في نهر الأوب بإقليم سيبيريا المتجمد، وعلى جزيرة صغيرة ليست بالبعيدة عن مدينة تومسك مطلة على قرية نازينو، وصل 6200 سجين، من أجل تجربة جديدة يجريها نظام ستالين. تجربة ستقضي على ثلثي المساجين، ومن سينجو من التجربة، لن ينجو من ذكرياتها المؤلمة. إذ لم يكن من السهل الهروب من جزيرة نازينو، ولا من كوابيس جزيرة نازينو.

هذه الحادثة التاريخية، لم يتناولها الكثيرون لبشاعتها، حتى إن ستالين الديكتاتور رفض استمرارها، وعلى الرغم من صعوبة ما سنحكيه في السطور التالية، فإن هذا الجانب المظلم والمخيف في النفس البشرية، موجود بالفعل.

جزيرة نازينو.. هكذا بدأت المأساة

بدأت القصة في مارس (آذار) 1933، حين تقدم جينريخ ياجودا رئيس جهاز الشرطة السري الذي سبق جهاز «كي جي بي» السوفيتي الشهير، وماتفي بيرمان، رئيس نظام الجولاج سيئ السمعة، في الفترة بين 1932 وحتى 1937، بتقديم فكرة جولاج الجديدة!

الجولاج، أو معسكرات العمل السوفيتية – مصدر الصورة: هيستوري

والجولاج هو الاسم الذي كان يطلق على معسكرات الاعتقال السوفيتية؛ إذ كانت معسكرات «العمل» هذه النهاية الحتمية لكل من عدهم النظام مزعجين أو غير مرغوب فيهم، سواءً أكان ذلك بسبب أنهم معارضون لسياسة النظام، أو من عِرقية مختلفة، أو لمجرد أنهم كانوا يمشون في الشارع بدون حمل الباسبور الداخلي الخاص بهم.

كانت الفكرة أن تعيد الحكومة توطين مليوني سياسي، أو معارض، أو أي أشخاص غير مرغوب فيهم، في مستوطنات مكتفية ذاتيًّا في سيبيريا وكازاخستان؛ حيث سيعمل «المستوطنون» على جلب مليون هكتار من الأراضي إلى الإنتاج الزراعي، وبالتالي مساعدة المجاعة التي ضربت الأراضي السوفيتية وتحقيق الاكتفاء الذاتي للمعسكرات الخاصة بهم. وقبل الحصول على موافقة ستالين، قرر ياجودا وبيرمان البدء في تنفيذ الخطة، وكانت البداية مع جزيرة نازينو في سيبيريا.

اعتقلت السلطات السوفيتية 25 ألف شخص وشحنهتم إلى مدينة تومسك في سيبيريا. بعد ذلك جرى اختيار 6200 منهم لمواصلة التحرك على باخرة نهرية إلى جزيرة نازينو، على بُعد حوالي 500 ميل شمال تومسك. أُرسل «المستوطنون» إلى هناك من دون أدوات أو مأوى أو ملابس أو طعام، فقط الطحين هو ما مُنح لهم لبدء حياتهم الجديدة. وبحلول وقت وصولهم الجزيرة، كان 27 شخصًا قد ماتوا بالفعل، وما يقرب من 300 شخص لم ينجوا من الليلة الثلجية الأولى.

عندما استيقظ الناجون، أدركوا هول الموقف، لم يكن هناك شيء ليأكلوه في الجزيرة، بدأت السلطات في شحن الدقيق. لكن في صباح اليوم الأول الذي حاولوا فيه إحضار الدقيق، قام السجناء الجياع بالاندفاع تجاه الجنود الذين كانوا يسلمون حصص الدقيق من أجل الحصول على الطعام، لذلك بدأ الجنود في إطلاق النار على الحشد. في اليوم التالي، تكررت العملية لذلك قررت السلطات أن تختار لكل مجموعة من السجناء قائدًا يقوم بجمع الدقيق من ضفة النهر.

