموسيقية»

ولد ميان محمد نواز شريف في ديسمبر (كانون الأول) عام 1949 في مدينة لاهور عاصمة ولاية البنجاب وثاني أكبر المدن الباكستانية، وقد حصل على بكالوريوس الحقوق من جامعة البنجاب، قبل أن يلتحق بمجال الأعمال حي كانت أسرته تدير مجموعة «الاتفاق» الاقتصادية ذات الباع في مجالات صناعة الصلب والنسيج والسكر.

دلف نواز شريف إلى عالم السياسة مبكرًا، فاختير عضوًا بمجلس إقليم البنجاب، ثم وزيرًا للمالية في حكومة الإقليم، قبل أن يغادرها إلى وزارة الرياضة، ثم كبيرًا للوزراء في الولاية في أبريل (نيسان) 1985، وكان قد انتخب عضوًا في المجلس الوطني والمجلس الإقليمي في العام نفسه، وفي 1988، وبعد قيام رئيس الوزراء الباكستاني الجنرال ضياء الحق بحل المجلسين، وقع الاختيار على مشرف ليكون كبير الوزراء بالوكالة.

سطع نجم نواز شريف في سماء السياسة الباكستانية، فقد اختير بعد انتخابات العام 1985 زعيمًا لـ«حزب الرابطة الإسلامية» (والذي سيُعرف منذ العام 1993 بـ«حزب الرابطة الإسلامية-جناح نواز شريف»)، كانت باكستان في  مطلع التسعينات على موعد مع صراع سياسي طرفاه الرئيس غلام إسحاق خان، ورئيسة الوزراء آنذاك بينظير بوتو، زعيمة حزب الشعب الباكستاني وابنة رئيس البلاد الأسبق ذو الفقار على بوتو، حُسمت تلك الجولة لصالح غلام إسحاق خان الذي استغل مادة دستورية تتيح له إقالة الحكومة المنتخبة بسبب الفساد أو فشل الإدارة،  لتجد بينظير بوتو نفسها خارج السلطة بعد 20 شهرًا فقط من وصولها كأصغر حاكمة منتخبة في العالم.

نواز شريف

رئيسة وزراء باكستان السابقة بينظير بوتو، المصدر جتي إيمدح

 

حملت انتخابات العام 1990 نواز شريف وحزبه إلى رئاسة الوزراء للمرة الأولى، حمل شريف برنامجًا طموحًا للتنمية الاقتصادية وخصخصة القطاع العام، كما واجه عدة تحديات أبرزها قضية كشمير والصراع مع الهند، والبرنامج النووي الباكستاني الذي تسبب استمراره في توقف المساعدات الغربية لإسلام آباد، وفي الداخل، كان شريف يخوض المعركة ذاتها التي خاضتها بوتو مع الرئيس إسحق خان، والتي انتهت النهاية ذاتها بإقالة شريف عام 1993 استنادًا إلى المبرر الدستوري ذاته، تحت ذريعة الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية.

وفي مايو (آيار) 1993، أنصفت المحكمة العليا شريف، عندما حكمت ببطلان الإجراءات التي أدت إلى إقالة شريف، وأعاده إلى منصبه، لكن الأزمة السياسية بين شريف وإسحق خان استمرت، ولاحت أجواء عودة الجيش إلى السياسة الباكستانية في الأفق، وأمام تعقد الأزمة، اضطر الرجلان (شريف وإسحاق خان) إلى الاستقالة معًا وإجراء انتخابات جديدة، في مفاوضات توسط فيها قائد الجيش الباكستاني نفسه.

تبادل نواز شريف وبينظير بوتو الأدوار، ففازت بوتو في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 1993، لتعود إلى موقعها رئاسة الوزراء مجددًا، ومجددًا تصاعدت المشاكل في وجه سلطة بوتو، وتعالت الأصوات التي تتهمها وزوجها آصف علي زرداري بالرشوة والفساد، وهو ما ألب عليها خصومها السياسيين فأصدر الرئيس الباكستاني فاروق ليغاري قرارًا بإقالة حكومتها عام 1996، لتجري انتخابات جديدة، فاز فيها نواز شريف في فبراير (شباط) 1997، ليعود إلى ولاية ثانية في منصب رئيس الوزراء.

بعدما خذلها عمران خان.. لماذا تقاربت السعودية مع باكستان؟

بروزير مشرف Vs نواز شريف.. لعبة «القط والفأر»

صعد نواز شريف إلى ولايته الثانية محمّلاً بهواجس إخفاقه الأول، عمد شريف – بدعم من منافسته بينظير بوتو التي ذاقت معه من الكأس نفسه مرتين – إلى إلغاء البنود الدستورية التي سمحت سابقًا بإزاحتهما من منصب رئاسة الوزراء على يد رئيس البلاد، وتسارعت جهوده لتقليم أظافر العسكر وتدخله في شئون السياسة، واحتواء سلطات الرئيس، لكن الأقدار لم تمهله كثيرًا لتنفيذ تلك الخطط.