صورة لمتحف الجولاج – المصدر: فليكر

وهنا يجب توضيح سمة مشتركة في الجولاج أيًّا كان مكانه، وهي وضع مجموعة من المجرمين الخطيرين وسط المعتقلين، وذلك «وسيلةً للحفاظ على جوٍّ من الرعب» كما يوضح موقع «راديو فري يوروب» في تقريره عن الحادثة. فبالتالي يمكن تصور كيف استخدم المجرمون الترهيب ليتم انتخابهم من السجناء واختيارهم قادةً لاستلام حصص الدقيق. وعليه مات الكثير من البرودة أو المرض أو الجوع، أما من بقوا على قيد الحياة فقد كان أمامهم خياران فقط.

الأول: الهروب. فقد بنى بعض المستوطنين الأكثر قدرة، طوافات بدائية وحاولوا الهرب بجانب النهر، فغرق الكثير عندما انفصلت الطوافات في منتصف النهر، بينما وجد الآخرون الذين نجوا من الماء أنفسهم مطاردين مثل الحيوانات من الحراس الذين تنافسوا فيما بينهم على قتل أكبر عدد من الهاربين.

ومع ذلك، فإن أي شخص نجح في عبور الماء والهروب من أنظار الحراس كان يواجه التضاريس الصعبة والغابات الموحشة والبرودة القاسية، لدرجة أن الحراس كانوا يعدونهم في عداد الموتى.

أما الخيار الثاني: فكان البقاء على نازينو والنجاة مهما كلف الثمن. فأصبح القتل متكررًا؛ إذ تقاتل الناجون على الموارد الشحيحة والمتضائلة باستمرار، ولم يتمكن الحراس من السيطرة على العصابات التي جابت الجزيرة وتركوهم في حالة هياجهم القاتلة، واكتفوا بمعاقبة المخالفات الصغيرة بين الأفراد الأضعف.

ومع ذلك، بحلول نهاية الأسبوع الأول، كان المستوطنون الجائعون قد تحولوا بالفعل إلى آكلي لحوم البشر! وقد لاحظ  ضباط الصحة ذلك حين وجدوا خمس جثث بأجزاء مفقودة من أجسامهم.

جديرٌ بالذكر أن ستالين رفض فكرة الجولاج التي عرضها عليه ياجودا وبيرمان، لكن ذلك بعد فوات الأوان. وحين صدرت الأوامر بإلغاء التجربة كانت الضحايا قد سقطت بالفعل، وهو ما تحكيه الشهادات التالية على لسان السكان المحليين، هذه الشهادات قد يجدها البعض مؤلمة، وقد يجدها البعض مرعبة، لكن للأسف حقيقية تمامًا.

شهادات الرعب.. عندما أُكل السجناء أحياءً!

نشر موقع «راديو فري يوروب» في التقرير مجموعةً من الشهادات، لشهود كانوا في قرية نازينو، التي تطل على الجزيرة، شهود سمعوا الصراخ، ورأوا الضحايا، بل البعض منهم تحدث معهم.

من ضمن الشهود كانت فيوفيلا بايلينا التي كانت تعيش مع أهلها في القرية، والتي أفادت خلال حديثها مع مُعدِّي التقرير: «في مرة جرى إحضار امرأة من جزيرة الموت إلى منزلنا» فقد أحضرها الجنود لمنزل بايلينا لتتلقى العلاج، وهو ما كان يحدث في بعض الحالات؛ إذ يشعر بعض الجنود بالشفقة تجاه بعض السجناء!

تكمل فيوفيلا: «أخذتها إلى الغرفة الخلفية بالمنزل لتقضي الليلة، كانت تلف جسدها بخرق ملابس، وحينما نزعت الخرق عن ساقيها رأيتها عبارة عن عظام فقط. وحين سألتها عما جرى لساقيها أخبرتني: لقد فعلوا ذلك بي في جزيرة الموت – قطعوها وطهوها».

نعم جرى نزع كل اللحم الموجود على ساقيها. وقد كانت ساقيها متجمدة بسبب هذا. وتكمل بايلينا «كانت قادرة على التحرك بمفردها، بدت وكأنها امرأة عجوز، لكنها في الحقيقة كانت فوق الأربعين بقليل».