سرعان ما فقد شريف انسجامه مع مراكز القوى في البلاد؛ فقد أدت محاولاته لعرقلة تعيين بعض الأعضاء في المحكمة العليا إلى إدخال البلاد في أزمة دستورية، كما أدى عرقلة تعيين ساجد علي شاه في منصب رئيس المحكمة العليا إلى أزمة أخرى؛ ما دفع الرئيس فاروق ليغاري إلى إعلان استقالته من منصبه، متهمًا نواز شريف بالسعي إلى الانفراد بالسلطة، ما زاد الضغوط عليه.

ضغوط فاقمتها الأزمات الاقتصادية التي غرقت فيها الحكومة، نتحدث هنا عن تدابير تقشف بناء على تعليمات صندوق النقد الدولي، ومبالغ هائلة يتم اقتطاعها من ميزانية البلاد لصالح خدمة الدين، وقضايا فساد، وفوضى مستمرة، وشيئًا فشيئًا بدأ يتضح أن نواز شريف لن يتمكن من إبقاء سيطرته على الأوضاع لوقت أطول.

كانت «القشة التي قصمت ظهر» نواز شريف هو خلافه مع قائد الجيش، الجنرال برويز مشرف، فبالرغم من أن مشرف قد وصل إلى رأس الهرم مدعومًا من شريف، إلا أن الخلاف بين الرجلين بدأ يتسرب إلى العلن، بعدما تبادلا الاتهامات حول أسباب الفشل في «حرب كارجيل» مع الهند، والإخفاق الباكستاني في اختراق الدفاعات الهندية؛ ما أدى إلى إثارة الرأي العام.

وبرغم محاولات تهدئة الخلاف بين رئيس الوزراء وقادة الجيش، إلا أن الخرق كان قد اتسع على الراتق، حاول نواز شريف عزل مشرف من قيادة الجيش، وأعطى الأوامر بمنع طائرته من الهبوط في مطار كاراتشي، لتتحرك وحدات الجيش فور سماع ذلك النبأ، وتسيطر على المنشآت الحيوية، ويتم إلقاء القبض على  نواز شريف بعد عزله بانقلاب عسكري أتاح لبرويز مشرف أن يسيطر على مقاليد السلطة لسنوات تالية.

Embed from Getty Images

الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف

بقى نواز شريف رهن الاحتجاز، ووجهت إليه تهم الإرهاب وقد حكم عليه بالسجن مدى الحياة، قبل أن يتوصل إلى «تسوية» مع السلطات تقضى بمغادرته البلاد مدة 10 سنوات في مقابل عدم تنفيذ الحكم الصادر بحقه، ليغادر مع عائلته إلى منفى في السعودية في ديسمبر عام 2000.

استقر شريف في المنفى، في الوقت الذي خاض فيه الجنرال برويز مشرف بحر السياسة الباكستانية، ليفاجأ بأمواجه ثائرة العصية على الاحتمال، فقد مشرف هيمنته سريعًا بعدما فتح سماء باكستان أمام الطائرات الأمريكي في حربها على «الإرهاب» لتصول فيها وتجول، الأمر الذي جعله عرضة لاتهامات الداخل بأنه «ينبطح» أمام القوى الخارجية، وأدت قراراته المتعاقبة مثل تنكيله بالعالم النووي الباكستاني ذي الشعبية الطاغية عبد القدير خان، والتعامل العنيف من قبل الجيش الباكستاني في أحداث «المسجد الأحمر» إلى تقويض شعبية مشرف داخليًا، ليبدأ العد التنازلي لسلطته.

في الوقت الذي بدأت فيه سلطة مشرف في الترنح، كان نواز شريف في الخارج يستعيد عافية، ويعقد اجتماعات مع القوى السياسية، بما – في ذلك خصمه اللدود بينظير بوتو – لمواجهة العدو المشترك، وفي الوقت الذي فقد فيه مشرف دعم القضاة والمحامين بعدما أقدم على إقالة رئيس المحكمة العليا افتخار محمد جوهري وتوجيه اتهامات فساد ضده، كان القضاء يصدر أحكامه بأحقية نواز شريف وأسرته في العودة للبلاد.

عاد شريف من فوره إلى باكستان، رفض مشرف تلك الخطوة وقامت السلطات بترحيله مجددًا إلى السعودية؛ ما أثار المزيد من الغضب في الأوساط السياسية والشعبية، ليجد مشرف نفسه مضطرًا لأن يسمح لعدوه بالعودة نزولًا على حكم القضاء.