جزيرة نازينو، أو معقل آكلي البشر! – مصدر الصورة: روشيان فوتوز

حكت بايلينا في شهادتها قصةً أخرى وقالت «سألنا أحد الشباب: كيف انتهى بك الأمر هنا؟ فقال لم أفعل شيئًا. كنت طالبًا أدرس في موسكو. ذهبت في عطلة نهاية الأسبوع لزيارة عمتي التي تعيش هناك. وصلت إلى شقتها وطرقت الباب، لكن قبل أن تفتح الباب، أمسكوا بي هناك. تم اعتقالي لأنني لم أحمل جواز سفري معي».

حال هذا الشاب كان مثل الكثيرين، جرى اعتقالهم فقط لأنهم لم يمتلكوا جواز سفرهم الداخلي معهم، وجدير بالذكر أن هذا الجواز الذي منعته الثورة البلشفية عام 1917، أعادته الحكومة السوفيتية من جديد لتستطيع الحصول على «مستوطنين».

أما فيرا بانوفايا، المقيمة بقرية أوست تايما، فتحكي في شهادتها عن مقابلتها لرجل يدعى كوزما سالنيكوف، جرى اعتقاله وترحيله إلى جزيرة الموت. تقول بانوفايا: «كان عامل منجم من نوفوكوزنتسك. متزوجًا وأبًا لطفلين. بمجرد ذهابه إلى نوفوسيبيرسك إلى السوق المركزي»، وتكمل على لسان سالنيكوف: «في تلك اللحظة، حاصروا السوق، واعتقلوا كل من لم يكن يحمل وثائق. تم تحميل الجميع – بما في ذلك النساء والأطفال – على بارجة وأرسلونا إلى الجزيرة». 

المميز في قصة سالنيكوف أنه كان من قلة قليلة للغاية استطاع الهروب من الجزيرة، فسبح عبر النهر المتجمد وهرول عبر الغابة الموحشة حتى وصل إلى قرية استطاع العمل في إحدى مزارعها، فتكمل بانوفيا قصته وتقول «لم يكن هناك طعام، تعرض الناس للتعذيب بسبب الجوع. كان الحراس يلقون عليهم قطع الخبز أثناء مرورهم بالجزيرة. إذا حصلت على قطعة، هنيئًا لك ستأكل، الباقي لن يفعل. كان سالنيكوف هناك، لكنه تمكن من الفرار».

الشهادة التالية هي في الواقع شهادة أحد سجناء الجزيرة أو كما أُطلق عليهم «المستوطنون»، فحينما بدأت التحقيقات الرسمية حول حادثة الجزيرة، جرى سؤاله عما إذا كان قد «أكل لحومًا بشرية» وقد قال «لا ليس صحيحًا، فقد كنت آكل القلوب والأكباد فقط» وحين سُئل عن التفاصيل أجاب «كان الأمر بسيطًا جدًّا. تمامًا مثل الشاشليك. صنعنا أسياخًا من أغصان الصفصاف، وقطعناها إلى قطع، وعلقنا القطع على الأسياخ، وشويناها فوق نار المخيم».

وأضاف في التحقيقات: «اخترت أولئك الذين لم يكونوا أحياء تمامًا، لكنهم لم يموتوا بعد. كان من الواضح أنهم كانوا على وشك الذهاب، في غضون يوم أو يومين سيستسلمون للموت. لذلك كان الأمر أسهل بالنسبة لهم بهذه الطريقة. الآن وبسرعة. دون معاناة لمدة يومين أو ثلاثة أيام أخرى».

وصفت بعض الشهادات الأخرى ربط نساء في الأشجار وتقطيع أثدائهن، وأفخاذهن وبعض الأجزاء الأخرى من أجسادهن، فتحكي إحدى سكان القرية «في الجزيرة كان هناك حارس اسمه كوستيا فينيكوف، شاب صغير السن. كان يغازل فتاةً جميلة أُرسلت إلى هناك، وقرر حمايتها. ذات يوم كان عليه أن يكون بعيدًا لفترة من الوقت، أمسك الناس بالفتاة المسكينة، وربطوها بشجرة، وقطعوا ثدييها، وعضلاتها، وكل شيء يمكنهم تناوله، كل شيء. كانوا جائعين، وكان عليهم أن يأكلوا. عندما عاد كوستيا، كانت لا تزال حبيبته على قيد الحياة، حاول إنقاذها، لكنها كانت قد فقدت الكثير من الدماء، وماتت».