برويز مشرف.. الجنرال الذي عزف ألحان حبه للسلطة على موسيقى «الروك» الأمريكية

وثائق بنما.. «الضربة القاضية»

في ديسمبر (كانون الأول) 2007، وفيما كانت بينظير بوتو -التي عادت لتوها من المنفى كذلك- تحشد حزبها لخوض الانتخابات التالية، اغتيلت بتفجير انتحاري في مدينة روالبندي، ليحل محلها في قيادة حزب الشعب الباكستاني زوجها آصف على زرداري، وخلال الانتخابات التي جرت مطلع العام الجاري، حل حزب الشعب الباكستاني في المقدمة، في الوقت الذي حصل فيه حزب نواز شريف على ربع الأصوات، حاصدًا المركز الثاني.

Embed from Getty Images

كون حزبا شريف وزرداري تحالفًا صعّد من الضغوط في وجه مشرف، وأجبره على الاستقالة في أغسطس (آب) 2008، ليواجه بنفسه المنفى الذي أذاق خصومه مرارته لسنوات، لكن عرى التحالف «البراجماتي» بين الخصمين اللدودين لم تلبث أن انفضت، اختير زرداري رئيسًا للجمهورية فيما انضم حزب شريف إلى المعارضة، وأفلت الأخير من محاولات زرداري لوضعه قيد الإقامة الجبرية، قبل أن ينجح في انتزاع حكم قضائي بأحقيته في العودة إلى الحياة السياسية.

ظل نواز شريف في المعارضة إلى أن تمكن في انتخابات 2013 من الفوز، ليعود إلى منصب رئاسة الوزراء لولاية ثالثة، لتتراكم عليه المشكلات مرة أخرى ففي الوقت الذي أظهرت فيه المؤشرات الاقتصادية تطورات ملحوظة ونموًا في معدلات النمو واستقرارًا للعملة، لم ينعكس ذلك إيجابًا على معيشة المواطنين الذين عانوا من سوء الخدمات المعيشية كانقطاع الكهرباء مثلاً كما وقعت البلاد فريسة لهجمات مسلحة نفذتها حركة طالبان باكستان، راح ضحيتها عشرات الضحايا، الأمر الذي زاد من السخط على نواز شريف مرة أخرى.

لقد فقد (نوار شريف) الأهلية بصفته عضوا في البرلمان وبالتالي لم يعد يتولى منصب رئيس الوزراء * من حيثيات حكم القضاء على نواز شريف بتهمة الفساد

«الضربة القاضية» بحق نواز شريف، جاءت في عام 2016، حينما خرجت إلى العلن ما عرف بـ«وثائق بنما» التي أماطت اللثام عن ملفات فساد وتهرب ضريبي وغسيل أموال تورط فيها الكثير من الساسة والمشاهير حول العالم، كان نواز شريف أحد ضحايا تلك الوثائق التي أشارت إلى تورطه وثلاثة من أبنائه في عمليات فساد وغسيل أموال وتهرب ضريبي، وهو ما نفته أسرة شريف مدعية أن دوافعها سياسية محضة.

أحيل شريف إلى القضاء على خلفية الاتهامات الواردة في تلك الوثائق، لتصدر المحكمة حكمها بأنه «لم يعد يتمتع بالأهلية»، ويتم عزله من منصبه، ولم يكن هذا سوى بداية لمتاعب جديدة واجهها مشرف؛ إذ تعرض لسلسلة من التحقيقات القضائية والاتهامات في قضايا تتعلق بالكسب غير المشروع والتهرب الضريبي، ليتم الحكم عليه وعلى ابنته مريم (كان يُنظر إليها على أنها وريثته المحتملة) في يوليو (تموز) الماضي بالسجن 10 وسبع سنوات على الترتيب، لكن المحكمة أمرت لاحقًا بتعليق تنفيذ الحكم بالإفراج عنهما بكفالة مالية بانتظار صدور قرار نهائي.

وفي 24 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، صدر بحق نواز شريف حكم جديد بالسجن سبع سنوات في قضية كسب غير مشروع، حيث خلصت المحكمة إلى أن شريف لم يتمكن من إثبات مصدر الأموال التي مكنته من إنشاء مصنع للصلب في السعودية.

وقد خلف نواز شريف وحزبه في السلطة رئيس وزراء جديد هو عمران خان، لاعب الكريكت السابق الذي بدأ سطوع نجمه منذ سنوات، وتزعم حركة إنصاف التي ناصبت كلًا من نواز شريف وآصف زرداري العداء، وقد نظر إلى عمران خان على نطاق واسع بوصفه الخيار المفضل للجيش الباكستاني، كما اتّهمت المؤسسة العسكرية الباكستانية بالتدخل في الانتخابات التي جرت في يوليو 2018، ورسمت فيما يبدو مشهد النهاية في مسيرة رجل «بسبع أرواح»، شكل أحد أعمدة السياسة الباكستانية لعقود، في السلطة والمعارضة على حد سواء.

ما أسفرت عنه «وثائق بنما» المسربة: جدل عالمي وتجاهل عربي

 

المصادر

تحميل المزيد