كذلك حدثت حالات اعتداء على الذين كان لديهم حشو ذهبي في أسنانهم – وقد كان ذلك الشائع في ذلك الوقت – واستخراج هذا الذهب، وحين سُئل أحد المجرمين الذين كانوا على الجزيرة عن سبب فعلهم ذلك، أجاب بلامبالاة: «من أجل التدخين. الناس بحاجة للسجائر، وكان يمكن الحصول على دفاتر التبغ أو جريدتين كاملتين للف السجائر من الحراس في مقابل إعطائهم تلك القطع الذهبية».

فاسيلي فيليشكو.. وكشف الستار

كانت الكارثة في جزيرة آكلي لحوم البشر مروعةً للغاية، الأصوات التي سمعها أهالي قرية نازينو، والضحايا الذين تعاملوا معهم في الحالات النادرة مثل حالة بايلينا، جعلت الألسن تتهامس حول ما يحدث في جزيرة الموت، وقد بدأت الهمسات تعلو حتى وصلت لأسماع مدرب شيوعي محلي يدعى فاسيلي فيليشكو، الذي بدأ بمبادرته الخاصة للتحقيق في يوليو (تموز) 1933.

أجرى فيليشكو مقابلاتٍ مع العشرات من أهالي القرية التي تطل على الجزيرة وكتب تقريرًا من 11 صفحة أرسله إلى السلطات في موسكو، وختم تقريره بـ«سري للغاية»، لكن هذ التقرير لم يرَ النور إلا في عام 1994.

تاريخ

منذ 5 شهور
مترجم: حُفرت بدماء 25 ألف سجين.. قصة شق قناة البحر الأبيض المنافِسة لقناة السويس

وصل فيليشكو إلى الجزيرة في أغسطس (آب) وكان قد جرى إخلاء الجزيرة في يوليو، «كان العشب في الجزيرة عاليًا» كما قال فيليشكو «لكن السكان المحليين الذين ذهبوا إلى هناك لجمع التوت عادوا بعد اكتشاف الجثث في العشب ورؤية ملاجئ العصي المليئة بالهياكل العظمية».

أوضح فيليشكو في تقريره حقيقة ما حدث على الجزيرة، كيف مات البعض من البرد، ومات البعض من الاحتراق من نار المخيم. وكيف كانوا يجوعون لأربعة أو خمسة أيام حتى تأتيهم حصصهم من الدقيق، بضعة جرامات لكل فرد، البعض أكله كما هو واستنشقوه عن طريق الخطأ فاختنقوا وماتوا، والبعض خلطوه بمياه النهر فأصابتهم الديزانتريا وماتوا.

أثار تقرير فيليشكو ضجةً كبيرة في موسكو، فأرسل الحزب الشيوعي لجنةً خاصة إلى نازينو للتحقيق، وهناك تأكدت وقائع التقرير إلى حدٍّ كبير. وقد كانت بشاعة الأحداث على الجزيرة تتخطى كل الحدود، حتى حدود الجولاج السوفيتي، لذلك جرى معاقبة العديد من المسؤولين عن المعسكر وحُكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، لكن بالطبع في سجون عادية وليست جولاج.

قامت السلطات بحل مستوطنة نازينو بعد أقل من شهر على وصول «المستوطنين» أرض الجزيرة، وقد مات ما يقارب 4 آلاف شخص. ونُقل الباقون على قيد الحياة إلى مستوطنات أخرى. ويوضح موقع «هيستوري كوليكشن»، كيف أنه مع سياسة جلاسنوست – والتي تعني الشفافية – في عام 1988، أصبحت تفاصيل المأساة متاحةً للجمهور لأول مرة. 

لكن المؤكد، أنه بسياسة «جلاسنوست» أو بدونها، فإن السكان المحليين، لم ولن ينسوا ما حدث على جزيرة نازينو، عندما جعل نظام ستالين البشر يأكلون بعضهم بعضًا، على جزيرة الموت.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد